|
|
|
أنجب
الشيخ أحمد البنا إمام الجامع في
المحمودية والمأذون الذي كان يعمل في
تصليح الساعات، سبعة أولاد هم على التوالي:
حسن، عبد الرحمن، فاطمة، محمد، عبد
الباسط، جمال وفوزية. وإذا كان حسن البنا
أكبرهم وأكثرهم شهرة لكونه مؤسس حركة
الإخوان المسلمين، فإن أجواء البيئة
البيتية تشي بتلك النزعة القيادية التي
تميز بها أبناء الشيخ أحمد البنا. فإلى حسن
البنا هناك عبد الرحمن البنا الأخ الذي
يلي الشيخ حسن، والذي أسس جمعية باسم
جمعية الحضارة الإسلامية. وفوزية التي
موّلت وأسست جمعية فوزية وجمال البنا
للثقافة والإعلام الإسلامي. أما جمال
البنا فأسس حزب العمل الوطني. هنا
حوار مع جمال، آخر من تبقى من أسرة الشيخ
أحمد البنا حول أخيه الأكبر، بيئته،
نشاطاته والعوامل المؤثرة في بناء شخصيته. ـ
لو طلبنا منك العودة على أجنحة الذاكرة
الى أيام الطفولة، كيف ترسم لنا البيئة
والبيت الذي نشأت فيه أنت وحسن البنا؟
ـ
كيف؟ كان
بكر إخوته، و"المحمودية" بلدة جميلة
جداً ومليئة بالحقول المحاذية لشاطئ
النيل. نشأ الأستاذ البنا وسط هذا الجو
نشأة صحية جداً، وهو لم يضع نظّارة مطلقاً
على عينيه، برغم مطالعته وقراءاته
الكثيرة جداً، لأنه منذ طفولته كان ينظر
الى السماء وإلى البحر وبعيداً في الهواء
الطلق، ويقوم بألعاب جماعية وأترابه
الذين يقسمهم فريقين اثنين (جيوش الكفار
وجيوش المسلمين ويحارب بعضهم بعضاً)،
ويقيم جمعية للهداية والأخلاق الحسنة،
فمن هذه الناحية كانت طفولته سعيدة.. أما
طفولتي فلم تكن بهذه الصورة، لأننا
انتقلنا الى القاهرة، وإحساسنا بالصعوبات
بدأ مع وجودنا في القاهرة عندما زاد عددنا
من ناحية، ومن ناحية ثانية عندما بدأ
الوالد بنشر كتابه. ـ
ماذا كان يعمل والدكم؟ الشيخ
الوالد كان إمام الجامع في المحمودية
ومأذون البلد، وكان يعمل أيضاً في تصليح
الساعات. ـ
كان له مورد مادي بصفته شيخاً؟ لا،
إن منصبه لم يكن مرتبطاً بوزارة.. المأذون
يرشّح من أهالي الناحية ويتقاضى عن وثائق
الزواج نسبة معينة. لم يكن والدي موظفاً من
قبل الوزارة، ووظيفته أيضاً كإمام للجامع
كانت عملاً تطوعياً، وكان رزقه يأتي من
تصليح الساعات بالدرجة الأولى. وهذه وقتها
كانت مهنة مبتكرة وجديدة ولم تشغله، وهي
في الوقت نفسه "شغلانة" نظيفة
وتتلاءم مع اهتمامه بالقراءة والكتابة.
