الانتخابات الأردنية: مجلس "الصوت العالي" والعجز عن الفعل


شوّهت شبهة التزوير التي أطلقتها الحركة الإسلامية بوجه الحكومة صورة الانتخابات النيابية التي أراد الملك الأردني عبد الله الثاني أن تكون تأكيداً على أن الأردن يشكل "نموذج الديموقراطية في المنطقة".

إلا أن هذه الشبهة ليست الوحيدة التي ألقت بظلالها على هذه التجربة الانتخابية التي جرت في الأردن الثلاثاء الماضي، فهناك العديد من النقاط المظلمة التي شابت انتخاب المجلس النيابي الرابع عشر في الأردن قد يكون أبرزها على الإطلاق ذلك القانون الانتخابي الذي حمل الكثير من مساوئ الماضي، وكان محل انتقاد من مختلف القوى السياسية والاجتماعية في الأردن.

ولعل النقطة الأكثر سلبية في هذا القانون هي اعتماد مبدأ الصوت الواحد للناخب الواحد للمرشح الواحد، بما يعزز تفتيت المجتمع الأردني ويمنع أي امكانية لقيام تكتلات قائمة على أسس سياسية وتشكيلات حزبية ويترك للقاعدة  الأساسية التي تحكم المجتمع الأردني ـ وهي القاعدة العشائرية ـ تتحكم بمجمل هذه العملية وتفرض نوعية من النواب هم من الأكثر موالاة للعرش الأردني.

وإذا كان بعض الشخصيات الأردنية قد تجرأ على اعتبار أن قاعدة الصوت الواحد ليست ذات منشأ وطني وإنما هي مفروضة من الخارج، فإن التيارات السياسية البارزة وعلى رأسها تيار جبهة العمل الإسلامي اعتبرت أن الإصرار على اعتماد هذا المبدأ يكشف نية مبيتة لإبقاء المجلس النيابي تحت وصاية الحكومة وبيد القصر الملكي بعيداً عن أي امكانية لتحوله إلى قوة سياسية فاعلة على الساحة السياسية الأردنية.

وكانت جبهة العمل الإسلامي قد قاطعت الانتخابات التي جرت عام 1997 بسبب اعتماد مبدأ الصوت الواحد، ولكنها عادت عن هذه المقاطعة في الانتخابات الحالية مع احتفاظها بتحفظاتها على هذا المبدأ، وذلك بعد تقويمها لتجربة الابتعاد عن المجلس وما كشفته من خفوت كامل لصوت المعارضة على الساحة خلال السنوات الماضية ما سمح للحكومات تمرير العديد من القرارات دون أي اعتراض مسموع، وعلى رأسها بلا شك قرار إبعاد قادة حركة حماس من الأردن بالرغم من كونهم مواطنين أردنيين كاملي المواطنية ولا يمكن إبعادهم بنص القانون.

ومع كون مسألة الصوت الواحد القضية الأبرز التي أثيرت على طاولة الانتخابات الحالية فإن هناك موضوع الكوتا النسائية التي فرضها القانون الانتخابي الجديد، والتي أثارت الكثير من الجدل، لجهة اعتبار البعض لها تمييزاً ـ وإن كان إيجابياً ـ بحق النساء، إلا أن ما أفرزته الانتخابات من نتائج أثبت صوابية اعتماد هذا المبدأ نظراً لما ظهر من فشل أي مرشحة من الوصول إلى المجلس بصورة انتخابية عادية، ولذا تم اختيار النساء الست اللواتي حصلن على أعلى نسبة من الأصوات بين المرشحات الست والخمسين وإعطاؤهن المقاعد الستة المخصصة للنساء في المجلس، وعلى رأسهن مرشحة جبهة العمل الإسلامي الدكتورة حياة المسيمي. واللافت أن النساء اللواتي وصلن إلى المقاعد هن من المحافظات فيما بقيت العاصمة عمان بلا تمثيل نسائي.

وعلى هامش هذا الموضوع أيضاً كان إجراء فرض رفع المنقبات لنقابهن أمام لجنة الاقتراع واحداً من الانتصارات التي حققتها الحكومة بعد انصياع المعارضين لهذا الإجراء لفتوى صدرت عن مجلس الإفتاء تعتبر ان رفع النقاب أمام اللجنة يعتبر من الأمور الإضطرارية التي ترفع حرمة هذه الخطوة.

لقد حقق الملك الأردني إنجاز وضع المجلس الجديد في جيبه، بالرغم من فوز سبعة عشر من مرشحي جبهة العمل الإسلامي والعديد من المرشحين المستقلين الذين ينتمون إلى تيارات فكرية قومية وعروبية مختلفة التوجهات، وضمن أن المجلس الجديد الذي حاز "مؤيدوه" فيه أكثر من ثلثي المقاعد البالغ عددها 110 مقاعد لن يكون عقبة أمام الحكومة القادمة، كما حصل مع المجالس النيابية الأولى التي انتخبت في الأردن والتي حلّ ستة من أصل سبعة منها بسبب التعارض بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع ما يعنيه ذلك من معارضة حادة من قبل النواب لمشاريع القوانين الحكومية وعلى رأسها مشاريع الموازنة.

وإذا كان الأردن يتجه ليكون نموذج الديموقراطية في المنطقة كما أمل الملك عبد الله الثاني، فإن المعطيات المتوافرة من النتائج التي أفرزتها الانتخابات تقول إن الصورة الوردية التي يرغب الملك بتسويقها في الخارج أولاً وإقناع الداخل الأردني بها ثانياً لم يرها المراقبون بهذه الوردية، وهم يتوقعون صوتاً عالياً للمعارضة ـ الإسلامية تحديداً ـ ولكن لا يتوقعون حصول الشعب الأردني على مجلس نيابي حقيقي يعبر عن تطلعاته الحقيقية وعلى رأسها رفض معاهدة التسوية مع الكيان الصهيوني والوقوف بقوة في وجه التطبيع معه، إضافة إلى الإمساك بالموضوع الاقتصادي بشكل فعال بعيداً عن مباركة القوانين التي تأتي جاهزة من الحكومة في هذا المجال.

وإذا كانت المجالس النيابية الأردنية غير معتادة على إكمال مدة ولايتها نتيجة تسليط سيف الحل عليها بشكل دائمن فلا يبدو أن هذا المجلس سيكون بأمان من حلّه إذا قرر النواب المعارضون فيه الحفاظ على صوت مرتفع، لأن الانضباط تحت سقف الموقف الحكومي ليس كافياً للحفاظ على "العمر الطويل" وإنما المطلوب أيضاً انضباطاً أكثر حديدية في إطار الصوت الواحد الذي لا يمجد الملك فقط، وإنما يمجد الحكومة التي يختارها للحكم باسمه.

محمود ريا