الروائي والناقد الكبير إدوارد الخرّاط لـ"العهد":
يعجبني الكاتب المغامر حتى لو أخفق

 

القاهرة ـ حسن نعيم

لا يتسع المجال في هذا التمهيد للحديث عن انجازات ادوارد الخراط في الرواية العربية المعاصرة، يكفي ان نذكر ان روايته "ترابها زعفران" ترجمت الى ست لغات، وأن له حوالى مئة عمل أدبي ما بين قصص وروايات ودواوين شعرية ودراسات نقدية ومسرحيات وكتب مترجمة.

وإذا كانت المؤلفات والأطروحات الجامعية التي كتبت عن الرجل قد أوفته بعض حقه، فـ"العهد" قصدته في شقته بالزمالك وعادت بهذا الحوار:

 

كيف ترى علاقة النص الابداعي بالقوالب النقدية الجاهزة؟

 

أعتقد أن على الفنان أو الكاتب أن يضع قانونه الفني أو الداخلي، وعلى الناقد أن يكتشف هذا القانون أو يتلمسه.. اذا خضع الكاتب لقوالب فنية أو معايير خارجية معتقداً أنها هي التي تحقق له سلامة أو كمال العمل الفني فلعله بذلك يعتّق هذا العمل.

 - أنت تتحدث هنا عن الحرية..

  الحرية، نعم الحرية، وليس الانفلات أو الانسياب من غير ضابط ولا رابط، الحرية قانون ومسؤولية أيضاً.. لكن الحرية أساساً تعني أن القانون يضعه الفنان بنفسه ولا يوضع له من عامل خارجي آخر. طبعاً الفنان لا يكتب في فراغ، ولا يصنع فنه من فراغ، ولذلك فإن ترابط الحرية والمسؤولية هو ترابط أساسي، لكن هذه المسؤولية هي مسؤولية الكاتب نفسه أو الفنان نفسه وليست مسؤولية عامل خارجي أياً كان هذا العامل، سواء أكان سلطة أم جمهوراً أم نقاداً أم نصوصاً سابقة أم أشياء مكرسة وما الى ذلك. على المبدع أن يستوعب وأن يتمثل وأن تكون له ترسانة أو عدة ثقافية كبيرة، لكن إن لم يمارس حريته المسؤولة أمام نفسه وأمام ضميره الخلقي والفني فلعله يضل ضلالاً بعيداً.

الحساسية الجديدة

   - تمثل "الحساسية الجديدة" جانباً بالغ الأهمية في رؤيتك الابداعية، وقد أثارت الكثير من الردود في الساحة الثقافية العربية، ماذا تحدثنا عن "الحساسية الجديدة" التي تعتبرها كشفك وإبداعك؟

تأتي الحساسية الجديدة في تعريفي مقابل الحساسية التقليدية، وكما تعرف تحدثت كثيراً عن هذا الموضوع وكتبت كتاباً كاملاً عن الحساسية الجديدة.

الى وقتٍ ما، يعني منذ عقدين أو ثلاثة، كانت الكتابة تتبع أنساقاً معينة ـ في القصة والرواية مثلاً اتّبع نسق التسلسل الزمني المطّرد، الماضي يأتي قبل المضارع، والمستقبل يستشرف، إلخ... وكان ثمة مواصفات معينة للكتابة الجيدة، مصطلحات معينة خاصة في القصة والرواية مثل التمهيد ثم الحبكة والعقدة ثم فك ما كان يعرف بـ"لحظة التنوير"، أي التوازن بين العناصر المختلفة في العمل الفني، التعليل والتحليل والوجهة الاجتماعية، وكذلك الحوار والسرد والوصف، كل ذلك في مقادير متوازنة، واللغة تكون لغة جذلى سلسة ليس فيها انقطاعات أو تفكرات.. هذا مجمل التصوّر الذي كان قائماً للحساسية التقليدية، وهو قائم على تصور فلسفي واضح المعالم  يسير الفنان أو القاص أو حتى الشاعر على هديه.

في ستينيات القرن الماضي حدثت تطورات خطيرة جداً اجتماعية ونفسية وثقافية في مجتمعاتنا العربية، حصلت الهزيمة أو الكارثة الكبرى التي لحقت بها كوارث أخرى..

