بتجارب غير مشجعة ودَين اخترق "الهبوط الآمن"
هل تفلح موازنة 2002 بما أخفقت سابقاتها؟

حددت وزارة المال "الأهداف الكبرى" لمشروع قانون موازنة 2002 بـ: خفض الانفاق العام وترشيده، تحقيق زيادة ملحوظة في إيرادات الخزينة، خفض تدرُّجي ومستمر للعجز، خفض كلفة المديونية العامة، تحقيق النمو المستدام، ترشيق حجم القطاع العام، الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيزه، العناية بالشأن الاجتماعي وتسريع الخطوات لتنفيذ برنامج التخصيص.

 

فذلكت وزارة المالية الموازنة بالقول إنها تتميز بلحظها لأول مرة خفضاً في مجموع الانفاق مقارنة بما كان عليه في السنة السابقة، ليصبح مجموع الموازنة 9375 مليار ليرة، فيما تقدر الوزارة الايرادات المتوقعة بمبلغ 5565 ملياراً.

ولخفض العجز قياساً بالناتج المحلي من 20 في المئة الى 14 المئة، رسمت الحكومة لمشروع الموازنة 3 مسارات متوازية هي: خفض الانفاق نحو 39 في المئة من الناتج المحلي في 2001 الى 35 في المئة في 2002، زيادة الايرادات بما يعادل 17 في المئة من الناتج الى حوالى 21 في المئة، وخفض تدرُّجي لكلفة الدين الذي تجاوز 28 مليار دولار نهاية 2001، على ان يتضمن ذلك احتواء الزيادة (المتوقعة) في نمو عائدات التخصيص، بدءاً من قطاعي الكهرباء والاتصالات.

وتؤدي فلسفة الموازنة على هذا النحو الى توزع نفقاتها على 34 في المئة، او ما يعادل 3209 مليارات ليرة للرواتب والتعويضات ومعاشات التقاعد، و47 في المئة او 4500 مليار ليرة لخدمة الدين العام، ما يعني أن نحو 18 في المئة من النفقات المقدرة بـ9375 مليار ليرة تذهب لخدمة الدين والرواتب والاجور والملحقات.

وبعد التعديلات التي أدخلتها لجنة المال والموازنة على مشروع القانون، أصبحت أرقام موازنة 2002 النهائية تشمل 9375 مليار ليرة للإنفاق، نزولاً من 9425 ملياراً، بخفض قيمته 50 ملياراً، و 5565 ملياراً للإيرادات مقابل 5650 ملياراً بخفض 85 ملياراً، لتصبح نسبة العجز المتوقعة 40,5 في المئة.

لكن موازنة 2002 وعلى الرغم من الاخراج التجميلي الذي تبدو عليه، لا تخلو في طبيعة الحال - كما درجت العادة - من ثغرات بنيوية تطرح السؤال عما اذا كانت وزارة المال ـ ومن ورائها الحكومة ـ قادرة على التزام نسبة العجز المقدرة.. ذلك ان توقعات الوزارة طالما أخطأت منذ مطلع التسعينات، اذ يظهر قطع الحسابات بين 1994 و 2000 ان مجمل الفرق بين العجزين الفعلي والمتوقع تخطى 9300 مليار ليرة!

 وتساق الانتقادات لمشروع الموازنة انطلاقاً من جملة ملاحظات أساسية:

1 - لحظ المشروع خفضاً كبيراً للإنفاق الاستثماري نسبته 32,8 في المئة، أي ما يعادل أكثر من 390 مليار ليرة.. وبعد أقل من عام على إقرار موازنة توسعية سنة 2001، ترفع الانفاق بنسبة 15 في المئة وتخفض الايراد 9 في المئة، تتبنى الحكومة الآن موازنة تناقض الاتجاه المُعبّر عنه في بيانها الوزاري، فتخفض الانفاق العام 5 في المئة وترفع الايراد (ضرائب ورسوم) 15 في المئة.

2 - يهدف المشروع الى "تعزيز النمو ودور القطاع الخاص في الاقتصاد الحقيقي" (أي المنتج)، ويخفض في المقابل موازنات الوزارات الاساسية الأربع لهذا الاقتصاد من 106 مليارات ليرة الى 61 ملياراً، أو ما نسبته 42 في المئة مقارنة مع 4,8 في المئة لمجموع الموازنة. والوزارات هي: الصناعة، الزراعة، الاقتصاد والسياحة.

