الرقابة على الإعلام في "إسرائيل":
لائحة محظورات طويلة ومفهوم "أمن الدولة" فوق الجميع

الملف من إعداد : يحيى دبوق

يتجاذب المهتمين بالمشهد الإعلامي الإسرائيلي مفهومان أساسيان، يحاول كلّ منهما شحذ ما يمكنه من أدوات استشهادية يزخر بها الإعلام الإسرائيلي على تناقضاتها الشكلية، تأييداً لهما وتحقيقاً لأمثلة وشواهد تتراكم كمِّياً لدى الصحافة والإعلام المرئي والمسموع، لإضفاء المصداقية على كلا الطرحين.

المفهوم الأول يرى في الإعلام الإسرائيلي مؤسسة دعائية لا تختلف أو تشذ عن معظم المؤسسات الإسرائيلية الأخرى، التي سعت ـ كمثيلاتها من الأطر الصهيونية ـ لدعم وتأييد وتحقيق الدولة اليهودية، ابتداءً ثم لاحقاً وحالياً لترسيخها وتقويتها والدفاع عنها. ويستشهد أصحاب هذا الطرح بالكثير من الكتابات الصحافية، وأغلبها منقول بعناية عن العبرية تحقيقاً لمصداقية الطرح. إذ في هذه الكتابات ما يؤكد تماهي الإعلاميين الإسرائيليين مع الأداء الحكومي، بل يزيد عليه، إضافة إلى محاكاة هذا الأداء صعوداً أو هبوطاً بحسب ما ترى المؤسسة الحاكمة أن فيه مَكْمن مصلحة الدولة. ومن هنا ـ يضيف هذا المفهوم ـ فالمؤسسة الإعلامية الإسرائيلية هي أداة لتحقيق مشروع عن طريق ترسيخه والدفاع عنه، وبالتالي  فهو إعلام موجَّه وأحادي الطرح والهدف، لا حيِّز فيه للتعبير الحر أو المحايد أو لنقل المعلومات والحقائق من دون تحريف أو تشويه، إلا في ما يضفي مصداقية ظاهرية شكلية على إعلام موجَّه.

 المفهوم الثاني يقف على نقيض من الأول، فيرى أن حرية التعبير والحياد مصونة في الإعلام الإسرائيلي من خلال القانون الذي يرعاه من جهة، ومن خلال السياق والأداء العملي اليومي الذي يُحقق عملياً دلائل فعلية من جهة أخرى. ويستشهد طارحو هذا المفهوم بالكثير من النتاج الإعلامي الإسرائيلي الذي يقرأونه مباشرة أو نقلاً للعربية في الآونة الأخيرة، إذ يرون فيه شواهد حقيقية للرأي والرأي المضاد الذي يصل إلى مراتب متقدمة من الانتقاد والضدية للطرح وللأداء الحكومي.

 

الواقع أن ما بين الطرح الأول والثاني يكمن التوصيف الحقيقي للإعلام الإسرائيلي، فحرية الرأي والانتقاد والضدية للحكومة ولمؤسسات الدولة، إضافة إلى عملية القمع والمنع التي تتولاها السلطة عبر أساليب عدة قانونية وعرفية، تجد لها انعكاساً واسعاً في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، العبرية منها والعربية.

قوانين بريطانية

وفي "دولة" كـ"إسرائيل" التي خاضت إلى الآن خمس حروب تتصل بوجود الدولة أو عدمه منذ العام 1948، عدا عن انتفاضة الفلسطينيين الأولى في العام 1987 والثانية في العام 2000، فالإسرائيليون في دائرة حرب مستمرة ينعكس تعبيرها في جهوزية أمنية وعسكرية ونفسية، وهو ما يدفع باتجاه الإعلام ـ بأقسامه المختلفة ـ كمحط اهتمام للسلطة وللأجهزة الأمنية فيها، إذ انه الخاصرة الليّنة التي يُمكن أن يعبر منها مواد تُصنَّف حيوية، من شأن بثها إعلامياً أن يضر بـ"أمن الدولة" أو يفيد "العدو". وعلى هذه الخلفية تُشرف الدولة على الإعلام بإعمالها الرقابة على الصحف والإذاعات والتلفزة والإصدارات بمختلف أنواعها، والمعبَّر عنها بالرقابة العسكرية على الإعلام.

