مؤتمر المعارضة العراقية في لندن:
اتفاق على الخطاب السياسي واختلاف على نسب التمثيل والحصص


طهران ـ احمد عبد الرحمن       

 انتهى مؤتمر المعارضة العراقية بعد أربعة ايام من الاجتماعات المتواصلة في فندق "مترو بوليتان" وسط العاصمة البريطانية لندن، ولكن لم تنته الخلافات والاختلافات حول نسب التمثيل والحصص وحجم المشاركة في العملية السياسية، ولا سيما ان الكل تقريبا باتوا يدركون ووصلوا الى قناعة كاملة بأن الولايات المتحدة حسمت امرها وقررت الاطاحة بنظام صدام حسين، ولم يبق امامها سوى اختيار التوقيت المناسب.

  لعل السؤال الذي بقي معلقا هو هل المعارضة العراقية حققت من خلال مؤتمر لندن نجاحا سياسيا وتقدمت خطوة الى الامام ام انها كشفت عن نقاط ضعفها وتشتتها وتشرذمها؟ هذا السؤال وجهته "الانتقاد" الى اكثر من شخص من الناشطين في العمل السياسي العراقي المعارض، ومن بينهم ممن شارك في المؤتمر وشهد الجانب الاكبر من الاحداث والوقائع الا  تلك التي جرت في الدور الرابع عشر من فندق "متروبوليتان" حيث مقر إقامة السفير الاميركي زلماي خليل زادة لدى المعارضة العراقية، وفريق عمله من مساعدين ومستشارين واداريين!

وقد التقت معظم الاجابات عند نقطة واحدة تقريبا وهي ان الاختلافات والخلافات في وجهات النظر والتصورات والرؤى في داخل المعارضة العراقية يعد امرا طبيعيا انطلاقا من عدة اعتبارات، ابرزها طبيعة التنوع القومي والمذهبي والديني لتركيبة المجتمع العراقي، ودرجة القمع والقسوة العالية التي اتسمت بها سياسات النظام الحاكم في بغداد ضد كل من يطرح رأيا مخالفا او يقوم بعمل يفهم منه انه موجه ضد النظام، وطول المحنة التي عاشتها وما زالت تعيشها معظم فئات وشرائح الشعب العراقي، والتي ولدت افرازات وتراكمات مختلفة.

ويرى هؤلاء المعارضون ان هذه المسائل الثلاث القت بظلالها على اجواء ومناخات المؤتمر، مضافا اليها مسألة اخرى مهمة الى حد كبير، الا وهي دخول العامل الدولي ـ  وتحديدا الاميركي ـ  على الخط بصورة واضحة ومكشوفة بشكل لم يعد إزاءه ممكنا الاعتراض المطلق على مثل هذا الدخول "الفج"!

والمسائل المشار اليها ساهمت في توحيد مختلف تيارات واحزاب وحركات وشخصيات المعارضة العراقية التي شاركت في المؤتمر حول بعض القضايا، وساهمت ايضا في اختلافها وتقاطعها حول قضايا اخرى. فالبيان السياسي الختامي الذي تضمن احدى وعشرين فقرة كان موضع اجماع تقريبا من قبل المؤتمرين، وعلى عكس التوقعات فإن النقاشات بشأنه لم تأخذ وقتا طويلا، وذلك لان صياغاته جاءت عامة في مضامينها.  والشيء نفسه يصدق تقريبا على الوثيقة الثانية الصادرة عن المؤتمر التي تبحث في مشروع الحكومة الانتقالية بعد الاطاحة بنظام صدام، اذ تشير الوثيقة الى تشكيل مجلس للسيادة من ثلاثة اشخاص ومجلس وطني انتقالي وادارة انتقالية تتولى ادارة شؤوون البلاد لمدة اقصاها عام او عامان لحين صياغة دستور دائم وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية عامة.

بيد ان ما كان موضع جدل ونقاش وشد وجذب هو تشكيل لجنة المتابعة والتنسيق التي اعلن المسؤولون عن تنظيم المؤتمر انها تمثل الى جانب توحيد الخطاب السياسي للمعارضة، وطرح تصور عن شكل النظام السياسي البديل في العراق، الاهداف الاساسية للمؤتمر. ولعل الامر اللافت للانتباه هو انه كان مقررا في البداية ان لا يتجاوز عدد اعضاء لجنة التنسيق خمسة عشر شخصا يتم اختيار قسم منهم من معارضي الخارج والقسم الاخر من معارضي الداخل في وقت لاحق، لكن هذا العدد وصل الى خمسة وستين شخصا بحسب ما ذكر زعماء الفصائل الستة في المؤتمر الصحافي الذي عقدوه في اعقاب اختتام اعمال المؤتمر، ومن ثم قيل انه تم اضافة عشرة اسماء وذلك للمحافظة على التوازنات في ضوء الواقع القائم، والتزاما بالنسب التي اقرت في مؤتمر المعارضة العراقية الذي عقد في خريف عام 1992 في بلدة صلاح الدين بشمال العراق.

