|
|
|
شكلت التجارة بين أوروبا والشرق ميداناً رئيسياً للتبادل الثقافي زمناً طويلاً، ولتغلغل المؤثرات الفنية التي كانت تزدهر وتتألق في فن هذه المدرسة أو تلك، وفقاً لازدهار العلاقة التجارية منذ القدم بين الشرق وهذا البلد الأوروبي أو ذاك. وأول بروز للمؤثرات الفنية الإسلامية شهده الفن الفرنسي منذ القرن التاسع الميلادي، حيث شهدت العلاقات السياسية والتجارية بعد ظهور الإسلام واحتلال العرب إسبانيا، جموداً بين بلدان أوروبا المسيحية والشرق الإسلامي، في وقت بقيت فيه مدينتا بوردو ومرسيليا فقط مفتوحتين أمام التجارة مع هذا الشرق، فدخلت عبرهما الصناعات الفنية والحرفية والخزفية والخشبية وأدوات مزدانة بأشكال الفن الإسلامي في محاكاة القوالب الفنية الإسلامية من أشكال الأرابسك والرقش والنقش والتوشية والزخرفة الهندسية والعمارة..
صورة عن بعد في حوالى العام 1100، ظهرت ملامح تأثير الفكر الجمالي والفلسفي الإسلامي في جنوب فرنسا في الشعر الوجداني، ثم ظهر الموتيف الشرقي الإسلامي في فن التصوير الأوروبي بريشة رائد هذا التحول غيوتودي باندوني، وهو معاصر دانتي ومؤسس النهضة في فن التصوير الايطالي والأوروبي بشكل عام. فمنذ بداية حياته الفنية أدخل صورة الشرقي المسلم في بنية اللوحة التاريخية في فن التصوير على الجدران، علماً بأن تعذر زيارة الشرق الاسلامي ومعاينة صورته الواقعية دفع معظم الفنانين إلى كتب الرحالة والحجاج والمبشرين. إضافة الى ذلك هناك التجار المسلمون الذين كانوا يؤمون موانئ إيطاليا، حيث تسنح الفرصة للفنانين لتصويرهم وشراء بضائعهم.
احتكاك في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، وبعد أن عقدت البندقية معاهدة الصلح عام 1474 مع الدولة العثمانية، حصل تغيير فعلي مباشر على الشكل الشرقي في فن النهضة، كرّسته الزيارة التي قام بها الفنان البندقي جنشيلك بلليني للقسطنطينية عام 1479 ـ 1480 بناءً على دعوة رسمية من السلطان محمد الثاني المعروف بتشيعه للثقافة والفنون. ومع بلليني بدأت مرحلة جديدة من نوعها في عملية التبادل الثقافي بين إيطاليا والشرق الإسلامي أثّرت على كلتا الثقافتين. كما أسهمت إلى حد كبير بتقديم مادة طازجة وواقعية عن الشرق، وأثّرت على الموتيف الشرقي في أعمال معظم الفنانين الايطاليين.
تكريس الحضور بحلول نهاية القرن الخامس عشر كان قد تشكل في عصر النهضة الايطالية ما يمكن أن نسميه بالاستشراق الجذاب، حيث عمّ الموتيف الشرقي التزييني جميع أنحاء ايطاليا، وتغلغل حتى شمال أوروبا، وشكّل إلى حدّ كبير ظاهرة عامة في الحضارة الايطالية. مع نهاية القرن السادس عشر كان الاستشراق قد كرّس المؤثرات الفنية الاسلامية بوصفها عنصراً جمالياً وشاهداً على تطور الرؤية الفنية للنهضة في عالم اللوحة التاريخية الدينية. فالاستشراق هو أحد اكتشافات النهضة برغم أنه كان سطحياً شكلياً وتقنياً بحتاً، بعيداً عن التطرق الى البنية الروحية الداخلية الفلسفية الدينية للشرق الاسلامي. وهو نتيجة لطبيعة ولنمط علاقة أوروبا المسيحية بالاسلام آنذاك.
