|
البورتريه
الكاريكاتوري |
|
|
لا
شك في ان أكثر رسامي الكاريكاتور في العالم
تطرقوا بشكل أو بآخر لرسم "البورتريه"
الكاريكاتوري، وبرع الكثير منهم في هذا
الفن الذي أصبح له أربابه المتخصصون به من
دون سواه، فقد أفرد هؤلاء الرسامون الكثير
من وقتهم لدراسة الملامح والتعابير،
وللتنقيب عن أي ثغرة يعبرون من خلالها
لينفخوا في مكان و"ينفسوا" آخر. علماً
بأن الأمر يتخطى هذا التحوير الخارجي
للملامح، ففي الكثير من الأحيان يوغل رسام
"البورتريه" في شخصية المرسوم، فيظهر
مكنوناتها من خلال التعابير أو حتى الألوان. وعلى
عكس ما قد يظنه البعض، فإن البورتريه
الكاريكاتوري ليس فعلاً عدوانياً يبغي
التشهير بالآخر وإبراز عيوبه، بل ان أكثر
هذه الرسوم تحمل مبالغة لطيفة ومتوازنة "لتقديم
وجه كاريكاتوري يحمل موقفاً بعيداً عن
المبالغة المجانية الحيادية"، كما يقول
رسام البورتريه السوري "حسن إدلبي".
أما "هنري برجسون" فيقول: "كم من
صورة كاريكاتورية أكثر شبهاً بصاحبها من
صورة فوتوغرافية".
أما
في أيامنا الحالية فلكل بلد رساموه الذين
قلّبوا و"جوجلوا" وجربوا فيه لتخرج
علينا "بورتريهات" كاريكاتورية مدهشة
استخدمت فيها كل التقنيات والأدوات
والزوايا والتحويرات، ومن ملوك البورتريه
في العالم نذكر الفنان البرازيلي "لوريدانو"
والنمساوي "سوكول" وآخرون وصلوا
بالبورتريه الى حد العبقرية. والعالم
العربي قدم عدة فنانين في مجال هذا الفن،
لكن العدد لا يرتقي الى مستوى الطموح.. حتى
ان بعض البلدان لم يقدم فناناً واحداً في
هذا المجال. لكن لننظر الى الجانب الملآن من
الكأس ونسلط الضوء على هؤلاء الفنانين
الذين ـ على قلتهم ـ قدّموا مستوى راقياً. ومن
هؤلاء الفنانين نتوقف عند تجربة الفنان
المصري جورج البهجوري الذي أخذته التقنية
الكاريكاتورية منذ البداية، وكان يقضي
معظم وقته في اللعب مع الخط للوصول الى
الشكل المختزل بالطرق "الملتوية"، حيث
وصل لتقديم "بورتريه" الخط الواحد
بسرعة هائلة. أما
في البورتريه الكاريكاتوري الملون فقد
تمكن البهجوري من أن يكون مدرسة في
التشكيل، فهو كالحاوي ينفخ في الريشة ليرقص
الخطوط والألوان. والمدهش أنه يعتمد خططاً
سرية في تأليف الوجوه، فلكل وجه خصوصية
ومدخل وأدوات، وهو في أكثر رسومه الملونة
يستعير مناخات مدارس التكعيبية والتجريدية
والوحشية، فهو يتعمّد في بعض الأحيان ان
يقدم ألواناً غير متجانسة جنباً الى جنب،
كما نلاحظ خطوطه المتقاطعة والمتداخلة
بشكل معقد وبسيط ومدروس، علماً ان كلمة
مدروس قد تزعج البهجوري الذي يستسلم
لعفويته في الرسم، مع الاعتماد على مخزونه
الذي يضبط عملية الارتجال. والجدير
ذكره ان البهجوري نال عدة جوائز عالمية على
هذه الوجوه. ومن
مصر أيضاً هناك "مصطفى حسين" الذي
غالباً ما يقدم بورتريهاته ضمن أفكار
مستقلة.
يرسم
مصطفى حسين "البورتريه" الكاريكاتوري
ضمن قواعد اللون الأكاديمية من حيث الظل
والنور مع بعض الاجتهادات، والكلام نفسه
يمكن ان نقوله عن بورتريه "شريف عليش"
المصري الذي درس الفن في مصر
وتشيكوسلوفاكيا وأميركا، وهو في الصحافة
منذ العام 1979. أما
بصمة عليش الخاصة فتكمن في المبالغة في
التحوير، اضافة الى اعطائه وقتاً أكبر
للرسم، مع ما يستتبع ذلك من تنويع في طبقات
اللون وغوص في التفاصيل الدقيقة للوجه. وفي
مصر لا بد من الاشادة برسوم الفنان سمير،
والثناء على بورتريهات ناجح حسان الذي يقدم
رسومه بشكل مغاير كأنها مخلوقات فضائية.
