مهمة باول: إدارة إسرائيلية للأهداف والنتائج.. واللقاءات

تأتي زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى المنطقة وتحديداً الى فلسطين المحتلة وتنقلاته بين الجانبين، كحركة لازمة للولايات المتحدة الأميركية، وذلك بعد الغليان الشعبي في الشارع العربي الذي بدأ يهدد حكومات موالية. وبغض النظر عما يُطرح من قبل المسؤولين الأميركيين لجهة هدف الزيارة والمهمة المكلفة بها، إلا أنها لا تخرج عن دائرة الاضطرار والقسرية.

 

كان المشهد السياسي الأميركي قبل تسجيل تراكم كمّي للتحرك الشعبي العربي متعاطفاً ومؤيداً وحتى مشجعاً للعملية العسكرية الكبيرة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في المدن الفلسطينية ولا يزال.. إذ إن كل التصريحات والتسريبات الأميركية في ما خص عملية "السور الواقي" جاءت منحازة تماماً ولصيقة بالطرح الإسرائيلي، بل حتى انها عملت على التسويق لها وصنفتها في خانة "الدفاع عن النفس" أمام "المعتدي" الفلسطيني.

 وبحسب الرؤية الإسرائيلية فإن التحرك الأميركي الأخير المتمثل بزيارة باول، لم يأتِ نتيجة قناعة وتغيير في الاستراتيجية الأميركية، أو نتيجة تمايز ما بين العمل الإسرائيلي والطرح الأميركي، وبالتالي فإن التحرك الأميركي لن يحمل معه سوى محاولة لتهدئة الشارع العربي وتسكين للأوضاع العسكرية التي تخشاها المصلحة الأميركية. وتكشف صحيفة "هآرتس" (8/4/2002) "أن إسرائيل تُقدِّر أن رفع مستوى التدخل الأميركي لا يدل على أي تغيير استراتيجي في الموقف، وأن مطالبة بوش بانسحاب الجيش من المدن الفلسطينية ترمي إلى ذر الرماد في عيون الأوروبيين المثارين، وتهدئة الانتقادات لإهمال الولايات المتحدة". وتضيف الصحيفة: "ان مهمة باول موجَّهة أيضا للتأكد من أن المواجهة في الشمال لن تجر المنطقة إلى حرب شاملة".

الإسرائيليون كعادتهم أمام أي زيارة لأي مسؤول أميركي، يعملون على استثمارها واستغلالها خدمة لمآربهم ومخططاتهم، وهذا المبدأ لم يشذّ عنه الإسرائيليون في تعاملهم مع وزير الخارجية الأميركي، وخاصة هذه الزيارة بالذات. ومن هنا جرى استقبال باول بالخطوات التالية:

كادت النخبة الإسرائيلية السياسية والإعلامية، تتسالم حول السعي نحو تخفيض مستوى التوقعات من زيارة باول، وكادت عبارة "احتمالات نجاح مهمة باول معدومة"، تتحول إلى قاسم مشترك لدى السياسيين والإعلاميين في "إسرائيل"، وهو الأمر الذي ساهم في إبقاء مستوى الاحتقان المرتفع لدى الرأي العام الإسرائيلي على جهوزيته لتقبل تواصل العملية العسكرية الإسرائيلية في المدن الفلسطينية. إضافة إلى أن هذا المستوى من الالتفاف قصَّر مهمة باول حول البحث عن كيفية تليين الموقف الإسرائيلي وتركيز الجهد حول فورية الانسحاب أو تدرجه والمدة الزمنية اللازمة له، وهو ما نجح فيه الإسرائيليون فعلاً، حيث تشهد على هذا النجاح الحركة العملية للجيش الإسرائيلي وتواصل عدوانها على المدن الفلسطينية.

الإدارة الإسرائيلية لمهمة باول تزامنت مع تحرك إسرائيلي داخل الولايات المتحدة لإبقاء الأمور تحت سيطرتها، وعدم السماح لواشنطن حتى بمراعاة مصالحها في الشرق الأوسط، التي أجمع المحللون الغربيون على أنها باتت في دائرة الخطر في ضوء سياستها المنحازة لـ"إسرائيل" والمعادية للجانب العربي والاسلامي. وبتكليف من آرييل شارون، قام ـ ولا يزال ـ بنيامين نتنياهو بحملة واسعة في الولايات المتحدة لشحذ التأييد للعملية العسكرية الإسرائيلية، ولترسيخ الرؤية الأميركية أن ياسر عرفات ومن خلاله السلطة الفلسطينية، هما عدو للعالم الحر المتمثل في أميركا و"إسرائيل"، وبالتالي يجدر بالولايات المتحدة أن تساهم في هذا الجهد الإسرائيلي لاجتثاث الإرهاب الفلسطيني. وتشير "هآرتس" (12/4/2002)، الى أن نتنياهو قد التقى بصورة "مفاجئة" نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس، وقبل دخوله إلى البيت الأبيض تحدث مع شارون واتفق معه حول الرسائل التي سينقلها إلى الأميركيين. وما لم تقله الصحيفة قاله نتنياهو نفسه أمام الكونغرس الأميركي، الذي استمع إليه مدة تقارب الساعة حول ضرورة طرد عرفات، لأنه يشكل عقبة أمام التقدم، وأن على الأميركيين عدم الانتظار إلى حين إحراز هدوء وتسوية مع الفلسطينيين للانطلاق بالعمليات المخططة ضد العراق.

وحسب الصحيفة نفسها، "فإن الولايات المتحدة تبلور صفقة الحد الأدنى سياسياً التي ستعمل على نيل موافقة شارون عليها، وهي خطة تقوم على أربع نقاط أساسية: بناء آلية للمبادرة السعودية، دولة فلسطينية، اتفاق مرحلي والسعي إلى اتفاق نهائي من دون جدول زمني، ومعظم هذه البنود يرفضها شارون. وفي هذا الوقت يتسلى رئيس الوزراء بإطلاق فكرة مؤتمر السلام الإقليمي كبالون اختبار، ولكن ذلك قد يتطور إلى أبعاد أكثر جدية".

جهاد حيدر