"الدولة الفلسطينية" بين الكتب البريطانية والرؤية الأميركية

مصطفىالولي

كان موضوع "الدولة الفلسطينية" ولا يزال يشغل اهتمام القيادات الفلسطينية ومعها المؤسسات السياسية العربية. ولقد راحت نخب سياسية وفكرية فلسطينية وعربية تشيع بقوة أن الدولة الفلسطينية باتت قيد المنال، معتمدة في ذلك على تصريحات وبيانات أو مقترحات قدمتها دوائر الغرب، أو بعض الأوساط السياسية في "اسرائيل" الموصوفة بـ"اليسار".. الا انه بين اتفاق أوسلو 1993 واتفاق غزة ـ أريحا 1994، وبين فشل قمة كامب ديفيد (تموز/يوليو 2000)، أخذ الاضطراب في تقدير المواقف والتشوش في الرؤى، وبالتالي التأرجح بين دفقات الأمل وجائحات اليأس، يترك ظلاله على المداولات السياسية والفكرية بشأن (الدولة الفلسطينية) وآفاق تحققها في المسار التفاوضي. ومع الاعلان عن الرؤية الاميركية (تشرين الثاني/نوفمبر 2001) حول "دولة فلسطينية" في الأفق التفاوضي، أخذت السجالات تزداد ارتباكاً في وسط الذين ينشدون (دولة فلسطينية) في المسار التفاوضي.

على امتداد العقدين الماضيين أفرز السجال الفكري السياسي حيال الصراع العربي ـ الصهيوني فكرة مفادها أن فرصاً كان يمكن استثمارها لتحقيق المصالح العربية ومنها الفلسطينية، أضاعها العرب في تشددهم ورفضهم الحلول الوسط،

ولعل مثل هذه الفكرة هي التي اعتمدت في تسويغ كل اتفاقات التسوية على الجبهات المصرية والفلسطينية والأردنية. وفي غضون سجال الأفكار تلك بخصوص فلسطين، كان استخدام محطة تقسيم فلسطين 1947 ورفض الفلسطينيين العرب القبول به، يدفع البعض الى الاعتقاد أو الادعاء بأن ذلك الرفض هوالذي أحبط قيام "الدولة الفلسطينية" في نهاية الأربعينيات. وفي اعتقادنا أن مثل هذه الأفكار والاستنتاجات تقفز عن الفهم الصحيح لطبيعة الصراع ومضمون التناقض، فضلاً عن قصورها في قراءة الوقائع التاريخية في محطات الصراع المختلفة، حيث انها تبين بكل تجرد أن العرب والقيادات الفلسطينية كانوا قد مارسوا سياسة "عقلانية" و"واقعية" في تعاطيهم مع مشاريع ومقترحات دولية لحل الصراع، وأحبطتها الصهيونية والوكالة اليهودية بتحالفها الوطيد مع الغرب الاستعماري.

استخدم العرب في سنوات 1917 ـ 1919 حتى 1921، طريق العرائض والبرقيات الموجهة الى دول الحلفاء (بريطانيا وفرنسا)، تطالبهم باحترام رغباتهم وأمانيهم، وهو ما جاء في برقية المؤتمر العربي الفلسطيني الأول الموجهة الى مؤتمر "السلم والصلح" في باريس، قبل اتخاذ عصبة الأمم قرارها بانتداب بريطانيا على فلسطين.. وحين نص قرار مجلس الحلفاء في سان ريمو (20 - 4 - 1920) على اتخاذ التدابير لتأسيس "وطن قومي يهودي" في فلسطين بالتدريج، طالب المؤتمر العربي الفلسطيني بحق تقرير مصير فلسطين واختيار شكل الحكومة التي يرضى بها شعبها، الى جانب رفضه الادارة المنتدبة لأنها تعمل من دون مجلس تشريعي يمثل السكان، وقبل ان تقر عصبة الأمم انتداب بريطانيا على فلسطين. وكانت اشتباكات حيفا ويافا بين العرب واليهود نتيجة تواطؤ الانتداب مع الصهيونية، فصدر الكتاب الأبيض الأول عن ونستون تشرشل (حزيران 1922) حاول فيه التخفيف من مخاوف العرب من مشروع "الوطن القومي اليهودي"، والتأكيد أن الصهيونية تسعى الى التعايش وتحقيق التقدم والرقي للشعبين في فلسطين.