  وتعود جذور الرقابة على الإعلام في الكيان الصهيوني إلى القوانين الصادرة عن سلطة الانتداب البريطاني لفلسطين، وتحديداً "أمر الصحافة" للعام 1933 و"أنظمة الدفاع لحالات الطوارئ" وتعديلاته في العام 1945، وهي أنظمة شديدة القمعية والتشدد. و"إسرائيل" خدمة لمآربها وتمكيناً لها من استخدام هذه القوانين من دون سنِّها، عمدت إلى عدم إلغائها وضمَّتها إلى كتب القوانين الإسرائيلية بصورة غير مباشرة، واستخدمتها مدة تزيد عن 54 عاماً.. بل انها أضافت إليها صلاحيات أُعطيت لوزارة الداخلية تُمكِّنها من إغلاق الصحف بشكل استنسابي.

فمن الناحية القانونية السارية المفعول ـ القرارات البريطانية سابقاً ـ فإنها تنص بشكل أساسي على:

1ـ وجوب استصدار تصريح خاص من وزير الداخلية قبل إصدار أي مطبوعة (صحف، مجلات، كتب..)، وذلك تحت طائلة المصادرة أو الإغلاق أو حتى العقوبة الجزائية على أنواعها.

2ـ صلاحية وزارة الداخلية في الإشراف على الإعلام، بحيث للوزارة صلاحية إغلاق الصحف إذا ما نُشر فيها مواد من شأنها أن تُعرِّض السلامة العامة للخطر.

3ـ وجوب تقديم كل مادة مطبوعة للحصول على موافقة مسبقة من الرقابة قبل النشر، إذ تنص المادة 87 من "أنظمة الدفاع لحالات الطوارئ" (1945)، على أن "للرقيب أن يمنع بأمر بشكل عام أو خاص، نشر مادة من شأن نشرها أن تضر ـ حسب رأيه ـ بأمن "إسرائيل" أو السلامة العامة أو النظام العام". أما المادة التي تليها (88) فتنص على أن "من حق الرقيب أن يُحظِر بأمر استيراد أو تصدير للطباعة أو للنشر، أي منشورات من شأن استيرادها أو تصديرها، طبعها أو نشرها، كان أو قد يكون فيه ضرر بأمن "إسرائيل" أو السلامة العامة أو النظام العام". 

 القانون الإسرائيلي لجهة الإعلام ـ كما هو مُبيَّن ـ شديد القمعية والتشدُّد، ويكاد يزيد في تشدُّده حتى نسبة الى الأنظمة الشمولية التوتاليتارية الموجّهة. إلا أن الواقع العملي للرقابة على الإعلام يختلف باختلاف الجهة المراقَبة وأيديولوجيتها ومكان إصدارها وعرقية أصحابها. مع اختلاف بيِّن في ما يتعلق بالصحافة العبرية والصحافة العربية الصادرة في "إسرائيل"، أو لجهة تلك الصادرة في القدس والمناطق المحتلة في العام 1967.

 الرقابة العسكرية

 فالقوانين البريطانية التي حُوِّلت إلى قوانين إسرائيلية نتيجة عدم إلغائها ولتأكيدها، لا تُطبَّق على الصحافة العبرية في "إسرائيل" والقدس والمناطق المحتلة في العام 1967، إذ ان هذه القوانين مُجمَّدة تجميداً تاماً إلا ما شذ من حالات تكاد تكون محدودة، وتستعيض الأجهزة الأمنية عن الرقابة المحدَّدة في القانون بالتوافق الذي بُلور قبل قيام كيان العدو بين "الهاغاناه" وصحافة الاستيطان اليهودي في فلسطين، والذي أعيدت صياغته بشكل اتفاق بتاريخ 8/9/1949 بين الأركان العامة للجيش الإسرائيلي و"لجنة محرري الصحف اليومية"، وهو الاتفاق الذي عُدّل في العام 1966 والعام 1989.. ويتضمن هذا الاتفاق ثلاثة عشر بنداً أساسياً أهمها:

أ ـ التعاون التام ما بين أجهزة الجيش والصحف لمنع تسرُّب مواد أمنية من شأنها أن تفيد العدو أو أن تضر بحماية الدولة.

