الدعوة الى التغيير او التعديل الحكومي:
معادلات سابقة تفرض تطورات لاحقة

"لا ظروف مؤاتية لأي تغيير أو تعديل حكومي"، هو الجواب المختصر الذي ترد به أوساط رئيس الحكومة رفيق الحريري على كل الأصوات التي ارتفعت خلال الأيام القليلة الماضية، متحدثة عن إمكان حصول مثل هذا الأمر، وفاتحة الباب واسعاً على مصراعيه أمام تكهنات تمعن في هذا الموضوع تحليلاً وتأويلاً، وتحدد مواعيد لاحتمال حدوثه.

ولكن بما أنه ليس هناك دخان من دون نار، فالمفروض ان ثمة دواعي ومعطيات وراء اطلاق مثل هذا الحديث، خصوصاً بعد موجة التصريحات النيابية وغير النيابية التي أسهبت في الإتيان على ذكر الموضوع، حتى صار كأنه حدث يوازي في قيمته اقرار الموازنة العامة للبلاد.

المطلعون على خفايا الامور لا ينكرون ان شرارة الكلام عن التغيير والتعديل الحكومي انطلقت أصلاً من قصر بعبدا، خصوصاً بعد الحديث الذي أدلى به رئيس الجمهورية العماد إميل لحود أمام وفد نقابة المحررين، وانتقد فيه الاداء الحكومي، وفتح المجال أكثر أمام التأويل عندما لمّح الى ان امر الحديث عن التغيير او التعديل وارد، ولكن بعد موعد القمة العربية المزمع عقدها في بيروت أواخر شهر آذار /مارس المقبل.

هذا الكلام جاء عملياً قبل ساعات على إقرار الموازنة العامة، وتلاه كلام آخر للرئيس لحود خلال جلسة لمجلس الوزراء تضمن انتقاداً مباشراً لأداء الوزراء، متهماً إياهم بشكل صريح بأنهم لا يعملون على تنفيذ ما يُتخذ من قرارات خلال جلسات الحكومة، وهو كلام يستبطن بطبيعة الحال تهمة التقصير والتقاعس.

إذن عندما يأتي الكلام عن التغيير والتعديل الحكومي من أعلى سلطة في البلد، وفي وقت تكون فيه الحكومة أمام أكبر مناسبة محاسبة ومساءلة لها، وهي مناسبة اقرار الموازنة المالية العامة، وفي وقت تضطر فيه هذه الحكومة الى الوقوف موقفاً صعباً أمام الرأي العام بعد الشروع بتطبيق الضريبة على القيمة المضافة، في جو من الارتباك وعدم الوضوح، ما رفع أسعار السلع والخدمات، يصير الكلام عن التغيير او التعديل الحكومي مادة جذب وإغراء للسياسيين، وخصوصاً المعارضين منهم.

ولئن كانت هذه هي بإيجاز هي المناخات والمعطيات التي ولدت فيها الدعوة الى التغيير الحكومي، فإن السؤال المطروح هو: ما مدى إمكانية ذلك؟ واستطراداً ما حقيقة الامر؟ وإلى أين يمكن ان يفضي؟

القريبون من أوساط رئيس الحكومة يرون ان الامر كله لا يعدو كونه جزءاً من حملة على الحكومة ورئيسها تأتي في مرحلة دقيقة. ولكنّ أوساطاً سياسية تذهب في تحليلها للأمر الى حد ان الرئاسة الاولى التي كان لها قصب السبق في إثارة الموضوع، تدرك ان امر التغيير او التعديل الحكومي ليس باليسير في الوقت الحاضر، لأسباب موضوعية وذاتية، الاولى لها صلة مباشرة بقرب انعقاد القمة العربية في بيروت،

وبصعوبة فتح "بازار" التوزير، خصوصاً بسبب ما يمكن ان يفتحه  من مجال للتجاذب والسجال والخلاف، وخصوصاً ان آثار وتداعيات ما تركته عملية التعيينات الادارية الاخيرة ما برحت حية تشهد على استعداد الجميع لفتح المعارك الشرسة للدفاع عن حصصهم ومواقعهم وأدوارهم، ولو على حساب مصلحة البلاد والوضع المالي والاقتصادي الدقيق والبالغ الحساسية، فضلاً عن الضغوط اليومية المتأتية من الولايات المتحدة و"اسرائيل"، والتي تتمثل وتتجسد في اتهامات كاذبة ليس لها أي أساس من الصحة.