في نهاية العشرينيات من القرن الماضي، حاول اليهود انتزاع حائط البراق من العرب بتنظيم مسيرة اليه باعتباره "حائط المبكى"    (1929)، وأدى ذلك الى استفزاز مشاعر العرب فهبوا للتصدي وكانت ثورة البراق، الأمر الذي اضطر حكومة لندن الى اصدار كتابها الأبيض الثاني (1930) الذي وردت فيه اشارة فقط الى ان الوقت قد حان للسير في مسألة منح فلسطين درجة من الحكم الذاتي.. ومع أن مطالب العرب كانت أكبر من ذلك، غير أن اللجنة التنفيذية العربية عبّرت عن رضاها في بيان دعت فيه الى عدم القيام بتظاهرات احتجاج ضد بريطانيا عشية الذكرى السنوية لوعد بلفور في ذاك العام، بينما رفضت الصهيونية مبدأ الحكم الذاتي لفلسطين لأن تعداد السكان سيجعل العرب هم الأقوى في مؤسسات الحكم.

وتراجعت حكومة ماكدونالد عنه في عام (1931) لتصدر من جديد بياناً بتوسيع الهجرة وتأكيد "الوطن القومي اليهودي"، الأمر الذي يكشف عن هدف الانتداب في سحق المقاومة (هبّة البراق)، اضافة الى رسوخ العلاقة البريطانية الصهيونية وتضافر مصالحهما على أرض فلسطين.

لقد أخذت الأوضاع في فلسطين بعد تجربة الكتاب الأبيض 1930 واستبدال بريطانيا له بكتاب 1931، الذي أطلق عليه العرب الكتاب الأسود، تتجه الى تجذير الصراع مع حكومة الانتداب الى جانب استمرار التصدي للصهيونية التي راحت نشاطاتها تتنامى بشكل ملحوظ. كما ان سخط الشعوب العربية والاسلامية وصل ذروته في تلك السنوات. وعلى هذه الخلفية جاءت ثورة الشيخ عز الدين القسام 1935، التي تحولت الى (الثورة العربية الكبرى 1936 ـ 1939). وكانت بريطانا قد حاولت طرح فكرة المجلس التشريعي مجدداً واستجابت لها الأحزاب العربية، بينما رفضتها الصهيونية وعارضها البرلمان البريطاني، فكان انفجار الثورة حتمياً، فواجهتها بريطانيا بالقمع الشديد، ثم حاولت تقديم مشروع تقسيم البلد الى: دولة يهودية في شمال وغرب فلسطين حتى يافا على أن تفرغ من سكانها العرب، والأماكن المقدسة تبقى تحت سلطة الانتداب، فرفضه العرب، وناورت الصهيونية في موقفها منه، لكن بن غوريون وجد فيه فرصة لطرد العرب من أراضيهم، فاعتمده لاحقاً في فترة الاعلان عن قيام "اسرائيل".