وفي ما يتعلق بهذا الجانب فإن بعض التيارات، منها اسلامية، شيعية وسنية، وكردية واخرى ذات توجه ليبرالي اعترضت لعدم اختيار ممثلين منها في لجنة المتابعة والتنسيق، حتى ان قسما منها اتهم اطرافا اخرى باحتكار التمثيل او الاستحواذ على حصته دون وجه حق، كما حصل مع خمسة تيارات اسلامية صغيرة حين اتهمت المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق باحتكار التمثيل الشيعي في اللجنة، وكما حصل ايضا مع حركة الديمقراطيين العراقيين التي اتهمت حركة الوفاق الوطني بزعامة اياد علاوي بسرقة حصتها في مقاعد اللجنة، هذا فضلا عن الاعتراضات المماثلة من شخصيات مستقلة شكلت مع بعضها البعض كتلة واحدة لترتيب وتنظيم تحركها السياسي لتحقيق اكبر قدر من المكاسب السياسية.

ولكن تبقى الملاحظات والمؤاخذات التي اثيرت على المجلس الاعلى هي الاكثر اهمية مما سواها لانها شغلت حيزا واسعا، وتم توظيفها بصورة اوحت لبعض الاوساط السياسية ووسائل الاعلام بوجود تأثير ايراني على مسارات عمل المؤتمر وتوجهاته، في اشارة الى ارتباط المجلس الاعلى بالجمهورية الاسلامية، حتى ان البعض كان يستخدم مصطلح "المعارضة الايرانية"!.

والذي حصل هنا هو اتهام المجلس الاعلى بالسعي الى الحصول على اكبر قدر من التمثيل في تركيبة اي لجان يمكن ان تنبثق عن المؤتمر، وفي ما بعد تصاعدت حدة الاتهامات القائلة بأن المجلس الاعلى استحوذ على النسبة الاكبر من مقاعد لجنة المتابعة والتنسيق الخمسة والستين.

بيد ان الخلط الذي كان مقصودا من قبل بعض الاطراف هو تصوير التمثيل الاسلامي الشيعي بإطاره العام الواسع سواء بالنسبة لعدد المشاركين في المؤتمر او في اللجنة وكأنه تمثيل للمجلس الاعلى فقط بينما الواقع يشير الى خلاف ذلك، اذ انه في اطار التمثيل الاسلامي الشيعي هناك "حركة الدعوة الاسلامية" و"كوادر الدعوة الاسلامية" (اثنان من الاجنحة المنشقة عن "حزب الدعوة الاسلامية")، وهناك "منظمة العمل الاسلامي" بشقيها، وهناك "حركة جند الامام" اضافة الى عدد من الشخصيات المستقلة، ومع ذلك فإن نسبة التمثيل الشيعي (الاسلامي والعلماني) في لجنة المتابعة والتنسيق بحسب ما ذكرت مصادر مطلعة لم تتجاوز 47% في وقت تبلغ نسبة الشيعة في العراق نحو 65%، علماً ان نسبة التمثيل التي اقرت للتيار الشيعي في مؤتمر صلاح الدين هي 55%.

  وهذا الامر دفع وفد المجلس الاعلى الى الاعتراض على ذلك والتهديد بالانسحاب اذا لم يصر الى معالجة ذلك الخلل، وبالفعل فإنه جرى التوصل الى توافق تم بمقتضاه اضافة عشرة اشخاص الى لجنة المتابعة والتنسيق على ان يكونوا من الشيعة الاسلاميين والعلمانيين.

ومع ذلك فإن اوساطا مقربة من كواليس واروقة القرار السياسي المعارض اكدت ان هناك مساعي تبذل لادخال التيارات التي قاطعت المؤتمر الى اللجنة مثل "حزب الدعوة الاسلامية" و"الحزب الشيوعي العراقي" و"حزب البعث العراقي" (قيادة قطر العراق الموالي لسوريا) و"الحزب الاشتراكي العراقي"، و"حركة الوحدة الاسلامية الكردية" بزعامة الملا علي بن عبد العزيز التي اعلنت انسحابها من المؤتمر في اليوم الثالث، اضافة الى شخصيات مستقلة لها ثقلها الاجتماعي والسياسي. وتوقعت تلك الاوساط ان يرتفع عدد اعضاء اللجنة الى تسعين شخصا او اكثر في حال وافقت التيارات المشار اليها على الانضمام.

وتشير تلك الاوساط الى ان فترة الاسابيع الثلاثة المقبلة التي تسبق اول اجتماع للجنة والذي من المقرر ان يعقد منتصف شهر كانون الثاني/ يناير المقبل في مدينة اربيل الكردية الخاضعة لنفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني ستشهد استمرار المداولات واللقاءات والحوارات في اطار الفصائل الستة التي تبنت تنظيم مؤتمر لندن، وفي اطار الساحة السياسية لعموم المعارضة العراقية، حيث انه من المتوقع ان يتوجه بعد عدة ايام عدد من كبار الشخصيات السياسية المعارضة الى واشنطن للقاء مسؤولين اميركيين هناك، وكذلك فإن عددا من وسائل الاعلام نقلت عن بعض الشخصيات العراقية المعارضة ان مؤتمرا للمستقلين سيعقد الشهر المقبل في لندن بمشاركة نحو مئة وخمسين شخصا في محاولة لبلورة اطروحات ورؤى جديدة واستيعاب من لم يستوعبه المؤتمر الاخير.