الرسم على الجدران:
فن الصعاليك!


من منا لم يلتقط طبشورة أو قطعة فحم أو قنينة "سبراي" أو فرشاة ليخط بها اسمه أو اسم فريق رياضي او سياسي يؤيده، أو ليعرض قولاً مأثوراً على جدران شارعه؟

ومن منا لم يفاجأ "بشخبطات" أحدهم فوق كتاباته السابقة، لا بل وتدوين آرائه المخالفة ـ طبعاً ـ للكتابة الأولى؟

انها جدران المدينة.. الصحف التي نكتبها ونرسمها ونعلق عليها الصور.. هذا الجدار للوفيات، وهذا للتنظيم الفلاني، وذاك للنادي الرياضي، وهناك أعمدة ـ اسمنتية ـ لتعداد موجودات الدكان والأسعار، وهي أعمدة للإعلانات.

أما "المانشيت" فهو لمن يمتلك فرشاة عريضة وسلّماً يخوله الصعود الى أعلى نقطة في الجدار، بحيث يصعب على أي متطفل بلوغها ليشوّش عليها بآرائه! والطامة الكبرى حين يقوم صاحب الجدار بطلائه فينسف قطعة من ذاكرة الشارع و"إبداعات" أبنائه.. لكن "لا بأس مع الحياة"، فالطباشير كثيرة والأيام طويلة..

 

 

جدران الغرب والشرق

برغم عشوائية الرسم على الجدران وعدم اتساق هذا "الفن" مع الترتيب والتنظيم المدني، إلا أن النسبية تحضر أيضاً في هذه المعادلة.

فكتابة الجدران في العالم الثالث تنتهج المدرسة الحروفية مع جنوح قوي نحو التجريد، يصقله الزمن حيث التراكم الكمي اللفظي اللوني مع خليط الصور يغيّب معالم الكلمات ومعانيها، ليبقى الشكل متداخلاً ومنفلتاً من معانيه الأولى نحو دور جديد أكثر عمقاً ودلالة. وأجمل ما في الأمر أن هذه الأعمال ـ اللوحات ـ مشغولة بعدة مواد، كالحبر والطبشور والفحم والدهان، مع تقنية الإلصاق (الكولاج) التي تتكفل بها الصور. والمدهش في الأمر أن هذه الأعمال الفنية غالباً ما تنفذ بواسطة عدة "فنانين" لا فنان واحد كما تعودنا مع اللوحة الكلاسيكية.

أما في الغرب فالأمر مختلف تماماً، حيث تكثر "اللوحات" "المنظمة" المكتظة بالألوان والمصاغة بعناية نسبية. وغالباً ما تنتشر هذه النماذج في مترو الانفاق والشوارع الخلفية. أما الجدران في الشوارع الرئيسية فتحمل كتابات ورسوماً مرتجلة وسريعة، بحيث يبتغي "الفنان" إنجازها قبيل وصول رجال الشرطة. لكن الأمر لا يخلو من بعض "المناضلين" الأوفياء الذين يأبون إلا أن ينجزوا "لوحاتهم" على أكمل وجه، حتى لو عرّضوا أنفسهم لخطر الحجز.

 

إبداع حقيقي

في حالات نادرة نلحظ أن الجدران تحتضن رسوماً حقيقية مكتملة الشروط من ناحيتي الفكرة والتنفيذ، وغالباً ما يكون وراء هذه الأعمال أسماء معروفة مثل الفنان السوريالي "خوان ميرو" الذي قام بتنفيذ عدة أعمال كبيرة على الجدران، كما هي الحال في إحدى ساحات برشلونة. أما الفنان الفرنسي "بن" فقد رسم جدار بيته من الخارج ودوّن عليه بالخط العريض قصائده وملحوظاته الشعرية الطريفة، كما يفعل عادة في لوحاته، وألصقت على الجدار طاولة للأشباح وخزانة صيدلية وأشياء مطبخية أخرى صنعها على طريقته، وكتب الى جانبها مداعباً: "أحب أن أرى كل شيء في وضعه!" علماً بأن أعمال "بن" تباع بمئات الآلاف من الدولارات. أما في ألمانيا وبعد وقت طويل من الرسم على جدار برلين الطويل، حصلت عودة للرسامين المشاكسين الى الجدران الداخلية للمدينة. فغياب جدار برلين ولد فراغاً عند هؤلاء الذين شعروا للحظة بأن أعمالهم مخلّدة، كما هي حال هذا الجدار الذي لم يعتقدوا أنه سينهار بهذه "السرعة". ومن الأعمال القيّمة التي نفذت على الجدران الداخلية للعاصمة الألمانية نذكر رسماً للفنان غوردون ماتا ـ كلارك، حيث هدم الجدار وكأن قنبلة اخترقته، ونفذ رسمه ببقايا الأنقاض المحروقة المتشظية احتجاجاً على بشاعة الحرب.

