نقد التبعية الثقافية

د.عبدالله أبو هيف

عندما استرد الكاتب الكيني الكبير نفوجي واثيونغو اسمه الافريقي ولغته الافريقية، لم يكن يفعل شيئاً استثنائياً، لأنه عبّر، ضمن مسار غالب على اختيارات الكتاب التابعة، عن محاولة، توصف احياناً باليائسة او المدمرة، لاسترداد الهوية ومواجهة الامبريالية الثقافية او الاستعمار الثقافي، أو ما سماه واثيونغو نفسه "استعمار العقل". ولم يكتف واثيونغو بالمواجهة، بل دعا الى "تصفية استعمار العقل " (1986)، فقد وجد ان ا لخلل اللغوي والثقافي، باستعمال اللغات الامبريالية او الاستعمارية وثقافاتها هو خلل علاقة مع المستعمر او الامبريالي المهيمن والغاشم. لقد أدرك واثيونغو انه يكتب عن نفسه مثلما يكتب عن سواه من الكتاب الافارقة، وهذا ينطبق على الكتاب في البلدان التابعة كلها، "فالاشكالات الراهنة لافريقيا لم تأت في الغالب بسبب اختيار شخصي، بل انها نتيجة وضع تاريخي. كما ان الحلول ايضاً ليست مسألة قرار شخصي بقدر ما هي تحول اجتماعي أساسي لبنى مجتمعاتنا يبدأ من قطيعة حقيقية مع الاستعمار وحلفائه من الحكام المحليين".

كانت تجربة واثيونغو تتويجاً للمواقف المناهضة للامبريالية والاستعمار في مجالهما الاعمق، أعني الثقافة واللغة، غير ان سيرة المناهضة ليست بنت العقود الثلاثة الاخيرة، فهي تعود الى عقود مبكرة من هذا القرن في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، وقد شهدت الثقافة العربية منذ سنوات النهضة الاولى في منتصف القرن التاسع عشر عمليات متعددة ومختلفة للوعي الذاتي، الا ان ثمة عنصراً جوهرياً مفقوداً، بقدر أو بآخر، في هذه العمليات هو الانبثاق من التاريخ الذي يصنعه بالدرجة الاولى الاستعمار او الامبريالية.

ثم كان التحدي الأبرز في ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تراكمات الاستعمار والامبريالية التي تجذرت لدى ورثتها المتحالفين او التابعين، على نحو علني او خفي، فكان الشعور المرير بوعي الآخر المستعمر او الامبريالي في قلب الوعي الذاتي نتيجة التناقض القومي مع الاستقلال والتنمية والحرية والماضي والميراث الديني والعقائدي في ظروف ما بعد الاستعمار، او في ظروف استتباب الهيمنة الامبريالية ليس على خرائط الحاضر، بل على خرائط المستقبل ايضاً، وهو ما اكدته ظاهرة معاداة الاستعمار والامبريالية من قبل رموز قومية ووطنية باءت بالخيبة والفشل والخذلان، وما يوصف في الوطن العربي بالهزائم المتوالية منذ عام 1948 حتى اتفاق "غزة - اريحا اولاً" عام 1993، واتفاق "وادي عربة" عام 1994، واتفاق "اوسلو2" عام 1995 وما تلاها من اتفاقات جائرة بحق الامة العربية.

لقد انقضت حقبة معاداة الاستعمار والامبريالية، واستبدلت خلال العقود الثلاثة الاخيرة بالاستقلال والحرية والهوية على انقاض أوهام مغامرة وعي سميت معقدة لأول مرة في رواية الافريقي السنغالي المسلم الشيخ حميدو خان "المغامرة المعقدة" (1953)، فعندما اختار الافريقي الشاب طريقاً غريبة هي طريق الغرب الاستعماري، كان يعلن هزيمة المغامرة ذاتها:"يبدو لنا فجأة اننا طوال سيرنا لم نكف عن التحول، واننا اصبحنا اخيراً مختلفين، واحياناً لا يتم التغيير كاملاً، وقد يستقر بنا هذا التغيير عند مرحلة التهجين وتركنا فيها عندئذ ننزوي وقد ملأنا الخجل... لقد اخترت الطريق التي تؤدي الى الهلاك اكثر من غيرها".

ان كاتباً هو محمد كامل الخطيب (سورية) استعار في منتصف السبعينيات عنوان الشيخ حميدو خان في توصيفه لمحتوى وعي القاص العربي الحديث بالآخر المستعمر او الامبريالي، وهو وعي كان قاصراً مشحوناً بالدونية والعلاقة غير المتكافئة، وبلغ الاحساس بالتبعية مبلغاً لا يحسد عليه لدى جورج طرابيشي (سورية) الذي لاحظ ان "عامل المثاقفة، أي استيراد الثقافة المتروبولية حاسم الاثر في الباس العلاقات الحضارية رداءً جنسياً، حسبما يتجلى في الادب الذي يتصدى لهذه العلاقات، ومنه فإن الامة المستعمرة تستمر بتبعيتها، أي دونيتها الانثوية من خلال عملية المثاقفة".

وخلال عقد الثمانينيات سيتوافر ناقد وكاتب عربي آخر هو نبيل سليمان (سورية) لدرس هذا الوعي من منظور الهوية القومية المباشرة بما هو "بلورة الكيان" الهوية، وعي الذات الفردية والقومية". ولاحظ ان الهوية القومية محاصرة بالعطالة والسلبية في سوق الكلام والشعارات والاطروحات والمقولات والمجالات التي غالباً ما تطيح التوازن بين الفن والخطاب الايديولوجي، اما الصوت الاقوى في مواجهة الاخر فهو الانكفاء والتدمير، وقد بلغت هذه الرؤية التدميرية ذروتها في رواية "دعوة الذئب الى العرتوق" (1982) لالياس الديري (لبنان) التي قدمت الشريحة البرجوازية الصغيرة، فاقدة الرؤية التاريخية وغارقة في أوهام وعي الذات والآخر.

اعترف الكاتب العربي منذ مطلع الثمانينيات بظاهرة التبعية، وان ثقافته تندرج فيها، وان عليه ان يندرج في سياقها ايضاً، او ان يتخذ موقفاً آخر، وفعل كثيرون ذلك متخذين سبيل وعي ظاهرة التبعية تمهيداً للوعي الذاتي وتجذيره وتصليبه من خلال إعمال البحث في الأصالة الثقافية، على ان تراث الانسانية كله، ومنه الثقافة العربية، تراث للثقافة العربية الحديثة، فحفلت الممارسة الثقافية العربية خلال هذه الفترة بعشرات المحاولات التوفيقية او المنعزلة او المقهورة لمعضلة الاصالة والتحديث ازاء صدمة الغرب بتعبير ادونيس (1978) او صدمة الاقرار بأن الثقافة العربية تابعة. وقد رأت كاتبة اخرى هي رضوى عاشور (مصر) متفائلة في بحثها للرواية في غرب افريقيا ان "التابع ينهض" (1891)، وهذا هو عنوان كتابها ايضاً، ووجدت "ان كتّاب الرواية في غرب افريقيا يؤسسون أدباً قومياً يعكس الثقافة الوطنية لشعوب المنطقة التي يمتزج فيها حضور التاريخ باللحظة المعاشية"، أي ان أفرقة الرواية برأيها على الرغم من استعمال الروائيين للغات غير افريقية، ساعدهم على استلهام "تراثهم الثقافي الافريقي" والاستفادة من الانجازات الثقافية الغربية".