ولادة النبي (ص) مناسبة لتوحيد المسلمين


قال الله تعالى في كتابه الكريم: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سُجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود".

إن مناسبة ولادة رسول الله الأعظم (ص) هي المناسبة التي يلتف حولها المسلمون على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم الفرعية واجتهاداتهم الفقهية، لأنهم  جميعاً يؤمنون برسول الله الذي أخرجهم من الظلمات الى النور، وقادهم من موت الكفر الى حياة الإيمان، وهداهم الى ما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة.

وبما أن رسول الله (ص) هو عامل التوحيد بين المسلمين جميعاً، نجد أن الآية الكريمة توضح أن النبي (ص) ومن معه من المؤمنين به والملتزمين رسالته والسائرين على دربه "أشداء على الكفار"، يعني ليسوا رحماء مع أعداء الله والدين والإسلام، ويتعاملون معهم بما يتناسب وعداوتهم ورفضهم للإسلام. لكنّ هؤلاء المسلمين في ما بينهم هم "رحماء"، يحنو بعضهم على الآخر، ويتحمل بعضهم بعضاً، ويتعاونون في ما بينهم على البر والتقوى، ويتسابقون في تحصيل فعل الخير لمصلحة المجموع، فهم كتلة واحدة متراصة قوية البنيان يشد بعضه بعضاً، وهذا كله بسبب إيمانهم بالله وارتباطهم به وتعلقهم بحبله المتين من خلال الصلاة والعبادة وكل ما يجعل المؤمن قريباً منه سبحانه وتعالى.. ويظهر أثر ذلك في وجوههم، خصوصاً في جباههم من أثر السجود لله، حيث يكون العبد أقرب ما يكون الى الله في تلك الحالة من الخضوع والخشوع والحب لله والتفاني في عبادته.

هذه الصورة الجميلة الوضاءة والمشرقة التي يصورها الله عن المسلمين في توادّهم وتراحمهم، هل هي الصورة الفعلية اليوم للعالم الإسلامي؟! هذا العالم الممزق المشتت المقسَّم الى دول متفرقة وشعوب متناحرة تتقاتل في ما بينها، وينصب بعضهم الأفخاخ للبعض الآخر، ويتعامل قسم منهم مع أعداء الأمة ضد شعوب إسلامية، كما رأينا أخيراً في الحرب الأميركية الظالمة على الشعب العراقي الذي دفع الثمن مرتين: مرة من النظام الظالم المستبد، ومرة من الهجمة الأميركية الشرسة التي أزهقت أرواح آلاف العراقيين الأبرياء.

لا شك في أن هذه الصورة السلبية ليست هي الصورة التي يتحدث عنها القرآن، وليست هي الصورة التي تحققت في زمن رسول الله (ص). بل لو بُعث النبي (ص) في هذا العصر حياً لتأسف على الحالة التي وصل إليها المسلمون، والتي حذّر منها ونبه اليها قبل رحيله الى ربّه راضياً، عندما قال لأصحابه: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم تداعي الأكلة على قصعتها وأنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن من حب الدنيا وكراهية الموت".

وها نحن قد وصلنا الى هذه المرحلة التي تحدث عنها النبي (ص) قبل أربعة عشر قرناً مضت من الزمن، وها هي الدول الكبرى وعلى رأسها الشيطان الأكبر ـ أميركا ـ وربيبتها في المنطقة "إسرائيل" الغاصبة، تتلاعب بنا كيف تشاء، فتحتل بلادنا بجيوشها، وصارت سماؤنا مسرحاً لطائراتها، وصارت مياهنا بحراً لسفنها وآلتها الحربية المدمرة من البوارج وحاملات الطائرات، تهدد بها كل من لا يطيع أو لا يسمع أو لا ينفذ الأوامر الأميركية.. وها هي ثرواتنا وخيراتنا تنهبها القوى الكبرى من دون رقيب أو حسيب، وليس هناك من يجرؤ على الكلام أو الرد على هذا السلب المنظم والعدوان السافر على بلادنا.. وكل زعيم مسلم لا همَّ له ولا شغل إلا الحفاظ على عرشه وسلطانه، ولو بالذل والارتماء والرضوخ لتلك القوة العالمية الغاشمة التي نصبت نفسها زعيمة للعالم بلا منازع.

من هنا فإن على الواعين من المسلمين من قادة وعلماء ومصلحين ومجاهدين، أن يعملوا على انتشال الأمة من هذا الواقع المأساوي الذي تعيش فيه، وهذه مسؤولية عظيمة وخطيرة وجليلة في الوقت نفسه. وهؤلاء الواعون يجب أن يوحدوا جهودهم بشتى الطرائق والوسائل، سواء من خلال المؤتمرات أو اللقاءات أو من خلال استنهاض الشعوب الإسلامية التي تضم قوى كبيرة لكنها مبعثرة مشتتة تحتاج الى من يجمعها ويقودها.. ولا بد من رفع الصوت عالياً في مواجهة الأنظمة المستسلمة لإرادة المستكبرين، والشعوب قادرة على تغيير مسار الأنظمة كما حصل في إيران ولبنان، وكما يحصل الآن في فلسطين المحتلة، التي يخوض شعبها جهاداً صعباً وعظيماً ضد آلة الدمار الصهيونية للقضاء على الانتفاضة المباركة، لكنهم عجزوا وسيعجزون عن ذلك كما عجزوا عن القضاء على المقاومة الإسلامية في لبنان، التي أجبرت في النهاية العدو الغاشم على ترك أرضنا والفرار منها ذليلاً خائباً.

لذلك نقول إن مناسبة ولادة النبي (ص) حوّلها الواعون المخلصون من أبناء الإسلام الى مناسبة للوحدة الإسلامية كنموذج عن قدرة المسلمين على تحويل الاختلافات بينهم من عامل سلبي الى عامل إيجابي يدعم مسيرة الأمة في مواجهة هذا الواقع الصعب الذي تعيشه وتمر به حالياً.

والأمة الإسلامية عليها حتى تنتصر أن تعود الى ربها وإلى دينها وإلى سنّة نبيها (ص) لتحقيق تطبيق الآية الكريمة التي تبين أن المسلمين رحماء في ما بينهم، ومتآخون ومتحابون في الله، وسيف مسلّط على رقاب الكافرين والظالمين والمستكبرين.. وعندما يرجع المسلمون الى أصالتهم فإن الله سوف ينصرهم على أعدائهم، وسيحررون بلادهم ويسيطرون على ثرواتهم الكبيرة جداً تطبيقاً لقوله تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم".

الشيخ محمد توفيق المقداد