وهو بارع في اختزال الملامح وتلوينها
بطبقات شفافة ومتساوية من دون أي فذلكات
تُذكر. ولا
ننسَ وليد طاهر صاحب الخطوط المجردة
والحرة، بحيث تتلوى ببطء لتخرج خلسة عن
حدودها المعتادة.. وهناك الفنانان القديران
حجازي ورجائي اللذان قدما البورتريه، لكن
لم يتفرغا له بحيث يستقلان بشخصية خاصة في
البورتريه الكاريكاتوري. أما
في لبنان، وبرغم التلازم شبه الدائم بين
الكاريكاتوري اليومي ووجوه السياسيين، الا
ان فنانيه المعروفين كبيار صادق وجان
مشعلاني وملحم عماد لم يقدموا بورتريهاً
كاريكاتورياً جديداً يحمل أي خصوصية في
الخط او اللون، برغم ان بيار صادق قدم أكثر
من 40 وجهاً في كتابه "اضحكوا مع بيار صادق
على السياسيين". بينما
استطاع ستافرو ان يصنع شخصية متميزة في
البورتريه ضمن أشكال عدة، منها تقنية ادخال
الصورة الفوتوغرافية للشخصية المنوي رسمها
الى الكمبيوتر لمطّها أو ليّها ثم إخراجها
لرسمها بشكلها الجديد. كما رسم ستافرو بعض
الوجوه بالأسلوب التكعيبي، كما حصل مع
بورتريه للرئيس الياس الهراوي.. وأيضاً رسم
الرئيس الحريري بمناخات اللوحات
التجريدية، كما رسم سلسلة من الوجوه باللون
الاسود الكامل، ثم اضاف الألوان السميكة
فوقها كالأكريليك على شكل ضربات لونية
سريعة. ورسم ستافرو البورتريه
الكاريكاتوري الكلاسيكي ليظهر مهارته في
العلاقة مع اللون، وقد نجح في بعضها ولم
يُوفق في الأخرى، ربما لأن ستافرو يعيش
دائماً هاجس السرعة. علماً بأنه أصدر
كتاباً خاصاً بالوجوه السياسية والثقافية
والفنية وبأساليب مختلفة عام 1996 تحت عنوان Traitspeciol. كما
ظهر في الثمانينات كتاب "ملامح تحت الضوء"
للفنان أسامة حديب، قدم فيه ما يوازي مئة
رسم لسياسيين عالميين وعرب بأسلوب حديث
ومختمر يبدو فيه الفنان حديب كأنه يعجن
الوجوه ويعيد خبزها ضمن رؤيته الخاصة. ومن
الأسماء الشابة التي أظهرت مهارة في هذا
الفن في لبنان نذكر: حبيب فغالي، آرمان
حمصي، جورج أبو مهيّئ وآخرون. أما
في سوريا فلم يبرز في فن البورتريه
الكاريكاتوري سوى الفنان حسن إدلبي الذي
اختار هذا الفن ليكون مشروع تخرجه من كلية
الفنون. وفعلاً رسم رئيس الجامعة والاساتذة
والموظفين والطلاب والفراشين، وقد اختار
هذه الوجوه لأنها لم تُرسم من قبل، ولكي لا
يُتهم بالاقتباس او النقل اذا رسم المشاهير.
والنتيجة انه حاز الترتيب الأول في هذا
المشروع (التخرج)، ورسم بداية خط وأسلوباً
اشتهر من خلالهما في ما بعد. يعتمد
حسن إدلبي الاسلوب الواقعي الكاريكاتوري
ضمن الأسس والقواعد الأكاديمية، لكنه
يمتلك مقدرة كبيرة على التحوير والمبالغة
وتظهير التفاصيل الدقيقة جداً. وقد
استطاع إدلبي بناء شخصية خاصة بوقت قصير،
علماً بأن حركته دائماً تصاعدية تطويرية.
فبعد ان كانت رسومه تحمل تبايناً تقنياً
بين الرأس والجسد، استطاع الوصول الى نتيجة
مرضية في الآونة الأخيرة. أما
من العراق فتستوقفنا تجربة الفنان علي
المندلاوي الذي رسم البورتريه بكل أشكاله،
العادي منه والكاريكاتوري الأسود والأبيض
والملون، حتى الألوان متنوعة، فهو يستخدم
الأكواريل والغواش والأكريليك والحبر
والصيني وأنواعاً أخرى.. كل هذا للوصول الى
وجوه مغايرة محاكة بخيوط مميزة. وفعلاً
استطاع المندلاوي سبر كل الأغوار ليقدم
رسومه بنَفَس خاص من خلال عدة منابر. في
هذه الوجوه كانت الثقافة التشكيلية
والقواعد الفنية حاضرتين انما بخفر، فهو
يعرف كيف يقوم بعملية "المونتاج"،
فيستبعد التجاعيد الدقيقة والتفاصيل
الصغيرة لمصلحة تضخيم أو إبراز الكتل
الكبرى ـ كالأنف أو الأذن او الشفاه ـ حسب
كل شخص. أما الشعر فقد خصّله بشكل يتوازن مع
تقنية الوجه ذاتها، حتى انه في وجه "الجواهري"
صاغ شعر الرأس والحاجبين بطريقة تعكس صفة
"الجواهري" كشاعر، فطوّله وطيّره في
الفضاء بشكل متمرد وحالم يوحي بأنه شاعر
حتى من دون ان يعلم المتلقي بصفته، وهو هنا
يلتقي مع ما قاله "ديفيدلو" أعظم رسامي
الكاريكاتور في بريطانيا: "ان
الكاريكاتور ليس عبارة عن منظر الشخص، بل
ما ينبغي ان يكون عليه منظر الشخص". لكن
هذا الكلام لا ينطبق على واقع البورتريه
الكاريكاتوري في العالم العربي، حيث ان لكل
دولة محاذير و"أخلاقاً" تفرض تقديم
الكاريكاتور الملطف مع الحياد، حتى ان
أصحاب الصحف والفنانون أنفسهم غير مستعدين
للاقتراب من جو البورتريه "الفاضح" أو
"الجارح"، اللهم الا اذا كان المرسوم
"شارون". عبد
الحليم حمود |
|