الباحث الاستراتيجي الدكتور ناصر عبيد الناصر لـ"الانتقاد":
الولايات المتحدة تبحث عن هيئة بديلة للأمم المتحدة ومجلس الأمن
 


دمشق ـ حوار ثائر سلوم:

انتقد الباحث الاستراتيجي السوري الدكتور ناصر عبيد الناصر ضعف الجامعة العربية أمام مواجهة استحقاق العدوان الأميركي ـ البريطاني ضد العراق، مشيراً إلى أنها لن تكون أقوى من الأنظمة، بل هي محصلة لها. ورأى أن البنية الهيكلية للأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تعد تناسب طموحات الولايات المتحدة الأميركية وتطلعاتها، أمام وجود قوى رافضة لما تريده، وتالياً فإنها تعتقد أنها استنفدت وظيفتها التاريخية وتحتاج إلى هيئة جديدة.

وأشار عبيد الناصر إلى أن العدوان الأميركي على العراق أدى إلى تقسيم العالم، وأن كثيراً من الدول بدأت تبحث عن مصالحها ومستقبلها، ومنها دول في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، التي تبحث في تشكيل حلف عسكري من الممكن أن يشكل نواة لحلف عسكري مناهض للناتو، أمام التناقضات التي يستعصي حلها.

واعتبر مشروع كولن باول للشراكة الأميركية الشرق أوسطية الوجه الثاني للمشروع الشرق أوسطي الذي كان قد طرحه شمعون بيريز، لكن بثوب جديد.

الدكتور ناصر عبيد الناصر أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية العلوم السياسية في جامعة دمشق، وهو عضو في مجلس الشعب السوري، وباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق، وله عدة مؤلفات.

وفي ما يلي نص الحوار معه.

 

ـ كيف تقرأ تداعيات العدوان الأميركي ـ البريطاني على المنطقة ككل، في إطار مستقبل العلاقات الإقليمية والعلاقات الدولية؟

* استطاعت الولايات المتحدة الأميركية الانفراد بالعالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية، وبدأت تبحث عن عدو بديل، إلا أنها سرعان ما وجدته ليس في الإسلام السياسي فقط، وإنما في المناطق الواعدة التي لا تزال ثرواتها تحت الأرض، ما دفعها لاختراع المسألة العراقية وتحديد أهداف معلنة للسيطرة على المنطقة عبر إثارة هذه المشكلة، إضافة إلى الأهداف غير المعلنة التي بدأت تلوح في الأفق وتتضح شيئاً فشيئاً.

وهنا لا بد من أن نشير إلى أن احتكارات وشركات الولايات المتحدة الأميركية اتجهت بعد الحرب العالمية الثانية نحو بلدان أميركا اللاتينية، ويبدو أنها بعد أن نهبت خيرات تلك البلدان، بدأت تفكر في منطقة أخرى تحقق مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فوجدت أن المنطقة التي يمكن أن تحقق الطموحات الأميركية في السيطرة والهيمنة  على العالم هي المنطقة العربية، حيث لا يمكن لها أن تكون الإمبراطورية الأولى في العالم من دون أن تسيطر على منابع النفط، لتحول أيضاً دون صمود قوى عالمية تشكل نداً لها. وهي أرادت من خلال حربي الخليج الأولى والثانية (والثالثة أيضاً)، أن تضع دول الاتحاد الأوروبي في عنق الزجاجة من خلال تحكمها بالنفط، وإخضاع العالم عبر السيطرة على المنطقة العربية.

ـ بعد تعرّض عضو في جامعة الدول العربية لعدوان خارجي بتسهيل من بعض الدول الأعضاء في تلك الجامعة، كيف تقرأ مستقبل العلاقات العربية ـ العربية في إطار جامعة الدول العربية؟

* عملياً من الممكن أن تحقق الولايات المتحدة الأميركية ـ على المدى القريب ـ نصراً في المنطقة، ولكن من الصعوبة أن تحتفظ به على المدى البعيد، أمام تأصّل ثقافة مقاومة المحتل، بغضّ النظر عمن يكون هذا المحتل. ولكن تداعيات العدوان الأميركي ـ البريطاني على المنطقة العربية خطيرة على الصعد الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بعد أن تبينت هشاشة وعجز النظام الرسمي العربي.