 

رسوم من نوع آخر

أحياناً تقوم البلديات في الغرب بحملة تجميل يتخللها اعتماد رسوم على أبنية بالكامل، وأحياناً يقوم صاحب المبنى أو المتجر بهذه الخطوة للفت النظر. ومن بين هذه الأعمال نذكر جداراً بارتفاع أربع طبقات في باريس رُسم عليه مشاهير العالم من الرئيس الصيني ماوتسي تونغ الى ميكي ماوس وسوبرمان مع الكثير من الممثلين والرؤساء.

ويقع هذا الرسم بالقرب من برج إيفل، وقد تحول الى مزار للسياح. وأعمال كهذه تنتشر أيضاً في حي الهال وعلى الجدران المحاذية لأحد أهم متاحف فرنسا، وهو متحف بومبيدو.

والحال ذاتها نجدها في جنيف، وتحديداً في شارع الألب، حيث نجد جداراً مكرساً للرسوم المختصة بالاحتجاج على جنون العصر بكثير من الطرافة والهذيان.

أما في أميركا فتعد سان فرانسيسكو معقلاً لهذا النوع من الرسوم بشكل يصور المدينة كمتحف كبير مكتظ بآلاف الأعمال المتفاوتة المستوى. وفي نيويورك يطالعنا رسم على بناء يحاكي فن الكاريكاتور ذلك، أننا نرى فيلاً هابطاً بمظلة وقد علق بها من ذيله، بينما تنتظره على الأرض مراعٍ خضراء مكتظة بالأبقار!.. وفي أحد شوارع واشنطن نجد رسماً مقلداً عن لوحة معروفة، وهو منفذ على بناء من عدة طبقات، واللوحة تمثل موسيقيين زنوجاً في مناخ يختزن الحزن.

 

رسوم مخادعة

من يمشِ في شوارع الوسط التجاري في بيروت يلاحظ رسوماً ممتدة على مسافات طويلة وعلوها ليس بقليل، وهي رسوم خادعة تتضمن أشجاراً وأبواباً ونوافذ، وأحياناً نجد بعض الرجال والنساء والأطفال مرسومين كأنهم مارة على هذا الرصيف! والمدهش أن هذه الأعمال منفذة فقط لإخفاء ورش البناء والصيانة التي تعمل خلف هذه الرسوم، والهدف هو المحافظة على أناقة المدينة وتحصين النظر من مشاهدة صلابة الاسمنت وشرايين الحديد.

وهذه الفكرة ليست بجديدة، فهي معتمدة في الكثير من دول العالم، كما هي الحال في فرنسا التي نذكر فيها الرسوم المرتفعة التي تخفي الأعمال في كاتدرائية المادلين في الساحة المسماة باسمها.

 

رؤية سيكولوجية!

ان معظم الرسوم والكتابات على الجدران في كل دول العالم تحمل مخالفة صريحة للأنظمة، لا بل تحدياً للنظام، وأمراً يفسر الرفض الداخلي عند المراهقين الذين هم أكبر رواد هذا النوع من "الفن". وهذا الرفض يترجم احتجاجاً فيه أقل نسبة من الإيذاء، والتنفيس الفعلي يكون في المادة المكتوبة أو المرسومة. فالتعبير عن الرأي ليس متاحاً للجميع، أو بالأحرى منابر التعبير غير متوافرة للجميع، فليس كل الناس صحافيين، وليسوا كلهم سياسيين، لذلك يتجه الشباب الى الجدار للبوح عن مكنونات النفس من دون رقابة أو مراجعة أو حتى تصحيح لغوي.. وأجمل ما في ديمقراطية الجدار احتضانه لجمل ركيكة مصاغة ببدائية مع أخطاء لغوية صريحة! والأجمل هو التصحيح الذي يتبرع به شخص آخر في وقت لاحق بوسيلة لونية جديدة.

إنه الرسم على الجدران، فن يكاد يكون قائماً بذاته، وأهم ما فيه أنه مجاني ومتاح لجميع المشاكسين.

عبد الحليم حمود