3 - في نهاية 2001 زادت نسبة المديونية الخارجية نسبة لمجموع الدين الى 30 في المئة من 18 في المئة بين العامين 1993 و 1997، بما يعني ان هذه المديونية دنت من حد الاشباع عند السقف الذي أوصى به "سيناريو الهبوط الآمن" الذي وضعه البنك الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 1997.

ومع ذلك تطلب الحكومة في المشروع من المجلس النيابي، إجازة لاستدانة 3 مليارات دولار عن طريق سندات خزينة بالعملات الأجنبية، صعوداً من مليارين في الموازنات السابقة.

4 - يخصص المشروع 225 مليار ليرة تسهم الدولة فيها بالمشاريع المموّلة من جهات عربية ودولية بقروض ميسرة.. لكن وزارة المال تقر من جهة أخرى بأن قدرة الادارة العامة الاستيعابية لن تمكنها من سحب أكثر من نصف مليار دولار سنوياً، من أصل ملياري دولار هي قيمة القروض المتيسرة، أو التي لا يزال التفاوض مستمراً بشأنها.

5 - لم يأتِ المشروع على ذكر مخالفات الاملاك العمومية البحرية والنهرية، مع ان التوقعات المتباينة تشير الى إيرادات مرتقبة منها تراوح بين 200 مليار ليرة و 800 مليار، او ما يعادل أقصاه الايراد المنتظر من ضريبة القيمة المضافة.

6 - تراكم موازنات الحكومة، ومنها المشروع الجديد، المديونية الداخلية والخارجية معاً، بدلاً من العمليات المُعلن عنها لاستبدال الدين الداخلي بآخر خارجي لخفض كلفته نظراً الى الفارق الكبير في الفائدة. إلا ان تقلص الهامش كثيراً بين الفائدة المحلية والدولية يضيّق بدوره هامش المناورة في هذا الاطار.

7 - تفيد المعلومات المتوافرة ان الدولة تدفع رواتب لنحو 90 ألف مستخدم وموظف ومتعاقد ومتعامل وأجير، اضافة الى 72 ألف عنصر في الأسلاك العسكرية والأمنية، وتعيل 49 ألف متقاعد يقتطعون وحدهم 18 في المئة من مجموع موازنة 2002، باستثناء خدمة الدين العام.. ويخلو المشروع من اجراءات عادلة وواضحة وسريعة لترشيق هذه الدوائر.

8 - بعد خفض لا بأس به لمعظم بنود التعرفة الجمركية، الأمر الذي ترك ارتياحاً في الاسواق وأسهم الى حد ما في تحريك الاستهلاك، استحدثت الحكومة ضريبة القيمة المضافة (على الاستهلاك) لترفد الخزينة بنحو 800 مليار ليرة، اضافة الى 250 مليار ليرة مصدرها الرسوم التي يحفل بها الجدول رقم (9).

وخلافاً لما كان متوقعاً، أقرت ضريبة القيمة المضافة لتصبح نافذة بدءاً من أول شباط/فبراير الحالي تزامناً مع انطلاق شهر التسوّق، لتضيف إيراداً الى الرسوم الجمركية عوضاً عن ان تكون بديلاً كاملاً منها.

9 - يرفع المشروع العائدات الضريبية 38 في المئة دفعةواحدة من 2960 مليار ليرة الى 4098 ملياراً. ولاحظ النائب نسيب لحود ان هذه القفزة الضريبية لم يشهدها لبنان في تاريخه، اذ سيرتفع العائد الضريبي المتوقع دفعة واحدة من 12 في المئة الى 16 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي.

وأشار في مستهل جلسة مناقشة الموازنة الى أن 1300 مليار ليرة ستتسرب من الدورة الاقتصادية (المفتقرة أصلاً الى السيولة)، ما يعني ان الاقتطاع الضريبي سيزيد على كل مواطن بمعدل 430 ألف ليرة (اذا كان عدد السكان 3 ملايين)، ليرتفع مجمل الاقتطاع سنوياً الى مليون و 930 ألف ليرة من الضرائب ما عدا الرسوم.. أفبهذا تعزز الحكومة الاستهلاك وتحفّز النمو؟