|
|
|
برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة مدارس "الاستعدادات المتألقة" في إيران واستقطبت نحو 17.000 تلميذ من الطلاب المتفوقين في أنحاء الجمهورية الإسلامية. حجة الإسلام والمسلمين الدكتور "جواد إجه اي" هو مدير هذه المدارس، وهو من الوجوه الثقافية البارزة على الساحة الإيرانية. بدأ نشاطه قبل انتصار الثورة الإسلامية مع الشهيد بهشتي منذ كانا معاً يتابعان الدراسة في ألمانيا. التقيناه للحديث حول مدارس "الاستعدادات المتألقة" للتلامذة النوابغ.
ـ فكرة فصل الطلاب النوابغ عن العاديين هل هي فكرة غربية، أم حاجة برزت في إيران بعد الثورة؟ الفكرة ترجع الى أمرين: الطاقات العالية التي يتمتع بها هؤلاء التلامذة والإمكانات البسيطة المتوافرة للطلاب العاديين التي لا تلبي طموحات المتميزين. أما إذا عدنا الى الفكرة بحد ذاتها فنحن نعرف أن الله سبحانه وتعالى قد ميّز بعض البشر عن غيرهم: "إنا اصطفينا آدم"، ونحن نلاحظ في حوزاتنا العلمية هذه المسألة بشكل واضح.. فالإمام الخميني (قده) مثلاً كان يعطي درساً عاماً لكل الطلبة، وكان لديه جلسة خاصة يحضرها الشهيد بهشتي والسيد موسى الصدر والسيد الموسوي الأردبيلي ومكارم الشيرازي، وهذه الحلقة لم يخترها الإمام بنفسه، ولكن هؤلاء الأشخاص وجد أحدهم الآخر ليكونوا الحلقة الخاصة للإمام.
ـ كيف يختار الطلاب لانتسابهم الى هذه المدارس؟ كل الطلاب الذين يحصلون على معدل 19 وما فوق في الرابع الابتدائي والخامس الابتدائي يحق لهم المشاركة في امتحان الدخول، وهو على عدة مراحل: الأول في آخر السنة الدراسية، والذين يوفقون في اجتياز هذه المرحلة يخضعون لامتحانٍ آخر في نصف السنة التالية. والجدير بالذكر أن عدد الناجحين يفوق العدد الذي بإمكاننا استقباله بمرتين ونصف، فيجري اختيار الـ5000 الأوائل. وتجدر الإشارة الى أن الذي يُقبل في أصفهان مثلاً ويريد أن ينتقل أهله الى طهران عليه المشاركة مجدداً في امتحان طلاب طهران، إذا لم يكن معدله موازياً لمعدلاتهم.
ـ ماذا عن ماهية الأسئلة المطروحة؟ وهل تعتمد على الذكاء العام "IQ" فقط؟ أسئلة الذكاء قليلة، لأن كل المشتركين يتمتعون بذكاء عالٍ. لكننا نسعى الى طرح الأسئلة التي تُظهر إبداع الطفل في العلوم وحل المسائل. ومن كل مئة طفل ممن يتقدمون للاشتراك في الامتحان ـ والذين هم عادة من ذوي الذكاء العالي ـ واحد فقط يُقبل في مدارسنا، وهو الأكثر تميزاً بينهم.
ـ بعد اطلاعكم على مدارس النوابغ في أوروبا، هل هناك فرق بين ما يُدرّس للنوابغ هناك وما يُعطى لهم هنا في إيران؟ نحن اطلعنا على مدارس النوابغ في الغرب وخاصة في أوروبا، لكننا لم نعتمد على نموذج محدد منها. ولكن ما هو مؤكد أن طلابنا ينافسون ويتفوقون من حيث الذكاء والقدرة العالية على حل المسائل. ونظام التعليم في مدارسنا من حيث فصل الفتيات عن الفتيان وتأكيد الجوانب الدينية والأخلاقية، مختلف تماماً عما هو في الغرب. وما أود أن أشير إليه أنه في أولمبياد الفيزياء والكيمياء والكمبيوتر والرياضيات، فريقنا الوطني ينافس فريق الصين ويتفوق على فرنسا وهولندا والنمسا وألمانيا، وهو الأول من دون منافس بين الدول الإسلامية.. ولدينا في مدارسنا الكثير من حفظة القرآن، وهذا ما يثير استغراب الأوروبيين في هذا المجال أثناء لقائهم هؤلاء التلامذة.
ـ كيف تشكلون الفريق الأولمبي؟ عبر امتحان على صعيد إيران في مدارسنا، وهو امتحان عالمي لهذه المدارس، ونختار الفريق من بين المتفوقين والأوائل في هذه الامتحانات. ولدينا فريق أولمبي في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والعلوم والكمبيوتر يشاركون كل سنة في المسابقات العالمية في مختلف الأنحاء.