ب ـ عدم تطبيق الرقابة على القضايا السياسية، وتُحدد المواد التي تستدعي الرقابة المسبقة قبل النشر.

ج ـ تشكيل لجنة تتكوَّن من ممثل للجيش وممثل للصحافة وموظف رسمي تعينه الحكومة للإشراف على شؤون الرقابة كمرجع استئنافي لقرارات الرقيب العسكري.

د ـ تختص اللجنة باقتراح العقوبات وبالتحكيم الملزم في الخلافات بين الصحف والرقيب العسكري خلال 24 ساعة.

هـ تشمل صلاحيات اللجنة كل الصحف والمطبوعات الإعلامية ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمراسلين الأجانب في "إسرائيل".

و ـ تتخلى الصحف بموجب الاتفاق عن اللجوء إلى القضاء العدلي بينما لا تطبق عليها القوانين الإسرائيلية، قوانين الانتداب البريطاني.

إشراف استخباراتي

 المركز الأساسي للرقابة العسكرية في "إسرائيل" يعمل في "تل أبيب" والقدس المحتلة، حيث تقيم المؤسسات الرئيسية لغالبية الصحف والمجلات وإصدارات الكتب والمراسلين الأجانب، وتعمل مكاتب الرقابة 24 ساعة يومياً، وتُشغِّل مراكز تُستحدث في المدن ويُزاد عديد طواقمها بشكل واسع لمتابعة التطورات والبتّ بكثرة المواد المعروضة في فترات الحروب والتوترات العسكرية. كما يجري العمل أيضاً في هذه الفترات بالرقابة الميدانية في المواقع التي يعمل فيها مراسلون أجانب. ومعظم العاملين في طواقم المراقبة هم من العسكريين، ويتولى رئاسة جهاز الرقابة العسكرية عسكري برتبة عميد يتبع مباشرة لرئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي (أمان).

 وبحسب الاتفاق المكتوب وتعديلاته، إضافة إلى الاتفاقات الضمنية، يجب على الإعلاميين تحت طائلة الملاحقة اللاحقة للنشر، أن يعرضوا على الرقيب العسكري بشكل مسبق كل مادة إعلامية تُصنَّف بأنها أمنية أو أنها تتضمَّن معلومات ذات قيمة عسكرية قد تفيد "العدو" أو تضر بـ"أمن الدولة". وتحقيقاً لذلك تقوم الرقابة بإبلاغ الصحف والناشرين والإذاعات ومحطات البث التلفزيونية بلائحة المواد التي يجب تقديمها للرقيب سلفاً قبل النشر. وللرقيب العسكري الحقّ بأن يلغي مقالاً كلياً أو جزئياً، إذا رأى فيه ضرراً أمنياً محتملاً.

  اما المواد المطلوب عرضها سلفاً على الرقيب العسكري فإنها تتسع وتضيق من حيث الكمية باختلاف الظرف الأمني والسياسي، فبينما كانت هذه المواد تبلغ قبل قيام "الدولة" (فترة الاستيطان) 16 مادة، وصلت في العام 1966 إلى 68 مادة، بينما لا تصل حالياً إلى عشر مواد، ومعظمها يدخل في الإطار العام لمفهوم "أمن الدولة" الذي يستوعب تفريعات متعددة قد لا تحصى بحسب ما يرتئيه الرقيب العسكري والاتجاه العام لدى السياسيين في الحكم، وخاصة ان للحكومة القدرة على إدراج موضوع محدد أو أنواع جديدة تراها حيوية لـ"أمن الدولة" يجب عرضها على الرقابة المسبقة.