واتضح ان العالم يكاد يكون غير مفهوم، وأن ما وضع له من قوانين ـ وأحياناً شعارات وليس قوانين ـ سقطت، وبالتالي حدث نوع من التفاعل والتبادل بين ظاهرتي الفن والمجتمع.. أقول هذا برغم أنني لست من القائلين ان الفن يتأثر تأثراً مباشراً أو ضرورياً ـ كما يسمى في العلم ـ تأثراً طردياً مع العامل الاجتماعي.. على أي حال أظن أن التصور التقليدي سقط وخاصة في مجتمعاتنا العربية، ولهذا أظهرت الكتابات الجديدة التي كتبها ما سُمي بجيل الستينيات، سقطت مسألة التسلسل الزمني وأصبحت القصة أو الرواية تبدأ في الحاضر وترجع الى الماضي ليس بأسلوب "الفلاش باك" التقليدي، وإنما بأسلوب انصهار الحقب الزمنية المتعاقبة في وحدة سيّالة يختلط فيها الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً حسب السياق الفني وليس حسب المقتضيات التي نسميها الكرونولوجية. كما احتل الحلم وتأثيرات القوى الداخلية في الانسان مكان الصدارة، بينما كانت هذه العناصر في الحساسية التقليدية تأتي باعتبارها شيئاً هامشياً. الانسان يحلم والكاتب حريص على أن يقول لك ان هذا حلم وليس حقيقة، في الحساسية الجديدة ربما تكون حقيقة أقوى وأفعل من حقيقة ما نسميه الواقع.

هذا ما أثبته علم النفس في كل مدارسه في أوائل القرن العشرين. إن الحلم قوة فاعلة، وإن القوى الداخلية في الانسان هي قوى أساسية وليست هامشية، وهي تفسر وتبرر وتحكم أحياناً وتسير، وإن التعامل  اليومي (تعامل السوق) يُغفل هذا الجانب، لكنه لا يستطيع التخلص من آثاره، ولهذا تأتي الأمراض والتصرفات غير المفهومة، هذا كله يحدث في الحساسية الجديدة في الأدب وفي الفن بشكل عامّ أيضاً.. اللغة لم تعد لغة القواميس أو اللغة المسلّم بها، فممكن أن تدخل اللهجات العامية، بل أكثر من هذا يمكن ان يحدث ما يسمى انكساراً للغة، ليس معنى هذا الجهل باللغة، بالطبع يجب على الكاتب أن يمتلك ناصية اللغة لكي يستطيع الكتابة، هناك من لا يملك سوى لغة مقعّرة أو مبأرَّة أو متحفية، فالفصحى على غناها وتفردها العظيم تحتاج الى حيوية الشارع، أي لغة الشعب، لغة الناس، والحيوية تضفي على الفصحى حياة جديدة، حياة اللغة في كل مكان ومن غيرها تموت اللغة، تتحجر وتصبح غير وافية.

هذه بعض خصائص ما أسميه الحساسية الجديدة التي قدّمت الكثير، كل الكتابات تقريباً الجيدة والممتازة والكفوءة التي أنتجت منذ الستينيات حتى الآن هي كتابات اتخذت كل أو بعض تقنيات الحساسية الجديدة.  

الغموض في الكتابة

  - نشهد اليوم جفاءً حقيقياً بين الناس والكتاب، ولهذا أسباب عديدة كما تعرف، بعضها خارج عن سلطة الكاتب وبعضها ناتج عن الغموض الذي يتقصده الكاتب في شيء من التشاوف على القارئ الذي يكافئه بالهجران؟

الغموض مسألة نسبية، هناك نوعان على الأقل من الغموض، الغموض الناشئ عن الخلط أو التشوش أو القصور في عدّة الكاتب أو الفنان نفسه، وهناك الغموض المتأتي من تعدد مستويات المعنى والدلالة في العمل الفني، وهذا هو الفرق بين الحساسية القديمة والحساسية الجديدة. فحينما كان ممكناً تفسير قصة او رواية أو قصيدة تتلقاها وتنام قرير العين هادئاً، أصبح هذا غير متوافر أو غير موجود في العمل الفني المجدد، حيث هو عمل مُقلق وحافز على التفكير وعلى القلق، والقلق قيمة أساسية في حياة الانسان، القلق في مواجهة الاستكانة والخضوع والافشال لما هو قائم ومكرّس ومقبول. لا شك في أن القلق شديد الايجابية، فهو الذي يحفز على التغيير نحو الأفضل، فالعمل الذي يدعوك الى التفكير والقلق وإلى تلمس أكثر من معنى هو عمل خصب، له غموض الخصب وليس غموض التشوش.

الأدب والفلسفة  

 - ما رأيك بالتجربة الحياتية لمعطى أساسي من معطيات العمل الابداعي؟

  التجربة الحياتية تثري العمل الفني، لكنها وحدها لا تكفي بطبيعة الحال، فالروائي أو الشاعر الذي لا يستند ـ في تصوري ـ الى رؤية فكرية ان لم نقل رؤية فلسفية، فإن كتابته ستكون متهافتة وليس لها قوام صلب.. أنا طبعاً لا أدعو الى ان تتحول الرواية والشعر الى فلسفة أو الى تقرير نظري، أنا أزعم ان الافتقار الى أحد الشيئين يفقر الموضوع الفني.. الشيء الأول هو التجربة الحياتية الخصبة والمعرفة الانسانية الواسعة أو العريضة المستندة الى موقف فلسفي واضح، ليس ضرورياً أن يكون موقفاً أيديولوجياً، وإن كانت الأيديولوجيا تلعب دوراً أساسياً مضمراً ولو غير مفصح عنه بالرطانة الفلسفية، لكنه بالنهاية موقف.

