المسجد في الإسلام:
 الأهمية والدور


المسجد اسم لمكان اشتُقّ من السجود، والسجود أرفع حالة عبادية ظاهرة في تمام الانحناء والخضوع أمام العزة والقدرة لله تعالى. ويتمظهر السجود في وضع رأس الكبرياء وجبهة الفخار على أخفض شيء لإعلان الانسحاق واللاشيئية في مقابل الوجود التام للذات المقدسة.

والمسجد اختيار البشر لبقاع من الأرض تكون عادية، فتمسي بهذا الاختيار مقدسة ومشرّفة، لأن الاسم الذي تحمله وتوسم به هو اسم الله، فالمسجد بيت الله، ولأجل ذلك قيل إن إرادة انتقاء البشر للأمكنة حيث تُبنى المساجد ليست مستقلة، بل ان لله تعالى تدخلاً في ذلك، لأن هذه المحال ستُنسب إليه لاحقاً. 

عندما يُبنى المسجد وتشمخ مئذنته صادحة بالأذان، يصبح قِبلة لأهل العبادة من المؤمنين تهوي إليه أفئدتهم، فيحجون اليه عند حلول موعد اللقاء الذي يعلن عنه أذان يرتفع أن: "حيّ على خير العمل"، فإذا بالمسجد في المحلة أو القرية المكان الوحيد الذي يزوره ويقصده كل فرد من دون حاجة الى استئذان ومن دون تكلف أو حياء، لأن الصاحب كريم، وكل الضيوف عنده أعزة، ولديه قِرى للجميع، وخيراته أعظم من أن تنتقص منها الأيادي الممدودة الضارعة. والمسجد في المحيط الذي يلفه مكان اجتماع المؤمنين وتعارفهم وتراحمهم، ومكان الاهتمام بالقضايا العامة بعد الانشغال على مدى ساعات في القضايا الشخصية والفردية..

 وبالتالي فإن المكان المهيأ ليكون مركزاً للتصدي لهموم الناس وحوائجهم المشتركة هو المسجد، وهذه الحقيقة ليست مختصة بزمن دون آخر، بل هي إحدى فلسفات بناء المساجد التي قامت من أجل قيام المسلمين ونهوضهم بقضاياهم ومواجهتهم التحديات التي تعترضهم. وفي هذا المعنى قال الإمام الخميني (قده): "ان المسجد هو مركز الاجتماعات السياسية، وإن المسجد هو مركز الإعلام والتبليغ". ومن الأدوار المهمة للمسجد كونه مركزاً للتعبئة والجاهزية والاستعداد لمواجهة الأعداء، ففيه التفاف ووحدة، وفيه روح وإباء، أي فيه رص الصفوف واستلهام الروحية الجهادية، ولأجل ذلك قال الإمام الخميني (قده): "ان المسجد هو موضع المواجهة والحرب مع الشيطان، وإن المسجد هو أحد خنادق الدفاع عن الإسلام، وإن المحراب محل للحرب".

ومن أدوار المسجد المتماشية معه تأسيساً واستخداماً، الدور التربوي والإرشادي، حيث الاستماع الى المواعظ والدروس والاستفادة من التجارب في جو من الصفاء والإقبال والتخلي عن كثير مما يشغل البال، وهو الدور الذي لا يختص بحالة أو حيثية، ففي السلم والحرب وفي الرخاء والشدة وفي كل الحالات، المسجد هو مركز للعبادة، وفي الوقت نفسه هو محل للتوجيه والتعبئة الثقافية وهداية الناس. وقد أكد الإمام الخميني (قده) هذا الدور بقوله: "يجب أن تكون المساجد مراكز للتربية الصحيحة، ومحالَّ للتربية والتعليم".

 

التكليف تجاه المسجد

لقد وردت الآيات والروايات التي تحض على عمارة المسجد والحضور فيه، وتؤكد الخيرات والفضائل التي ينالها المؤمن جراء وجوده في بيت الله. ووردت الأحاديث التي نصت على خصوصيات الصلاة في المسجد، لا سيما الجماعة، وفضل ذلك بما يفوق التصور. ولعل أبلغ ما قيل في حضور المسجد ما نُقل عن الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وهو المولود والمقتول في بيت الله، حيث صرح بأن وجوده في المسجد أحب إليه من وجوده في الجنة.. وعندما سُئل عن السبب أجاب: لأن الوجود في الجنة فيه رضا نفسي، والوجود في المسجد فيه رضا ربّي. كما تواترت النصوص المتضمنة للآداب والمسنونات التي تربي المسلم على كيفية أداء حق المسجد من حيث الانطلاق خروجاً من المنزل الى حين دخول المسجد، وفي طليعة الآداب استشعار الحضور بين يدي الله تعالى، واستحضار ما يقتضيه الدخول على ملك جبار عزيز، حيث الحاجة الى توفير مستلزمات هذا الاستحضار في اللباس والطهارة والتطيب والتزين والمشي والتلفت والحديث والذكر وسوى ذلك.

كما ذُكر المسجد في الروايات الخاصة بآخر الزمان، وجرى فيها تأكيد أمرين: الأول هو طبيعة المساجد في ذلك الزمان، التي تكون عامرة في البناء خربة أو خاوية من الإيمان، أي ان الاهتمام سيكون بارزاً في العمران دون الإيمان، والثاني هو الشكوى التي ستبثها بيوت الله تعالى الى صاحبها، لأنها ستكون مهجورة وغير معمورة، أي ستشكو قلة زائريها وندرة الحاضرين فيها. من هنا التشديد في آخر الزمان على تعزيز المسجد في وجدان المؤمنين وزيادة توافدهم عليه، لأن في ذلك استفادة من أحد المرافق المهمة في التعبئة الجهادية والنفسية والروحية والثقافية التي تساهم في مهمة التمهيد للإمام المهدي (عج)، الذي ستكون المساجد مراكز الانطلاق لحركته.

ويتأكد دور المسجد في شهر رمضان، حيث الشهر لله والمسجد بيت الله، ولا بد من التقاء هذين "الإلهيين" في قلب المؤمن وسلوكه لإحيائهما بالعبادة والتضرع والتوبة الى صاحبهما الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لعله يستلهم كيف يكون ربانياً مثلهما.

بلال نعيم