وبالتالي فإن العدوان الأميركي على المنطقة أسقط عملياً النظام الرسمي العربي، حيث يأتي هذا السقوط في إطار "ضارّة ربما تكون نافعة".. فقد تنبعث حركة التحرر الوطني بثوب ومحتوى جديد، وتتعاطى وتتعامل مع معطيات العصر ومتطلباته وفق استحقاقاته، وتتوجه بخطاب سياسي واقتصادي وثقافي وإعلامي جديد. وأنا متفائل جداً برغم الأضرار والمخاطر والآثار الخطيرة التي تترتب على هذا العدوان، إلا أني أقدّر أنه إذا ما استمر العراق في صموده، فإن أنظمة عربية عديدة سوف تتداعى، ولا سيما الأنظمة العربية غير المتصالحة مع شعوبها وتلك الموالية لأميركا، قد تسقط نتيجة الفجوة بين موقفها وموقف الشارع العربي.

ـ ولكن الجامعة العربية تعرضت لأزمة كبيرة كشفتها الحرب الأميركية ضد العراق، فهل من الممكن استمرار هذه المؤسسة بالشكل الحالي من حيث التصويت وآليات تنفيذ قراراتها؟

* الجامعة العربية لن تكون أقوى من الأنظمة، بل هي محصلة لها، أي ان ضعف الجامعة العربية هو من ضعف هذه الأنظمة، ولذلك لا نتوقع أن تكون الجامعة العربية قوية وصاحبة قرار، لأنها كالمرآة تعكس واقعاً عربياً يعاني من العجز والضعف.. وحتى نفعّل دور الجامعة العربية يجب تغيير ميثاقها وآلية العمل في مؤسساتها، بحيث تكون قراراتها ملزمة للدول الأعضاء.

ولو أخذنا اتفاقية الدفاع العربي المشترك، فهي نظرياً جيدة جداً، وتقول إن أي عدوان على أي بلد عربي هو عدوان على البلد الآخر، وبرغم ذلك فإن هذا لا يساوي قيمة الحبر الذي كُتب به، ما دامت قرارات الجامعة العربية غير ملزمة.

ـ هل تعتقد أن انهيار التضامن العربي من خلال صيغة الجامعة العربية هو انعكاس لانهيار الميثاق الدولي لهيئة الأمم المتحدة ممثلاً بمجلس الأمن، ولا سيما أن الجامعة والأمم المتحدة وُلدا في فترتين متقاربتين؟

* الغزو الأميركي للعراق أبّنَ هيئةَ الأمم المتحدة عملياً، وأسقط دور مجلس الأمن كمرجعية للشرعية الدولية وتسوية النزاعات الإقليمية بالطرائق السلمية. وبرغم أن الولايات المتحدة من الأعضاء المقررين في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا أنها خرجت عن الشرعية الدولية ولجأت إلى استخدام القوة وسيلةً لتصفية النزاع، ما يعني أن هناك نيات أميركية لاستبدال الأمم المتحدة ومجلس الأمن بهيئة جديدة تخدم مصالحها أولاً وأخيراً. ويبدو أن البنية الهيكلية للأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تعد تناسب طموحاتها وتطلعاتها، أمام وجود قوى رافضة لما تريده.

ولذلك فمن المتوقع أن تعيد الإدارة الأميركية تشكيل هيئات الأمم المتحدة ومجلس الأمن من أعضاء موالين لها. ولنستذكر هنا كيف أُنهيت عصبة الأمم نتيجة الحرب العالمية الثانية وأُسّست هيئة الأمم المتحدة، حيث ترى الولايات المتحدة الأميركية الآن أن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن قد استنفدا وظيفتهما التاريخية، وبالتالي تحتاج إلى هيئة جديدة.

