|
|||
|
بغداد - الانتقاد
قد لا تكون هناك نهاية أكثر مأساوية على مر التاريخ لأي حاكم من نهاية صدام.. رجل أشعث الشعر بلحية طويلة يعلوه التراب، ربما لم يغتسل منذ فترة من الزمن، وكان قابعا وسط حفرة صغيرة بشكل أن اشهر الحكام الديكتاتوريين منذ بدء الخليقة إلى الآن لم يكن من بينهم من هو على استعداد لان ينتهي بهذه الصورة المثيرة للشفقة والاحتقار والشماتة في نفس الوقت. ولكن يبقى السؤال الملح هو.. لماذا اختار صدام هذا المصير البائس.. الم يكن لديه خيار آخر مثل المقاومة ومن ثم الموت، حتى ينسجم فعله في النهاية مع شعاراته الكبيرة والكثيرة، وعنترياته التي ملأ بها أسماع العالم على امتداد أكثر من عقدين من الزمن، وحتى يكون بطلا تاريخيا حقيقيا بنظر المعجبين به المؤيدين له والسائرين خلفه؟؟. وإذا لم يكن ذلك ممكنا أما كان الأجدى له أن يطلق رصاصة على رأسه من المسدس الذي كان بحوزته بدل أن يرفع يديه للجنود الأميركيين مستسلما ومتوسلا إياهم ألا يقتلوه، وهو الذي كان حتى بعد سقوط نظامه البائد في التاسع من نيسان - ابريل الماضي يحض العراقيين على مواصلة المقاومة والتضحية لطرد المحتلين، ومعتبرا أن ولديه "عدي وقصي استشهدا من اجل الوطن بعد مواجهة مع قوات الاحتلال"؟.
وبينما كان المفترض به بعد أن نجح في الوصول إلى هرم السلطة أن يغير عقليته من عقلية رئيس عصابة وقاتل إلى عقلية رئيس دولة، فهو سار بالاتجاه المعاكس، إذ انه تعامل مع الدولة بما فيها من موارد وثروات بشرية ومادية وخيرات بما يشبه الغنيمة التي يحصل عليها قاطع طريق تحت جنح الظلام. فهو في نفس الوقت الذي كان يسلب وينهب ثروات البلد ويحرم أبناء الشعب منها، كان يجمع حوله الأوغاد والقتلة وقطاع الطرق والمجرمين من أرباب السوابق، من أفراد عشيرته، وكل من له استعداد للسير في ركابه. وفي الوقت الذي كان يبني القصور الفارهة له وللمجرمين الذين معه، كان يبني السجون والمعتقلات تحت الأرض وفوقها ليلقي فيها آلاف الأبرياء. وفي الوقت الذي كان يدفع الملايين من الناس إلى محارق حروبه العبثية في الداخل والخارج، كان ينأى بنفسه بعيدا عن الخطر، مكتفيا بإطلاق الشعارات الرنانة الجوفاء، وتوجيه تهم الخيانة والتخاذل يمينا وشمالا لكل من لا يبدي الاستعداد لتنفيذ أوامره، أو يختلف معه في رأي أو وجهة نظر. ولعل مرورا سريعا على مختلف محطات حياته يثبت ذلك:
فحينما كان في مرحلة الدراسة المتوسطة قام بقتل احد أقاربه، ويدعى سعدون الناصري بتحريض من خاله خير الله طلفاح، وكانت تلك ـ بحسب ما يؤكد بعض المطلعين ـ البداية الحقيقية لمسيرة الدم الصدامية. وهذه البداية هي التي شجعت الذين خططوا لاغتيال عبد الكريم قاسم في عام 1959 ليستفيدوا من صدام، وبالفعل منحوه دورا في سيناريو الاغتيال، وقد كان متحمسا لذلك، وأدى الدور بالشكل المطلوب برغم عدم نجاح العملية بالكامل. ويبدو أن مشاركته في اغتيال قاسم كانت مفتاحا لدخوله معترك الحياة السياسية من بابها الواسع، متسلحا بأدوات التآمر والاحتيال وحبك المؤامرات والقتل والتصفيات الجسدية، التي كان يشجع رفاقه في حزب البعث على اللجوء إليها. ولا شك في أن أسلوبه هذا كان واحدا من أهم العوامل التي أتاحت له الاستحواذ على السلطة بصورة مطلقة. فقد لعب دورا بارزا في تصفية الأشخاص الفاعلين بتنفيذ انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968، وهم عبد الرزاق النايف، وإبراهيم الداود، وفيما بعد حردان عبد الغفار التكريتي، وآخرون غيرهم من قادة حزب البعث مثل فؤاد الركابي. وكان لتأسيسه جهاز حنين مطلع السبعينيات، الذي تحول في ما بعد إلى جهاز للمخابرات خطوة مهمة لتهميد الطريق له للوصول إلى أعلى نقطة في هرم السلطة، إلى جانب سيطرته على المفاصل الأساسية للإعلام الرسمي.
