المحكمة الجنائية الدولية الدائمة:
واشنطن تحاول عرقلتها خوفاً على عسكرييها.. وسياسييها

 

  دخول المحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ ابتداءً من أول تموز/ يوليو الحالي رافقه الكثير من الاعتراضات، فقبل يوم واحد من افتتاحها استخدمت الولايات المتحدة الأميركية حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرار التمديد للقوة الدولية في البوسنة والهرسك، بعد أن جوبه طلبها باستثناء قواتها العاملة في إطار المهمات الدولية من اختصاص المحكمة بالرفض. وفي اليوم نفسه أعلن الكيان الصهيوني رفضه التصديق على ميثاق المحكمة "خشية ملاحقته دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب جراء استمرار الاستيطان"، حسب تعبير المستشار القانوني للحكومة الصهيونية "الياكيم روبنشتاين".

 

  تهدف المحكمة الجنائية الدولية التي أُنشئت بموجب اتفاق روما الذي وقعه 139 بلداً عام 1998 وصادقت عليه حتى الآن 74 دولة بينها كل الدول الأوروبية، الى ملاحقة الأفراد سواء كانوا مسؤولين أو عاديين، الذين يُتهمون بجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية والعدوان أمام قضاء دولي دائم.

لكن اعتراضات واشنطن وسحب توقيعها الأولي على "ميثاق روما" أظهر محاولات جدية لوضع العصي في دواليب المحكمة وعرقلة انطلاقتها في ظل التجاذبات الحاصلة بين عدّة قوى دولية (أميركا، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي والدول العربية) حول مفاهيم وحتى عبارات واردة في قانون هذه المحكمة، أخرجها من صفتها القضائية البحتة إلى دائرة المصالح والنفوذ السياسي للدول الكبرى، وبالتحديد المصالح الأميركية منها.

فهذه المحكمة أُنشئت من قبل مجموعة دول تمتعت بالحقوق والامتيازات نفسها أثناء المناقشات والمدولات من دون ان يكون لدولة امتياز على أخرى، ووضعت قانونها برعاية الامم المتحدة، لا تخضع الى الاخيرة، وإنما "تنظم العلاقة بين المحكمة والامم المتحدة بموجب اتفاق تعتمده الدول الاطراف ويبرمه بعد ذلك رئيس المحكمة نيابة عنها" (المادة الثانية من قانون المحكمة)، ما يعني ان المحكمة ليست جهازاً تابعاً للأمم المتحدة، انما لها شخصية معنوية ومادية مستقلة، وتكون مرجعيتها التنظيمية جمعية الدول الاطراف التي تتكون من الذين صادقوا وانضموا نهائياً الى المحكمة، والذين يحق لهم وفق النظام الاساسي الاشتراك في المداولات لإجراء أي تعديل مقترح في المستقبل على عمل هذه المؤسسة القضائية.

وعليه فالامتيازات التي تتمتع بها الدول الكبرى في مجلس الامن الدولي محرومة منها في هذه المحكمة. فعلى المستوى النظري كل الدول المشاركة في هذه المحكمة سواسية، وبالتالي فإن العديد من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية تجد في هذه المحكمة تقييداً لها في حروبها التي تقودها في أكثر من دولة، وما يتخللها من انتهاكات وجرائم تدخل ضمن صلاحيات المحكمة.

وإذا كان لكل دولة حساباتها واعتراضاتها، فإن واشنطن تتذرع بالخوف على عسكرييها المشاركين في "مهام سلام" في الخارج من الملاحقة بدعوى ارتكابهم جرائم تخضع لصلاحية المحكمة, ما يؤكد ضلوع القوات الأميركية في ارتكاب جرائم بلباس دولي، كما يظهر نية واشنطن ارتكاب جرائم في المستقبل باعتبار "أنه ليس للمحكمة اختصاص إلا في ما يتعلق بالجرائم التي تُرتكب بعد بدء نفاذ النظام الأساسي لها"، أي اعتباراً من الأول من تموز/يوليو 2002 بحسب المادة 12 الفقرة الأولى من قانون المحكمة.

ولكن الابرز في قانونها ما جاء في المادة 28 حول "مسؤولية القادة والرؤساء الجنائية عن تصرف مرؤوسيهم في ارتكاب الجرائم المنصوص عنها"، وبالتالي فإن الأعمال العسكرية او الحربية التي تعاقب عليها المحكمة تقع مسؤوليتها على القادة الكبار وليس على مرتكبيها، خلافاً للمحاكم العادية التي تطال بالدرجة الاولى مرتكب الجرم. وعلى هذا الأساس يبدو أن واشنطن تتملكها المخاوف من إمكانية رفع دعاوى ضد قادتها السياسيين وليس العسكريين كما تتذرع، خصوصاً ان النظام الدستوري الاميركي هو رئاسي مطلق تخضع بموجبه القوات المسلحة للرئيس الاميركي مباشرة، وهي مسؤولية تنفيذية لا يشاركه فيها أحد، خلافاً لمعظم الأنظمة الديمقراطية.

ولعل المجزرة الاخيرة التي ارتكبت في أفغانستان في اليوم الاول لبدء صلاحيات المحكمة, من خلال استهداف القاذفات الاميركية حفل زفاف أودى بحياة العشرات وجرح المئات من المدنيين الافغان, تظهر حقيقة النيات الاميركية، لا سيما في ظل ما تطلق عليه الحرب ضد الارهاب، فتستبيح قواعد وأحكام ومبادئ القانون الدولي الانساني الذي يعد مرجعاً اساسياً في عمل المحكمة الجنائية. وأبعد من ذلك، فإن النصوص القانونية للمحكمة تجعل الاداء العسكري لأي دولة تحت المجهر، الامر الذي يقيد بالتحديد واشنطن في حروبها المقبلة التي تلوح بها، ويجعلها عرضة للمحاكمة والمساءلة، خاصة ان "الحروب النظيفة" التي روّجت لها الادارة السياسية والعسكرية الاميركية بدت من أقذر الحروب التي عرفتها البشرية، ما قد يشكل وثائق مهمة للادعاء على القادة الاميركيين بكل أنواع التهم التي تدخل في صلاحيات المحكمة.

كما ان النصوص والمواد القانونية التي تحدد توصيف الجرائم التي تعاقب عليها المحكمة، تجعل مهمة تحقيق الاهداف الاميركية في العالم اكثر صعوبة عن طريق القوة العسكرية كما هي الحال اليوم تحت مظلة الامم المتحدة، الأمر الذي أدركته واشنطن وطالبت على أساسه باستثنائها وقواتها من صلاحيات  هذه المحكمة، مهددة بعرقلة عمل قوات السلام الدولية في أي بلد كان من خلال الفيتو في مجلس الأمن.

 وبرغم الاعتراضات الاوروبية على الموقف الاميركي المعترض، فإن المباحثات ما زالت قائمة للخروج من هذه المشكلة، خاصة ان حلفاء واشنطن الاوفياء (انكلترا) يسعون الى تغيير الموقف الاميركي من خلال تطمينات حول عدم ملاحقة جنودها في المستقبل على غرار ما حصل في محكمة الجزاء الدولية ليوغسلافيا.

مروان عبد الساتر