الغاية والوسيلة يعتبر القرن السابع عشر فاتحة علاقة جديدة ومنهجية بالشرق، إذ أسفرت النجاحات العلمية والفنية في الثقافة الأوروبية وارتباط المصالح السياسية الأوروبية بالشرق الأوسط، عن دخول "المسألة الشرقية" حيز الهموم العلمية الأوروبية، فافتُتحت أقسام للدراسات الشرقية في عدد من الجامعات الأوروبية، وبدأت عملية رصد ودراسة الحضارة الشرقية القديمة والمعاصرة تتخذ الطابع العلمي الاستقصائي من أجل النجاح في التوغل في البنى الروحية والمادية للمجتمع الشرقي، بغية السيطرة عليه. عام 1697 ـ 1699 صدرت موسوعة "المكتبة الشرقية" لديربميلو، فقدمت مسحاً لتاريخ وجغرافية وأخلاق وعادات وآداب الشرق الاسلامي، وتضمنت تصورات سطحية أولية متشبعة بالمفاهيم اللاهوتية للقرون الوسطى المميزة للفكر الأوروبي في عدائه للاسلام كعقيدة وفكر سياسي واجتماعي، وإضافة إلى ظهور ترجمة كتاب "ألف ليلة وليلة"، وبها تكرّست مجموعة من "الكليشيهات" عن الشرق الاسلامي وضعت المسلم بشكل عام في إطار من المعادلات الأخلاقية والاجتماعية، تتلخص بالشرقي الساذج المضحك الدموي المتعصب واللاهث خلف الملذات. ـ وهي الصورة المركبة حالياً في إنتاج هوليوود وديزني ـ.
تأريخ االشكل في بداية القرن الثامن عشر وإبان الحقبة الأخيرة من حكم الملك لويس الرابع عشر المطلق الاستبدادي، شهد المجتمع الفرنسي أزمات اقتصادية وسياسية ولّدت نزوعاً نحو الموضوعات الحسية المسلية، فظهرت اللوحات والأعمال الفنية القائمة على مبدأ "الفن للمتعة"، كما ظهرت موضوعات سطحية كالرقص والغناء والصيد. وفي هذا الوقت كانت قد دخلت الحياة الفنية الفرنسية صور ولوحات الفنانين الذين أقاموا فترات طويلة في اسطنبول وعملوا في القنصليات والسفارات الأوروبية أو في خدمة الباب العالي كفنانين تسجيليين مهمتهم تصوير الاحتفالات واللقاءات الرسمية النخبوية، ومن وقت لآخر كانوا يرسمون العمارة الشرقية والأزياء والحياة العامة. وقد شكلت هذه الأعمال مرجعاً للفنانين الذين لم يزوروا الشرق.
نابوليون وحلم الخلود حين تفاقمت الأزمة السياسية والاقتصادية في فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1799، وظروف الحصار العسكري والاقتصادي الذي ضربته حولها الدول الأوروبية، رأت فرنسا في الشرق مخرجاً من أزمتها، فجندت له كل ما لديها من مخزون معرفي استشراقي في محاولة أولى لتطبيق ما تكدس لديها من نظريات حول ضرورة وإمكانية إخضاع الشرق والاستفادة من خيراته. إن حملة الشرق رفعت بونابارت إلى سدة الحكم، وجعلت منه الشخصية الأكثر تألقاً في الحياة السياسية الأوروبية، كما ربطت اسمه بالشرق والاستشراق. وهو كان يعتقد أن الشرق يخلق الأسماء الخالدة والامبراطوريات العظيمة. لقد رافق بونابارت مجموعة من المصورين والنحاتين والمهندسين المعماريين الذين استطاعوا خلال فترة إقامتهم في مصر، تصوير معالمها الأثرية والفنية والطبيعية. لكن بونابارت فشل في الشرق، وأصبح فشله هذا عقدة تلاحقه كظله، ولم تنفع اللوحات التي كان يطلبها بنفسه ويشرف على تنفيذها وتسميتها في تمجيد اسمه كفاتح وبطل، بل على العكس، كانت أخبار هزائمه تتسرب إلى المجتمع الفرنسي عبر عدة قنوات. لقد لعب المستشرقون أدواراً عدة ايجابية وسلبية. فمن ناحية ساهموا في تأريخ الشكل والحياة والأزياء والعمارة لمراحل لم نكن لنعرفها إلا بالكلمات، ومن ناحية أخرى جرى قديم الحالة الشرقية الاسلامية من منظور ضيق، فقُدّم المشهد بشكل أسطوري مبالغ فيه، اضافة إلى تصوير الوحشية وغيرها من المواضيع في قوالب تحمل بعض التشفي والتحوير المتعمّد للمشهد لغايات عدة. عبد الحليم حمود |