وبفعل رفض العرب المشروع المذكور، وبتأثير التطورات الدولية المتجهة في حينه الى احتمال انفجار الحرب العالمية الثانية، ولحاجة بريطانيا الى موقعي مصر والعراق في تزويد قواتها خلال الحرب وضرورة توفير أمن تلك القوات، اضافة الى بدء ظهور التململ الصهيوني من الحاضنة البريطانية والاتجاه للانتقال الى الحاضنة الاميركية، كان الكتاب الأبيض 1939، وهو بمقاييس تلك المرحلة يُعد نقلة نوعية في السياسة البريطانية ازاء مستقبل الوضع في فلسطين، ولقد نص على: ان ما يُقام في النهاية هو دولة فلسطينية مستقلة يقتسم فيها شعبا فلسطين العرب واليهود، السلطة الحكومية على نحو يصون المصالح الحيوية لكليهما.. والفترة الانتقالية من حكم الانتداب ستخصص للحكم الذاتي شيئاً فشيئاً. أما الهجرة اليهودية في غضون الأعوام الخمسة اللاحقة لطرح المشروع فستبلغ 75000 نسمة، تحظر بعدها إلا بموافقة العرب. وبرغم أن العرب اعترضوا على بعض بنوده، الا انهم عقدوا الآمال عليه، وانتظروا نتائج الحرب المحتملة. أما الوكالة اليهودية فرفضته بشكل قاطع، وأخذت تُصعد في ضغطها على بريطانيا، وهو ما يكشف عن الأهداف الصهيونية المبيتة نحو فلسطين، ويدحض مقولات التعايش العربي ـ الصهيوني منذ وقت مبكر.. وحتى لا تقع الصهيونية في مأزق جراء الموقف من الكتاب الأبيض، صاغ بن غوريون تكتيك الوكالة اليهودية على مبدأ: القتال الى جانب الحلفاء في الحرب وكأنه ليس هناك كتاب أبيض، ورفض الكتاب الأبيض بخصوص فلسطين وكأنه ليس هناك حرب.

لقد كشفت المواقف من الكتاب الأبيض 1939 عن جذرية الموقف الصهيوني وتطرفه، وعن وسطية و"واقعية" الموقف العربي واستعداده لحلول لا تضمن كل الحقوق المشروعة، كما كشفت عن فعل موازين القوى الغربية التي رجحت كفة المصالح الصهيونية، حيث نجحت الولايات المتحدة في إخضاع السياسة البريطانية حيال فلسطين الى استراتيجيتها خلال الحرب الثانية 1939 ـ 1945 وبعد انتهائها.

أما المحطة التي غالباً ما أُحيطت بالتشويش وأُغرقت وقائعها ومعطياتها بسيل من الملابسات والأضاليل، فهي حين اتخذ العرب موقف الرفض لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (29/11/1947) الذي نص على إقامة دولتين في فلسطين، (يهودية وعربية).. يخصص للدولة اليهودية 14,000 كلم مربع وتعود ملكية ثلثيها للعرب، بينما للدولة العربية 12,000 كلم مربع لا يملك اليهود منها سوى مئة كلم مربع، وكان يعيش على الرقعة المخصصة للدولة اليهودية أكثر من 509,000 عربي، أي أكثر من عدد اليهود البالغ تعدادهم فيها 499,000 نسمة.

وكان قبول الوكالةاليهودية للقرار المذكور أمراً طبيعياً، ذلك أنه يشرع لها إقامة "دولة" على أرض فلسطين، هذا أولاً، ولأنه يحدث زلزالاً اجتماعياً وديمغرافياً في صفوف العرب الفلسطينيين، وبالتنسيق مع أميركا تمحور الهدف على توسيع رقعة "الدولة" اليهودية الى أوسع مساحة تتيحها الامكانات البشرية والعسكرية،

 وهو ما جرى في حقيقة تلك المرحلة، حيث اعتمدت الصهيونية على القرار المذكور لتشن حملة تهجير وتصفية عرقية، نتج عنها احتلال الصهيونية لحوالى 78% من كامل مساحة فلسطين، حيث أُعلنت "دولة اسرائيل". ولقد عبّر قائد البلماخ (القوة الضاربة) في نهاية "حرب 1948" عن حقيقة الموقف الصهيوني، والأسباب التي أبقت 22% من الأرض من دون احتلال، حين أشار يئال آلون الى ان تدخل الجيوش العربية أوقف توسع الهاغاناه عن استكمال اندفاعها الى "الحدود الطبيعية لـ"اسرائيل الغربية".

وكشفت حرب حزيران/يونيو العدوانية 1967، عن كذب الادعاءات الصهيونية في مرحلة التقيسم 1947، وعن وهم من أغرقهم الندم من العرب والفلسطينيين على رفض القيادات لمشروع التقسيم، الذين ظنوا واعتقدوا أن "الدولة الفلسطينية" كان يمكن ان تقوم لو قبل العرب قرار التقسيم 1947.