الكتابة عبر النوعية

  - ما رأيك بالتقنية السردية الكلاسيكية البلزالية، وهل أنت مع كسر هذه التقليدية في الشكل السردي؟

  رأيي ان هذه من انجازات الرواية الحديثة بشكل عامّ، وإن كان هناك في وقت من الأوقات ما يسمى بنظرية الايهام بحيث لا يتدخل الكاتب ولا يصدر له أي صوت إطلاقاً، وأنه يزعم لك بأن هذا ما حدث، ويوهمك به ويقيم بناءً كاملاً ليقنعك بأن الكاتب ليس له وجود، وأن الشخصيات هي التي تتكلم وتفعل وتحس... إلخ، وهذا طبعاً غير صحيح، لأنه في النهاية هذه الشخصيات كلها هي تعبير أو أحد أوجه النشاط العقلي والروحي للكاتب وإن بتجليات مختلفة. لقد انكسر هذا الايهام وأصبح في الرواية العالمية الانسانية كلها أو في الرواية العربية مجالاً لأن يتكلم الكاتب بصوته متدخلاً، أو أن يخرج عن السياق الحكائي الذي كان يتناول موضوعاً فكرياً أو نظرياً أو سياسياً بأسلوب مباشر.. المهم في هذا ان ذلك كله يكوّن جزءاً من بنيان له اتساقه، لا أقول بنيان بمعنى اتساق متوازن هذا الذي يشبه الموسيقى السيمفونية المتعددة الأصوات التي تندرج تحت بنية مركبة، ليست بسيطة، ليست على نسق واحد أو نبرة واحدة، اذا استعرنا لغة الموسيقى فممكن جداً ان يدخل في النص "التقرير"، ممكن تناول فكرة أو موضوع نظري والخوض فيه، ممكن ان يكون مطواعاً ومرناً شديد القابلية، أي انه يستوعب منجزات كثيرة جداً من فنون كثيرة جداً، هذا الذي أسميته الكتابة عبر النوعية، أي استفادة النوع الأدبي من منجزات الأنواع الأخرى حيث لم تعد هناك حدود قاطعة أو حدود بوليسية بين النوع والآخر، بين القصة والرواية، بين الشعر والقصة، بين المقالة والقصة، ولا حتى يبن الصورة والتمثال، ولا بين الموسيقى والقصة، ولكن هذا ليس معناه في تصوري اكتفاء الانواع الادبية.

في الرواية تحليق شعري وشطح فانتازي وخيال لا يمت لما نعرفه بل للواقع اليومي بصلة. كل هذه التقنيات التي هي رؤى أصبحت من منجزات الفن الحداثي وأكسبت السرد الروائي أو الشعر أو القصة غنى وتعدداً وتنوعاً وسعياً أعمق نحو معرفة أكبر بالنفس وبالعالم وبالمشاكل الاجتماعية والروحية والعقلية والعاطفية، وهكذا لم تعد عملية السرد التي تكلمت عنها في الحساسية التقليدية، السرد المطّرد على سننه القديمة، البلزاكي او الموباسايني او المحفوظي القديم،  انكسر هذا الأسلوب، وأصبح من السرد.

 - ولكن كيف يمكننا تحديد قدرة النوع الادبي على الامتصاص والتشرب من النوع الآخر؟

  أنا لي في هذا الكلام اجتهاد، أنه اذا غلبت الايقاعية على العمل الفني فهو شعر، اذا غلبت المشهدية فهو سينما، اذا غلبت الحوارية فهو مسرح، وإذا غلبت السردية فهو قصة او رواية.. تبقى الانواع الادبية محافظة على هويتها، ومع ذلك يصبح عندنا كتابة عبر النوعية. ولعل تحقق العناصر الأربعة أو الخمسة في عمل واحد بشكل متكافئ هو من أصعب الأمور وأعقدها.

 - لمن تقرأ من الروائيين المعاصرين؟

  "بلاش".. يعجبني المغامر والحداثي حتى لو خابت مغامرته أو جهده، ولا يهمني كثيراً الكفوء والممتلك لناصية الكتابة اذا كان يستنسخ الأعمال السابقة ويسير على الطرق المعبّدة والمألوفة.