وحتى تكون الولايات المتحدة الأميركية الإمبراطورية الأولى في العالم، تفترض إعادة هيكلة مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومن الممكن أن تحاول إلغاء عضوية بعض الدول التي تمتلك استخدام حق الفيتو مثل فرنسا وروسيا والصين، وهذا يعني أن العدوان الأميركي على العراق أدى إلى تقسيم العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور أقطاب عديدة، ولا سيما أن كثيراً من الدول بدأت تبحث عن مصالحها ومستقبلها،  ومنها دول في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، التي تبحث في تشكيل حلف عسكري من الممكن أن يشكل نواة لحلف عسكري مناهض للناتو، أمام التناقضات التي يستعصي حلها. فقد كان الصراع سابقاً بين الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية من جانب، والنظام الرأسمالي من جانب آخر، ولكن الصراع قد انتقل الآن إلى داخل المنظومة الرأسمالية. بل إن الحربين العالميتين الأولى والثانية حدثتا نتيجة صراع داخل النظام الرأسمالي أيضاً، وفيما إذا استمر الصراع الحالي بين أقطاب النظام الرأسمالي ذاته، فإنه سوف يُتوج بالتأكيد بنهوض قوى مناهضة للولايات المتحدة الأميركية تريد المحافظة على مصالحها الاقتصادية والسياسية.

وإذا انتصرت الولايات المتحدة الأميركية وجيّشت جيوشها وهيمنت على العالم، فإنه يتعذر على هذه القوى أن تنهض في المستقبل القريب. وأرى أن أحد الأهداف الأساسية للعدوان الأميركي ـ البريطاني على المنطقة هو إخراج الاقتصاد الأميركي من أزمته الخانقة، حيث وجدت الإدارة الأميركية أن الحل الوحيد لإنعاش الاقتصاد هو اللجوء إلى الحرب، وابتزاز الأنظمة العربية ومحاولة تركيعها أو استبدالها ـ لا كما تدعي الإدارة الأميركية ـ بأنظمة ديمقراطية، وإنما بأنظمة على الطريقة الأميركية تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية. أما الهدف الثالث لهذه الحرب فهو طرح صيغة جديدة لاستثمار النفط، تحول دون صعود قوى محتملة تنافس الولايات المتحدة الأميركية من خلال تحكمها بأسعار وطريقة توريد وتسويق النفط، واستخدامه وسيلة ضغط على تلك الدول حتى تستجيب لسياساتها. إلا أن أخطر أهداف هذه الحرب هو تفكيك الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، لأن إثارة المسألة العراقية منذ 1991 حتى الآن وتواترها في العامين الماضيين، أتاح المجال لشارون أن يقتل ويدمر ويبيد الشعب الفلسطيني من دون أن يلتفت العالم إلى هذه الجرائم، من خلال إلهاء وصرف انتباه الرأي العام العالمي باتجاه المسألة العراقية. ويحاول شارون أن يتوجه بكل الطرائق لأن يفكك الانتفاضة ويضعف المقاومة الفلسطينية.

ـ فور سقوط الاتحاد السوفياتي حدثت حرب الخليج الثانية التي عبرت عن تكريس الأحادية القطبية والنظام العالمي الجديد، فهل من الممكن أن تكون حرب الخليج الثالثة بوابة لإنهاء الأحادية القطبية باتجاه عالم متعدد الأقطاب؟

* أعتقد أن هذا غير ممكن على المدى القريب، ولكن على المدى البعيد يمكن أن تتأزم العلاقات بشكل أكبر ويشتد التناقض بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى دخول روسيا والصين والهند في هذه التناقضات. وعليه فإن الولايات المتحدة الأميركية يمكن لها أن تنفرد بالعالم وتبقى القطب الوحيد المهيمن إلى فترة ليست بالقليلة، ولكن بعد ذلك قد تحصل حالة استقطاب بوجود نواة تحتاج إلى فترة زمنية حتى تتبلور، من خلال متابعة كيفية تأثر المصالح الأوروبية وروسيا والصين من النواحي الاقتصادية والسياسية العسكرية.. وكلما كان الضرر الذي يلحق بهذه البلدان كبيراً سرّع ذلك في اتئلاف هذه الدول معاً وتشكيل قطب مناهض للولايات المتحدة الأميركية، فلا يمكن أن يستقيم الكون ويتحقق التوازن في العالم وأن يقوم نظام اقتصادي عالمي جديد من دون توازن في القوى، من خلال قطبين على الأقل، بحيث يتمكن هذا التوازن من تأسيس نظام اقتصادي عادل يحقق التكافؤ في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول.