وفي تلك الفترة كانت الحياة ميّسرة تتصف
بالرخاء (في المحمودية)، ولكن لما جاءت
الأسرة الى القاهرة وازداد عدد أولادها
تغيّر الوضع. الى
القاهرة ـ
لماذا انتقلت الأسرة الى القاهرة؟ سبب
مجيئنا الى القاهرة هو الأستاذ البنا (رحمه
الله)، اذ دخل دار العلوم في القاهرة بعد
أن أتم دراسته في مدرسة المعلمين.. دار
العلوم هي الآن إحدى كليات الجامعة أسسها
علي مبارك (باشا) حتى يوجد مدرسة تقدم
الدراسات الإسلامية والأدب العربي بطريقة
سائغة بعيدة عن التعقيدات الفقهية
الموجودة في الأزهر، فدار العلوم هي حصن
العربية والإسلام أيضاً.. وحتى يلتحق
الأستاذ البنا بهذه المدرسة كان من
الضروري أن يأتي الى القاهرة، فالأسرة
أرادت أن تكون الى جانبه، وبذلك انتقلت
الى القاهرة، وسكنت بيتاً في أحشاء
المدينة.. وبعد أن أكمل حسن تعليمه انتقل
الى الإسماعيلية وتزوج هناك ومن ثم نُقل
الى القاهرة سنة (33) وسكن مع أسرته هناك. ـ
كم كان عمرك وقتها؟ أربع
سنوات. ـ
وفي القاهرة بدأ حسن نشاطه؟ كان
الأستاذ عبد الرحمن البنا وهو الأخ الذي
يلي الأستاذ البنا قد أسس جمعية باسم
جمعية الحضارة الإسلامية، وكانت تتقدم
بشكل حسن. ولكن عندما انتقل الاستاذ الى
القاهرة، اندمجت جمعية الحضارة الإسلامية
بالإخوان المسلمين، وأصبحت بمثابة الشعبة
الأولى بهذا التنظيم في القاهرة. عندها
بدأ الأستاذ حسن البنا يباشر دوره كمرشد
عام لهذه الهيئة في العاصمة المصرية،
وبعدها بدأ حسن يكثف نشاطه، وكان والده
راضياً بنشاطاته. لقد
سكنّا في بيت في القاهرة من ثلاثة أدوار،
وكان مقر "الجماعة" في الدور الأرضي..
استقلينا نحن في الدور الأول، وكان الدور
الثالث يسكنه الأستاذ البنّا.. وبعد فترة
استقلت "الجماعة" في أمكنة أخرى. ـ
هل كانت الأسرة منزعجة من السكن مع "الجماعة"؟ لا،
لم تكن تنزعج من ذلك، فالأسرة قد وطّنت
نفسها على ذلك وتقبّلته. البنا
والسلطة ـ
ماذا تخبرنا عن علاقة حسن البنا بالدولة
في تلك الفترة؟ كان
الأستاذ حسن البنا رجلاً في منتهى
اللباقة، فقد ظل يعمل عشرين سنة بعيداً عن
الأضواء، كان يسعى في كل قرية، وكانوا
يعتبرونه رجلاً صوفياً ومن مشايخ الطرق،
وهو راضٍ بذلك، الى أن تمكن من أن يغرس
بذرة (500) شعبة. وبرغم ذلك فالحكومة لما تكن
قد انتبهت بعد، الى أن جاء صحافي إنكليزي
صهيوني وكتب موجهاً كلامه لرئيس الوزراء
وقتها النحاس باشا قائلاً: هل يعلم النحاس
باشا أن في بلده توجد هيئة ميليشياوية هي
بمثابة حكومة داخل حكومة؟ تنبّهت الحكومة
لذلك، لكن هذا الأمر جاء متأخراً جداً،
ولكن في الأيام الأولى، لم تكن الحكومة
منتبهة الى"الاخوان"، ويجب ألا ننسى
أن مصر في تلك الأيام كانت تعيش حياة
ليبرالية، وأن دستور (23) كان يكفل الحريات
كلها.. يعني مثلاً أنا قد نظمت حزباً في
العام (46)، فكان الدستور يعمل على تحقيق كل
حرية الفكر، ولم تكن الرقابة موجودة، وكان
يمكن لأي كان أن يقوم بعمل ما من دون ترخيص
من الدولة، وكان الملك وقتها يملك ولا
يحكم، وكان الحكم لرئيس الوزارة
والمسؤولية الوزارية كانت موجودة، وكانت
توجد أوضاع حرة وديمقراطية.. وهذا كل ذلك. ـ
ماذا تخبرنا عن حسن البنا، عن عوالمه
وقراءاته واهتماماته، الشخصيات التي تأثر
بها؟ كان
رجلاً مؤمناً، إيمانه بفكرته كان يشكل
حياته، وذلك بسبب تأثيره الكامل عليها.
إيمانه بالفكرة شكل حياته، وجعله يتطبع
بطابعها، بحيث ان الترفيه في الحياة كان
عنده من الكماليات، لأن وقته كان يضيق عنه.