بيد أن الدلالات الأهم على استشراء الأوهام حول امكانية "دولة فلسطينية" بالتفاوض والتفاهم مع "اسرائيل" والولايات المتحدة، كانت في محطة أوسلو 1993 وما تلاها، فلقد كان الاعتقاد السائد ان اعتراف الفلسطينيين والعرب بـ"اسرائيل" والتنازل عن عدد من المسائل، سوف يمكن من تحصيل بعض الحقوق الفلسطينية، ومنها "دولة مستقلة".. وكانت النتيجة سافرة في الأحداث الدراماتيكية التي حصلت على مسار "التسوية" والتفاوض. وبعد أحداث أيلول/سبتمبر في واشنطن ونيويورك، وفي أحد جوانب تداعياتها بما عرف بـ"الرؤية" الاميركية "لدولة فلسطينية" في الأفق، جاءت عمليات اجتياح حكومة شارون للمناطق (أ) التي اعتقد البعض أنها سوف تكون نواة الدولة المنشودة، وحددت حكومة شارون نظرتها الى "الدولة الفلسطينية" كجهاز ملحق بوظائف الأمن الاسرائيلي، عناصرها بلا حدود جغرافية واضحة، لا سيادة على الأرض المقترحة للدولة، لا عودة للاجئي 1948، لا شبر من القدس الشرقية، لا تنازل عن استيطان قائم، ولا عن حق استيطان جديد للأراضي الفلسطينية، لا سلاح ولا قوة عسكرية لما يُسمى "دولة فلسطينية" بالمنظور الاسرائيلي. ويبدو أن المقترحات أو الأفكار الاميركية عن "دولة فلسطينية" تتقاطع بغالبيتها مع النظرة الاسرائيلية، كما ان الموقف المصري الذي عبّر عنه الرئيس حسني مبارك في زيارته الأخيرة لواشنطن (حزيران 2002)، لا يخرج عن هذا الاطار، فهو قد اقترح ان يجري اعلان "الدولة" قبل حسم بقية المسائل، وهذه خديعة جديدة تهدف الى تمرير حلقة أخرى في مسار الترتيبات المزمعة للمنطقة، وفي اطار استراتيجية السيطرة الاميركية بالاعتماد أولاً على القاعدة الاسرائيلية و"أمنها" ومصالحها الخاصة الراهنة والمستقبلية.

أخيراً، من المؤكد أن الوضع الذاتي العربي والفلسطيني اليوم ليس مؤهلاً لإنجاز كسر وإلحاق هزيمة حاسمة بالهجوم الاميركي الاسرائيلي، لكنه من المؤكد أيضاً انه مؤهل للدفاع عن مقدرات العرب والفلسطينيين، ولمقاومة الهجوم المعادي ورفض الخضوع للإملاءات المتغطرسة والعنصرية.. وشرط ذلك كله يبدأ من قناعة ان أميركا و"إسرائيل" وملحقاتهما لن يقدموا للشعب الفلسطيني الحد الأدنى من الحقوق التي تصون المصالح وتحفظ الكرامة.. ولقد حان وقت تمزيق الفزاعة التي تقول: ان رفض المقترحات "الوسطية" و"الواقعية" هو الذي أدى الى تبديد الحقوق العربية والفلسطينية، بينما حقيقة الأمور منذ الربع الأول من القرن العشرين حتى اليوم، تدل على أن التعلق بالأوهام جعل نسيج الآمال أشبه ما يكون بخيوط من سراب، وأدى بالنتيجة الى قبض الريح بدلاً من إنجاز "دولة فلسطينية".

والسبب هو استراتيجية العدو وطبيعة بنائه، وما أُعد له من وظائف، وبوابات الصراع هي المشرعة، فهل نتجه الى حسمه بعيداً عن الأوهام؟

كاتب فلسطيني