ـ ما الفرق بين الدروس التي يدرسها الطلاب في هذه المدارس وتلك في المدارس العادية؟ تلامذتنا يدرسون كل الدروس العادية، ولكن تُلغى الدروس المكرَّرة والمتشابهة، وهذا ما يجعل تلامذتنا ينهون في سنة واحدة ما ينهيه التلميذ العادي في سنتين. وهذا ما يؤدي الى أن يصل الطلاب الى دراسة الكتب الجامعية في المرحلة الثانوية خاصة في الرياضيات والفيزياء. (قد يقرأون كتاب سنة رابعة جامعية فيزياء في السنة الثانية الثانوية). وكذلك الإمكانات المقدمة لهم من مختبرات ومكاتب ورحلات علمية وترفيهية هي أكثر بكثير من الطلاب العاديين.
ـ هل يُفصل الطلاب بشكلٍ تام عن أهلهم؟ لا، بل يبقى الطلاب عند أهلهم ويأتون صباحاً الى المدرسة ويرجعون منها مساءً، فقط في بعض القرى النائية حيث الإمكانات البسيطة يبقى الطلاب في المدارس الليلية ويُقدم لهم الدعم والامكانات التي قد لا تتوافر لهم في بيوتهم أو قراهم.
ـ هل تركزون على تنمية الذكاء العام لهؤلاء الأطفال فقط، أم تلحظون الجوانب النفسية والشخصية أيضاً؟ ما نُركز عليه أيضاً هو تنمية الشخصية الإسلامية السليمة.. نسعى دائماً الى أن يجيب الطلاب بأنفسهم عن الأسئلة، وننمي عندهم روحية التحقيق والجرأة وعدم الخوف من طرح الأسئلة.
ـ ما هي الاختصاصات التي يتوجه اليها الطلاب بعد تخرجهم من مدارسكم؟ طلاب الفريق الأولمبي يقبلون في الجامعة من دون امتحان دخول، وهم يتوجهون عادة الى الاختصاصات التقنية (الهندسة، برمجة الكمبيوتر، الكهرباء..)، ونحن لا نختار لأي طالب اختصاصه، بل له طبعاً كل الحرية في النوع الذي يختاره. بعض طلابنا يذهبون الى كلية الآداب أو العلوم أو الحوزة العلمية.
ـ هل تستوعب سوق العمل الطاقات المميزة الموجودة في طلابكم بعد تخرجهم من الجامعة؟ بعد التخرج لا يواجه طلابنا عادة مشاكل في العمل، فهم الآن في أعلى المناصب في أهم الشركات والجامعات الإيرانية والأجنبية.
ـ كيف تواجهون المشكلات النفسية والشخصية التي قد تنشأ عن اجتماع تلامذة نخبة؟ طبعاً المشكلات متنوعة جداً، وتختلف من طفل الى آخر بشكل بارز، وهذا ما يجعل الاعتماد على محلل نفسي واحد وعادي أمراً لا فائدة منه. لذلك نسعى عبر لجنة مشاورة الى سبر المشاكل وحلها من دون تحطيم شخصية التلميذ أو الاستاذ الذي عادة هو من يعاني من مشاكل التلامذة الذين لا يقبلون أي إجابة ولا ترضيهم الأمور العادية.
ـ هذه السنة أيضاً حصد الفريق الأولمبي الإيراني عدة ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية في المسابقات العالمية، في الفيزياء والكيمياء والرياضيات، إلامَ ترجعون هذا النجاح؟ أثبتت التجارب أن الإمكانات المساعدة للطلاب في المدارس كالمختبرات والمكتبات هي التي تنمي آفاق وقدرة هؤلاء الأطفال وتدفعهم كي ينافسوا أقوى الفرق العالمية. وكذلك تقديم المراكز التي تدعم الطلاب بكل حاجاتهم، كمدارس الطلاب النوابغ في إيران التي بعون الله تنتشر يوماً بعد يوم في كل المناطق حتى المحرومة والنائية، وخاصة أن إيران لديها الاستعدادات من أطفال نوابغ بشكل مميز عن الدول الأخرى.