 والأمثلة الأكثر وضوحاً لما يدخل في تصنيف "أمن الدولة" هي ما يتعلق بالموضوع النووي صناعة ووجوداً وكمية، وما يتعلق بالصفقات العسكرية وتفاصيلها، وما يتعلق بالصناعات العسكرية ومكوناتها، والوثائق والمباحثات السرية التي تتعلق بالسياسة الخارجية للدولة، والعمليات السرية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية على اختلافها، وأسماء المشاركين فيها والمواقع العسكرية، ومعلومات ذات قيمة عسكرية وكل ما من شأنه تعريض السلامة العامة للخطر، وكذلك مداولات وقرارات المجلس الوزاري المصغر للنظر بشؤون أمنية وغيرها.

تقارير متماثلة

 في العام 1980 ابتدع الجيش أسلوباً جديداً يُمكِّنه من السيطرة على المعلومات الأمنية والعسكرية ومنع ما يراه غير مناسب للنشر، وقد جاء ذلك نتيجة تطور مفهوم الرقابة في "إسرائيل" وتراخي مفهوم الضرر الأمني من نشر المعلومات، خاصة بعد معاهدة كامب ديفيد، إضافة إلى تمكُّن الإعلاميين من الالتفاف على قرارات الرقيب العسكري بعدد من الطرائق الإبداعية، منها تسريب معلومات إلى الصحافة الأجنبية وإعادة نشرها بناءً عليه، أو سرد المعلومات بأسلوب قصصي خرافي. ويقضي الإجراء الجديد ـ غير المنصوص عليه في قانون أو أنظمة ـ أن يستخدم الناطق العسكري سلطته في إعطاء تراخيص لإعلاميين بوصفهم مراسلين عسكريين، بحيث يمنع أو يعرقل عمل المراسل إذا لم يمتثل لقراراته، وهو الأمر الذي أعطى ثماره فعلاً، إذ يلاحظ تماثل كبير إبان التوترات العسكرية والأمنية لكل التقارير التي يبثها المراسلون والمعلِّقون العسكريون في كل وسائل الإعلام الإسرائيلية.

برغم كل المعطيات والإجراءات والكم الهائل من وسائل الرقابة التي تزخر بها "إسرائيل" تجاه الإعلام والإعلاميين، سواء بواسطة قوانين بريطانية غاية في التشدد موروثة من عهد الانتداب أو قوانين مكتوبة واتفاقات نصية أو شفوية سنّتها بنفسها، فإن ممارسة الرقابة في "إسرائيل" سواء من قبل المؤسسة السياسية أو العسكرية، لا تعتبر رقابة ندّ لندّ أو مؤسسة سلطوية تجاه مؤسسة غير متسلطة، او بين صحافة تهدف إلى نشر الحقيقة وأخرى تريد ممارسة القمع عليها، بل هي في الواقع رقابة حارسة لنهج التوافق بين مجموعتين أساسيتين تشكلان مع مجموعات أخرى تلك النخبة الحاكمة والرائدة التي تتبادل الأدوار في ما بينها تحقيقاً لمصلحة الحلم الصهيوني قبل قيام "الدولة"، ولاحقاً لحراسة نتاجه المتمثل في "الدولة". ويعزز هذا المذهب كون الإعلاميين في "إسرائيل" عادة ـ مثلهم مثل السياسيين ـ هم من خرّيجي المؤسستين العسكرية والأمنية، وهؤلاء بطبيعتهم يحملون نتاجاً تراكمياً لخبرة استخبارية حقيقية تتفهم هواجس المؤسسة الأم وتحاكيها في كل ما يتعلق بالسلامة العامة وبـ"المصلحة الأمنية للدولة"، الأمر الذي يُفسر المنحى المتواصل الذي يمارسه الإعلام منذ نشأته في أوائل القرن الماضي، والمتمثل بالرقابة الذاتية الرضائية التي تتجاوز في تشددها الرقابة الاتفاقية نفسها.