وما إن حل صيف عام 1979 حتى كان صدام قد بلغ نهاية الطريق نحو السلطة، إذ نجح بإزاحة احمد حسن البكر عن الرئاسة في مسرحية لم تنطل على احد، ورافق تلك المسرحية عملية تصفية واسعة وجماعية لعدد كبير من قياديي الحزب والمسؤولين الكبار في النظام بحجة ضلوعهم في مؤامرة لقلب النظام بتدبير من سوريا. وبذلك تكون الساحة قد خلت له، ولم يبق على المسرح إلا المطيعون له والمنفذون لأوامره بحذافيرها دون رأي أو نقاش أو جدل. ولم تتوقف مسيرة الدم الصدامية عند هذا الحد، بل استمرت لتحصد من أبناء الشعب عشرات الألوف، وكان لقادة الحزب وكوادره وأقارب صدام نفسه نصيب غير قليل.
وكانت الحرب التي شنها على إيران في الثاني والعشرين من شهر أيلول - سبتمبر عام 1980، ودامت ثمانية أعوام، بمثابة مجزرة قطعت فيها رؤوس كثيرة، ولكن يبق إعدامه للمفكر الإسلامي الكبير آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في الثامن من نيسان - ابريل 1980 يمثل واحدة من جرائمه الكبرى التي لحقها بجريمة إعدام مجموعة من أسرة الإمام محسن الحكيم، ومجاميع من اسر علمية ودينية أخرى. ولم يكد الشعب العراقي يلتقط أنفاسه بعد أن وضعت الحرب على إيران أوزارها في صيف عام 1988، حتى أقحمه في حرب عبثيه أخرى بغزوه لدولة الكويت في الثاني من شهر آب - أغسطس 1990، التي ولدت مزيدا من الكوارث والمآسي للشعب العراقي، وأطلقت يده لارتكاب المزيد من الجرائم خلال قمع انتفاضة آذار الشعبية، وما تبعها من أحداث وتفاعلات. وقد تميز عقد التسعينيات بوقائع مثيرة ولافتة دفعت ببعض القريبين من صدام إلى الواجهة، بحيث أصبحوا يتمتعون بأقوى النفوذ، مثل ولديه عدي وقصي وابن عمه وسكرتيره الشخصي عبد حميد حمود، وابن عمه الآخر علي حسن المجيد الذي كان يلقب بـ"علي كيماوي"، في ذات الوقت الذي دفعت فيه البعض الآخر إلى الهامش، مثل إخوانه لأمه برزان ووطبان وسبعاوي، وكذلك دفعت بعضا آخر إلى الموت بأدوات السلطة، مثل حسين كامل وشقيقه صدام، علما أن ابن خال صدام ورفيقه عدنان خير آل كآن قد لقي نفس المصير في عام 1989 في مؤامرة حبكت ونفذت بدقة ليعتبره في ما بعد شهيدا. وشهد هذا العقد تصفية عدد من مراجع وعلماء الدين الكبار، مثل آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر، وآية الله الشيخ الغروي، إلى جانب مواجهات وحروب كلامية متواصلة مع منظمة الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، كان غالبا - بل دائما - ما يتراجع فيها صدام حينما يشعر أن الأمور تسير باتجاه يمكن أن يدفع به إلى الهاوية. ولم يكن العقد الجديد افضل حالا من سابقه، بل ان كل شيء كان يزداد سوءا، ولكن صدام كان يعتبر - او يدعي - العكس، ويرى ان النصر ات لا محالة، ولعله كان يراهن على ورقة تصور انها ما زالت فاعلة في يده بينما هي في واقع الامر باتت محترقة، الا وهي عمالته للولايات المتحدة الاميركية، التي استنفدت اغراضها منه تقريبا، ولم يعد هناك ما يغريها فيه، حتى حل يوم العشرين من اذار - مارس الماضي لتأخذ الامور ابعادا خطيرة لم يكن صدام او اي من الرموز الكبار في السلطة، ومعظم كوادر حزب البعث مستعدين للاقتناع بذلك، والتعامل مع الواقع كما هو لا كما كانوا يتمنون ان يكون، واقرب دليل على ذلك هو انه بينما كانت القوات الاميركية قد دخلت العاصمة بغداد، كان وزير اعلام النظام محمد سعيد الصحاف، ووزير الدفاع سلطان هاشم احمد وغيرهما يدعيان ان كل شيء طبيعي، وان هزيمة الاميركيين ودحرهم على ابواب بغداد أمر حتمي، الى ان حل يوم التاسع من نيسان - ابريل حتى انهار ذلك البناء الذي شيده صدام طيلة خمسة وثلاثين عاما في ظرف ساعات قلائل وكأنه هياكل كرتونية متخلخلة، وغاب صدام ورموز السلطة مرة واحدة، وتحول اكبر رئيس عصابة في العالم "رئيس دولة" الى شخص بائس مطارد هائم على وجهه في ارض الله الواسعة التي ضاقت عليه بما رحبت، واصبح بعد ان كان ينام في كل ليلة في واحد من قصوره الفارهة التي تملأ العراق من اقصاه الى اقصاه، يبحث عن جحر تحت الارض يبعده عن عيون العراقيين والاميركيين، ولكنه لم يعثر على الجحر الذي يطمح فيه ويتمناه، وهكذا انتهى بمثل ما بدأ حياته، بل ربما كانت النهاية اسوأ من البداية بكثير! |