رمضان في فلسطين... 
اختفت عاداته لتحل جرائم الاحتلال مكانها ...


نابلس: عزيزة نوفل  

رمضان ..قبل ثلاثة أعوام ...صورة جمالية رائعة اعتاد الفلسطينيون الحفاظ عليها بالرغم من كل المعوّقات... صوم وتعبد وارتياد مساجد ... وعادات عريقة تعزز صله الأرحام والترابط بين الأسرة، وتضيف جواً من الفرح والبهجة الى جانب الجو الإيماني ... 

فقد اعتاد الفلسطينيون كما المسلمون كافة على استقبال شهر رمضان باستعداد لاقامة شعائره الدينية والاجتماعية ايضاً... فالمساجد اعتادت على استقبال الزوار المصلين والمعتكفين، والبيوت اعتادت  كذلك على استقبال زوارها تجمعهم على موائد انتقت طعامها من الأحسن والاجود ... تبدو كصورة من صور التكافل والتراحم بين الأسرة كافة...

ففي ذلك البيت قبل عامين كان رمضان شهر الاسرة "كما وصفت" مروة عبد الله، "لم يكن أحد ليتخلف عن مائدة الإفطار الجميع يلتئم، حتى أخي المتزوج كان كل عام يقضي رمضان كله لدينا".

وبالإضافة إلى العادات الاجتماعية كانت عادات الطعام في رمضان لها خصوصيتها، فالأسواق مليئة بالمواطنين، الكل يريد ان يستحضر الأفضل لمائدة الإفطار، ولعل اشهر المأكولات التي اشتهرت بها المدن الفلسطينية هي القطايف والعصائر وخاصة التمر الهندي، والتمور والمخللات بكل انواعها.

وعلى مائدة الإفطار التي يجتمع عليها كل افراد الاسرة يبقى الجميع منتظراً صوت المدفع.. الذي يعتبر إحدى العادات الرمضانية في بلادنا ... فترى الجميع يركز سمعه لاطلاق قذيفة المدفع معلناً انتهاء صيام يومهم ...

ويزين كل ذلك "المسحراتي" الذي يطوف الاحياء والشوارع والازقة معلناً للناس بدء سحورهم مستخدماً الطبل والأهازيج والأغاني التراثية القديمة "يا نايم وحد الدائم...اصحَ يا نائم...".

وهناك بعض العادات الخاصة ببعض المدن والقرى، ففي مدينة نابلس درج صائمو البلدة القديمة على عادات خاصة، فأبو فراس الخليلي من حارة الياسمينة بنابلس اعتاد يومياًَ بعد أداء صلاة العشاء والتراويح في مسجد الساطون القريب من منزله أن يقوم برفقة أقرانه من أصدقاء الصبا منذ سنوات عديدة بالالتقاء في مقهى مجاور أنشئ منذ العهد التركي وبقي على حاله برغم تقلب الأحوال. 

زبائن هذا المقهى لم يتغيروا برغم زيادة الشيب والتقدم بالعمر، وتبدأ الحركة تعج من جديد في ساعات الليل عندما يتجمع عشرات الرجال حول موائد من الخشب السندياني وبجانبهم النراجيل ذات العنق التركي الأصيل حيث حل الحديث عما يجري في فلسطين وعن الوضع السياسي الجاري في العالم، مع إطلاق النكات ذات النكهة النابلسية الجبلية. ويعتبر هذا المقهى الكائن في حي القصبة بنابلس في البلدة القديمة منها معلماً فلكلورياً للمدينة القديمة ذات الحضارات المتعاقبة.

ومن العادات الرمضانية ايضا التي تتجلى خاصة في مدينة نابلس عادة "الفقد" حيث يقوم الأهل والاخوة بزيارة البنات والأخوات وبنات العم والخال وبنات الاخت والاخ، ومهاداتهن ومن ثم دعوتهن  لطعام الافطار ... 

هذه الايام باتت من الماضي القريب فقبل ثلاثة أعوام فقط كانت منتشرة  ظاهرة اخذت تخبو يوماً بعد يوم تحت ثقل الاحتلال والحصار والفقر والتشتت الذي فرضه الاحتلال الصهيوني.

فتلك الاسرة التي اعتادت على "اللمة" على مائدة الافطار أصبحت الان بنصف العدد بعد ان غاب احدهم في معتقل مجدو ...والاخر بسبب سفره الى زوجته التي تمنع من القدوم الى فلسطين للعيش مع زوجها في بيتهم الذي اعد اقبل اعوام ...والثالث بسبب دراسته في جامعة النجاح التي كانت تبعد عن مدينته " قلقيلية" ثلث الساعة واصبحت اليوم تحتاج الى ايام ..."رمضان هذا العام فقد معناه، لا يوجد في البيت سوى اختي وامي وابي ..." قالت مروة. 

اما عن الوضع الاقتصادي فحدّث ولا حرج، والمار في شوارع المدن الفلسطينية، يلحظ مدى الكساد في البضائع، فالازمة الاقتصادية  ونسبة الفقر العالية جعلتا الأهالي يركزون على الضروري فقط .  

وطبقاً لتقرير للبنك الدولي، فإن 60% من الفلسطينيين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر  .

ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن نحو مليونين ونصف المليون فلسطيني يعانون الفقر بنسبة 63,3% من الأسر، وبواقع 364 ألف أسرة في منتصف العام الحالي، وسط بطالة ارتفعت خلال الربع الأول من العام ذاته إلى 29,3%، فيما خسرت 237 ألف أسرة أكثر من نصف دخلها منذ بدء العدوان.

ومدفع رمضان توقف أيضاً بأمر المحتلين، "المسحراتي" اختفى نهائياً بعد منعت قوات الاحتلال ذلك ...فالكثير منهم تعرض للضرب والإهانة وإطلاق النار عليه من قبل جنود الاحتلال الذين يجوبون المدن الفلسطينية ليلاً... ويستهدفون كل جسم متحرك في ساعات الليل. وذلك المقهى والعديد من الأماكن الأخرى اختفت من البلدة القديمة ... بعد سلسلة الاجتياحات والتدمير التي تعرضت لها حارة الياسمينية في البلدة القديمة...

والتزاور بين افراد الاسرة اختفى فالعائلات قطعت عن بعضها واصبح الهاتف الوسيلة الوحيدة للقاء... فالمداخل والطرق المؤدية للمدن والقرى مغلقة تماماً ... فالتشديد وقطع أوصال المدن والقرى عن بعضها البعض لا يزال مستمراً مما يحول دون لم شمل الأسر الفلسطينية.

ان المعاناة في أيام رمضان تتضاعف, بسبب حاجة الأسرة الفلسطينية إلى الالتمام على موائد الإفطار, وتوفير كل مستلزمات الشهر لجميع أفراد الأسرة, والقيام بالواجبات الاجتماعية"، يقول محمد ناجي من قرية بيت فورك القريبة من مدينة نابلس الذي يعمل في مدينة رام الله فبسبب الحواجز لن يتمكن من العودة إلى المنزل كل يوم...ما يعني انه سيقضي رمضانه بعيدا عن أسرته.

ويبقى الاهم من كل تلك العادات التي بات الفلسطينيون يبكون عليها هو حرمانهم من الصلاة في الأقصى الشريف ..حيث اعتادت الكثير من الاسرة على زيارة الاقصى ليوم او يومين بشكل كامل والصلاة فيه وخاصة يوم الجمعة ...بينما اعتاد افراد منهم على الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان في المسجد الأقصى ...واليوم يمنع احدهم من الخروج من مدينته حتى وليس الوصول الى القدس...