أما الثانية فلها علاقة وثيقة بمسألة صعوبة إيجاد سياسي يقبل بأن يتصدى للمهمة، ويرضى بأن يملأ الفراغ الناجم عن إبعاد الرئيس الحريري عن سدة رئاسة الحكومة. فالرئيس عمر كرامي على سبيل المثال، يقول في مجالسه الخاصة انه غير مستعد لأن يحمل هذه "الجمرة الحامية"، فيما ينقل عن الرئيس الدكتور سليم الحص ان على الرئيس الحريري ان يعالج الامور الصعبة شخصياً.

وهذا الواقع عبّر عنه صراحة رئيس مجلس النواب نبيه بري، عندما أكد أمام النواب ان وجود الرئيس الحريري في رئاسة الحكومة "ضرورة وطنية غير مستعد لغسل يديه بدم هذه الحكومة".

وإذا كان صحيحاً ان الرئيس بري يسعى من خلال هذا الكلام الى "تسليف الحريري" موقفاً بعد التباين والخلاف الذي ظهر بينهما وانتقل الى العلن إبان فترة التعيينات الادارية، فإنه من الطبيعي ان يسعى أيضاً الى اعادة الاعتبار للموقع الذي اختاره لنفسه منذ مجيء الرئيس لحود الى سدة الرئاسة الاولى قبل ثلاثة أعوام، وهو موقع الوسط والتوازن بين الرئاستين الاولى والثالثة.

وحيال كل هذه المعطيات الداخلية والاقليمية التي توحي كلها باستحالة الذهاب بعيداً في موضوع التغيير او التعديل الحكومي، فإن السؤال يبقى: من أين استمد الواقفون وراء إطلاق المجال لدعوة التغيير والتعديل، قوتهم وجرأتهم للإقدام على هذا الفصل الذي يبدو من دون أفق على الاقل في هذه المرحلة؟

الامر الاساسي الذي استند اليه هؤلاء هو بلا شك، حراجة وضع الحكومة وتخبطها في المجالين الاداري والاقتصادي، وصعوبة إقناع الجمهور بجدوائية إجراءاتها الاقتصادية.. ولكن ذلك على بلاغته ووجاهته لا يكفي للذهاب بعيداً في طرح الامر، لذا فإن ثمة من يقول إن هذا الوضع الصعب الذي تمر به حكومة الحريري دفع بالراغبين في التغيير وفي تعديل حصصهم داخل الحكومة باتجاه تكبيرها الى وضعها تحت المجهر، وبالتالي جعلها هدفاً لسهام المطالبة بعدم إبقائها على وضعها الحالي. وثمة من يقول إن المعادلة السياسية التي فرضت إعادة الرئيس الحريري الى رئاسة الحكومة والتي كانت بتأثير الانتخابات النيابية الاخيرة، حيث أظهر الحريري قوة لا يستهان بها واستطاع اكتساح الزعامات التي تشكل منافساً له في ميدانه، قد آن أوان التخلص منها.

وهناك من ينقل على سبيل المثال عن مصادر الرئاسة الاولى قولها إنه للمرة الاولى في تاريخ الحكومات اللبنانية، التي يأتي فيها مثلاً وزير إعلام يكون في الصف المعارض لرئيس الجمهورية والمشاغب على الحكم والمؤسسات، وهو أمر لا يجوز ان يستمر ويصير عرفاً.

من كل هذه المنطلقات والمعطيات، كان فتح الباب أمام مقولة التغيير او التعديل الحكومي، لكي يبقى الامر قائماً ويتحول الى حقيقة اذا ما تغيرت رياح الامور والتطورات الداخلية والخارجية.. ولكي لا يبقى رئيس الحكومة مرتاحاً على وضعه انطلاقاً من ان لا منافس ولا مزاحم له. وفي كل الاحوال ثمة من يرى أن الدعوة الى التغيير ليست بالضرورة ضد مصلحة الحريري، خصوصاً اذا لم تتحقق، فهي بمثابة منح ثقة جديدة له، وإشارة الى ان ليس في الميدان حالياً إلا إياه لهذه المهمة الصعبة.

إبراهيم بيرم.