ـ هذا النجاح الباهر لإيران، هل يحمل رسالة الى الدول المتطورة والدول النامية أيضاً؟ يؤكد لنا هذا النجاح أن الجمهورية الإسلامية لديها الكثير من الطاقات، وما زال هناك الكثير منها أيضاً. فقبل الثورة كان التركيز على بعض الأمور الترفيهية السخيفة كانتخاب ملكة الجمال أو امرأة اليوم التي لا نفع لها لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل، ولكن بفضل هذه الثورة المباركة أعطي المجال لكل أطفال إيران وخاصة الفقراء والمحرومين منهم، للاستفادة من الإمكانات العالية العلمية والثقافية. وأريد أن ألفت النظر الى أن معظم طلاب الفريق الأولمبي هم من الطبقة الوسطى والمتديّنة. ففي فريق الكيمياء هناك طفل حافظ لـ20 جزءاً من القرآن الكريم، والأول على العالم في الفيزياء هو من فريق مجالس "العزاء"، وهو أيضاً في مدرسة العلامة الحلي طهران (1998).. وإن شاء الله من خلال الإشراف على هذه المجموعة المميزة نستطيع أن نصل الى أعلى المراتب العالمية.
ـ كيف تقوّمون مستقبل الشباب في إيران؟ دور الشباب في إيران سيكون حاسماً وقوياً، ولكن يجب أن نصبر قليلاً ونتحمل بعض المشكلات من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن نعطي للتحقيق والبحث العلمي الوقت الكافي والمال الكافي أيضاً حتى يكون لنا موطئ قدمٍ في عالم الاختراعات والتطور العلمي.
ـ كيف تقوّمون تجربتكم في هذه المدارس؟ برغم المشاكل الكثيرة التي قد تبرز بسبب عدد التلامذة الذي يفوق 19 مليوناً، والذي يأتي في المرتبة الأولى في العالم، حيث يشكل التلامذة في إيران 31 في المئة من عدد السكان، فنحن نحاول دائماً أن نسعى الى الأمام وأن نتغلب على كل المشاكل. فقد كان عدد التلامذة قبل انتصار الثورة 6 ملايين، وارتفع خلال 20 عاماً الى 19 مليوناً.. ولو أن هذا النمو حدث في بلد أوروبي لانهار النظام التعليمي، لذلك فإن مشاكلنا طبيعية. وبسبب هذه المشكلات كان يجب أن نفصل الطلاب المميزين كي نقدم لهم الأفضل. فحِصص الفيزياء والكيمياء والرياضيات والعلوم التطبيقية يقضونها في المختبرات. كذلك لديهم حِصص للتجارة والزراعة والفنون الرياضية والقرآن، وذلك بإمكانات تفوق ما في المدارس العادية. وإن مدارسنا بكل موضوعية لا تستقبل أي تلميذٍ غير جدير بالقبول حتى لو كانت وساطته رئيساً أو وزيراً أو نائباً، فابن أفقر إنسان يُقبل في مدارسنا إذا كان مستحقاً، ويُرفض ابن الوزير أو النائب إذا لم يكن عنده الاستعداد الكافي للتفوق. ومن افتخارات الجمهورية الإسلامية: نشر هذه المدارس في كل إيران. إنشاء لجنة في وزارة العلوم من أجل إرشاد "الأطفال المبدعين والمتألقين". وهذا أمر مهم جداً على المستوى التعليمي والتربوي في إيران، خاصة أن هذه المدارس لدى انطلاقها لقيت تشجيعاً ودعماً من السيد القائد الخامنئي. والحق يُقال انه ما زال من أكثر المراهنين على نجاح هذه المدارس وخرّيجيها.
أميمة محسن عليق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدارس الطلاب النوابغ في إيران سمياد = سازمان ملِّى بروش استعدادهاى درخشان المؤسسة الوطنية لتنمية الاستعدادات المتألقة ـ برزت فكرة تأسيسها قبل 40 عاماً. ـ عام 1982 وبتشجيع من الإمام الخامنئي ـ رئيس الجمهورية آنذاك ـ ورئيس الوزراء حسين الموسوي جرى تفعيلها على أيدي مجموعة من العلماء والاساتذة الجامعيين من أجل تخريج نخبة تدير المراكز المهمة والحساسة في البلاد. ـ عام 1988 أُسست مؤسسة تنمية الاستعدادات المتألقة التي تشرف مباشرة على هذه المدارس. ـ في هذا العام أيضاً افتتحت خمس مدارس في 8 مدن مهمة في إيران. ـ يحق لكل تلميذ يحصل على معدل 19 وما فوق في صفي الرابع والخامس الابتدائي الاشتراك في امتحان الدخول، ومن بين هؤلاء المتفوقين جميعاً واحد في المئة فقط يقبل في هذه المدارس. ـ صار عدد هذه المدارس حتى 2002 في كل إيران 350 مدرسة. ـ عدد التلامذة النوابغ من فتيان وفتيات في هذه المدارس هو 17.000 تلميذ. الموقع الإلكتروني: w.w.w nodet.net |