ـ ألا تعتقد أن الحرب الأميركية ضد العراق الهادفة إلى إيجاد نظام موالٍ لها، قد يضع العصا في عجلات الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية ويهدد المصالح الأوروبية في هذه المنطقة، من خلال الشروع بتنفيذ مشروع كولن باول للشراكة الأميركية ـ الشرق أوسطية؟

* هناك أنظمة عربية موالية للولايات المتحدة الأميركية وموافقة على العدوان، وبرغم ذلك لديها شراكة أو ماضية في هذا الطريق مع السوق الأوروبية المشتركة.

إن النظام المفترض في العراق الذي تريده واشنطن موالياً لها، سوف يأخذ أوامره من الإدارة الأميركية، وبالتالي حتى إذا دخل الشراكة مع أوروبا فإنه سوف يدخلها من الباب الأميركي وبما يخدم مصالح أميركا، ما يعني أن الولايات المتحدة تغامر على هذا النظام المفترض تأسيسه الذي لن يتمكن من تحقيق المصالح الأميركية، لأنه مرفوض شعبياً، وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تستبدل نظاماً ـ كما تدعي ـ استبدادياً بنظام ديمقراطي، فلا بد من أن تدرك أن النظام الديمقراطي لا يفرض من الخارج، بل هو خيار الشعوب، ولا يجوز للولايات المتحدة أن تقرر مصير الشعوب نيابة عنها.

  ـ ولكن أحد تجليات مشروع باول هو قطع الطريق على الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية؟

* يمكننا أن نعتبر مشروع كولن باول هو الوجه الثاني للمشروع الشرق أوسطي الذي كان قد طرحه شمعون بيريز، لكن بثوب جديد.

ـ من نظرة استراتيجية نرى أن سوريا من الدول القليلة التي تدافع بكل قوتها عن قضية العراق. فبرأيك هل سينعكس هذا الموقف سلباً من قبل الولايات المتحدة ضد سوريا؟

* عملياً لكل موقف ثمن، ولكن عندما يتعلق الأمر بحسابات وطنية وقومية فإن سوريا لا تحسب حساباً لا للتهديد ولا للثمن الذي يمكن أن تدفعه ولا لغيره، فما يميز الموقف السوري هو انسجامه مع ثوابته الوطنية، وهذا ليس غريباً، لأنها حاضنة القومية العربية، وما تقوله سوريا في العلن هو ما تخفيه، بدليل التوافق بين الموقفين الرسمي والشعبي، فلم تحصل أي مشاكل في الشارع السوري، والجميع يشجب العدوان ويدينه ويطالب باللجوء إلى الوسائل السلمية لتسوية النزاعات.. فالحرب بالنسبة الى سوريا هي خيار الدول المعتدية، وتعكس صراع الحضارات والثقافات، في حين أن السلام يعكس حوار الحضارات والثقافات.

الموقف السوري يعكس مزاج وطموحات وتطلعات الشارع العربي، ولهذا فقد شددت سوريا على وقف العدوان الأميركي والانسحاب الفوري من دون شروط من الأراضي العراقية، ما يعني أن الخطاب السياسي السوري يصب في خانة تعزيز الأمن القومي العربي.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن سوريا لا تقف موقف "المتفرج"، بل إن الإعلام السوري المسموع والمرئي لدى العراقيين يمارس دور التعبئة لتعزيز صمود ومقاومة الشعب والجيش العراقيين للعدوان السافر، إضافة إلى تركيزه على الوحدة الوطنية في العراق.