أما عن صفاته فأبرزها أنه كان ذكياً جداً
ومؤدباً جداً، وكان واسع الأفق، وهذه نقطة
مهمة، لأن معظم الإسلاميين يفتقدونها
اليوم.. كان يقبل الرأي والرأي الآخر. وأنا
كان لي آراء مختلفة عن آرائه ولكن كان
يحترمها، برغم أنني كنت بالنسبة اليه
كتلميذ في المدرسة، فهو كان أستاذي في
مدرسة الإسماعيلية الابتدائية. كنت أنا في
سنة أولى ابتدائي، وهو كان مدرساً فيها.
سكنت في الإسماعيلية سنة واحدة معه في بيت
واحد. ـ
ماذا أخذ عن أبيه؟ أخذ
عن أبيه تكريس الحياة لفكرة معينة على
حساب الأولاد والعائلة. ـ
كيف كان وقع استشهاده على الوالد؟ كان
وقعه شديداً جداً طبعاً، وبعدها أنا وضعت
كتاباً وصفت فيه هذه المرحلة، اسمه "خطابات
حسن البنا الشاب الى أبيه". ـ
كيف كان وقع استشهاد الأستاذ حسن عليك
شخصياً؟ أنا
كنت في المعتقل وإخوتي الثلاثة معاً بسبب
انتمائنا الى "الإخوان"، وبسبب علاقة
النسب. ـ
من المعروف أنك اتخذت منحى خاصاً فكرياً
بك مبتعداً بعض الشيء عن منحى الأستاذ
حسن؟ كما
سبق وقلت لك، فإن نشأة الأستاذ البنا كانت
دينية، فالوالد (رحمه الله) قد وضع فيه
جزءاً كبيراً جداً من عنايته ومن تربيته،
لأنه كان لديه الوقت لذلك، ولأن حسن كان
ولده الأول فعُني بتعليمه بنفسه، ومن ثم
أرسله الى الكتّاب، وكان الكتّاب موفقاً
لأن المسؤول عنه كان رجلاً نبيهاً وجيداً،
فحفظ حسن القرآن إلا قليلاً، ثم دخل الى
دار العلوم، فسلك في ذلك خطاً إسلامياً
بحتاً، من الميلاد الى الاستشهاد، أما أنا
فلم أكن كذلك. ـ
بمن تأثر حسن البنا؟ هو
كان يقدّر جمال الدين الأفغاني باعتباره
بادئ اليقظة الإسلامية، والسيد رشيد رضا
الى حدّ ما.. كان في "مجموعة الفتح"
كمحيي الدين الخطيب وأحمد تيمور، وهؤلاء
كانوا مجموعة تعرف إليهم الأستاذ البنا
وأعجب بهم، وكانوا مع حسن في تعاون متبادل
في ما بينهم، فمحيي الدين الخطيب كان
مديراً لجريدة الاخوان المسلمين فترة
معينة. ـ
ماذا عن قراءاته؟ الى
الكتب الدينية كان يقرأ الأدب والروايات،
وكان حافظاً لما يقرب من ثلاثين ألف بيت من
الشعر. ـ
فكر حسن البنا، أين يلتقي وأين يختلف مع
آراء وأفكار جمال البنا؟ الأستاذ حسن البنا (رحمه الله) كان سلفياً مرناً، وأنا أطرح السلفية كلها من أولها الى آخرها، لا أحب السلفية، لم لا نكون قرآنيين لا سلفيين، لِم لا تكونون محمديين ـ مثلاً ـ لكن الأستاذ البنا كان معذوراً، لأن زعيم الجماهير ـ وهو في موقفه غيره في موقف المفكر ـ فلا بدّ له من أن يأخذ وعي الجماهير والجماعات بالحسبان، أن يأخذ بالحسبان مستواهم الفكري، فلو أن فكره قاده الى مستوى أعلى من مستوياتهم، فسوف يوصله ذلك الى عدم تحقيق السلطة، ويمكن أن يخونوه ويغدروا به نتيجة ذلك لمجرد أن مستواه أعلى.. لذا فإن قائد الجماعة مقيد بمستواها، فعادة ما يكون مستوى الجماعة متخلفاً نوعاً ما، تقليدياً نوعاً ما، من هنا يكون هذا القائد في وضع مؤلم لأنه مع ما يريد من تقدم فهو في الوقت نفسه محكوم بالجماعة، والاستاذ البنا كان يواجه هذه الأزمة، يحاول أن يتقدم ولكنه محكوم بمستوى المجموعات. |