غاب الحديث عن "باريس ـ 3" فهل ينقذ لبنان ايجابيات "باريس ـ2؟"
"الاسرة الوطنية" أجدر من الدولية بالحرص على الثقة بالوطن

 


كتب المحرر الاقتصادي

ما إن بدأت نتائج "باريس ـ 2" تتجلى إيجاباً في مؤشرات المال والنقد والاقتصاد منذ انعقاد المؤتمر في العاصمة الفرنسية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 حتى طفت الى السطح مجدداً تشنجات رئاسية طالما عهدها اللبنانيون ازاء ما اصطلح على تسميته "الملفات الخلافية" وعهدوا آثارها السلبية في أداء المؤسسات الحكومية ومجتمع الاعمال عموماً.

وتجسدت أبرز العلامات البارزة المشجعة في خفض معدلات الفائدة على الحسابات الدائنة، وبدء تراجعها في الحسابات المدنية، والتحسن في الاوراق المالية وميزان المدفوعات والزيادة الكبيرة المحرزة في احتياط مصرف لبنان المركزي.

وقد عزز وصول معظم المبالغ المقررة في "باريس ـ 2" تدفق الرساميل الخارجية بمعدل 5 أضعاف في الفصل الأول هذا العام، فبلغت 3،5 مليارات دولار، الأمر الذي أسهم في تحقيق فائض كبير في ميزان المدفوعات بلغ 2,2 ملياري دولار، مقابل عجز قدره 686،7 مليون دولار في الفصل الاول 2003.

وأظهر بيان مصرف لبنان الموجز في 16 أيار /مايو الفائت ان موجودات المصرف من العملات الأجنبية زادت الى 10 مليارات و 130،3 مليون دولار، بينما قفزت محفظة الأوراق المالية الى مليارين و 887,3 مليون دولار.

وتحققت هذه النتائج بعد ان قطع "المانحون" الذين شاركوا في "باريس ـ 2" شوطاً كبيراً في الايفاء بالتزاماتهم، وتسلم لبنان في 22 أيار/مايو من قطر أحدث دفعة من هذه الالتزامات هي عبارة عن اصدار مالي بقيمة 200 مليون دولار لمدة 15 عاماً بفائدة نسبتها خمسة في المئة.

وسبق ان سددت السعودية مساهمتها البالغة 700 مليون دولار في 6 آذار/مارس بعد ان نال لبنان سابقاً 550 مليون دولار من فرنسا و300 مليون دولار من الكويت و300 مليون دولار من الامارات، و300 مليون دولار من ماليزيا، و50 مليون دولار من سلطنة عُمان و55 مليون دولار من صندوق النقد العربي.

وعلى هذا الأساس، فإن مجمل ما تسلمه لبنان هو ملياران و455 مليون دولار، ويبقى مبلغ 700 مليون دولار تعهدته البحرين وبلجيكا وايطاليا وكندا.

لكن الاثر الايجابي المباشر لمؤتمر "باريس ـ2" بدأ يتقوض على ما يبدو اذ لم تواكبه جهود كافية من المسؤولين اللبنانيين في الداخل للالتزام بالاجراءات التي تعهدها لبنان امام المشاركين، وسط خلافات سياسية محمومة بين الحين والآخر تتعثر معها خطوات "الاصلاح" المطلوبة دولياً.

وهذا الواقع يخالف ما أعلنه لبنان في ذلك الحين بلسان رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري حين أكد امام المشاركين في المؤتمر ان البلد يتعهد الالتزام ببرنامج الاصلاحات الاقتصادية الذي عرض على المؤتمر، مشيراً الى ان هدف الحكومة هو تحقيق التوازن في الموازنة عام 2006 وخفض نسبة المديونية الى أقل من 100 في المئة من مجمل الناتج المحلي.

ولا يزال ملفا تخصيص الهاتف الخلوي والكهرباء الشائكان عالقين حتى الآن ، فالحكومة عندما قالت في ورقتها الى المؤتمر انها تهدف للحصول على 5 مليارات دولار من عمليات التخصيص والتسنيد في العام 2003 وحوالى مليار دولار سنوياً منها في العامين التاليين ربطت ذلك ببيع رخص الخلوي في الفصل الأول من العام الجاري وبيع 40 في المئة من شركة الكهرباء في النصف الأول من العام 2003 وبيع 40 في المئة من شركة الاتصالات في النصف الثاني من العام 2003، على ان تستكمل عمليات الخصخصة بين عامي 2004 و2007.

وكذلك قالت الحكومة انها تهدف من عمليات احلال المبالغ المتأتية من المؤتمر محل جزء من الدين خلال النصف الاول من العام 2003 الى خفض معدل الفائدة على المديونية العامة مقدار الثلث في العام 2003 ومقدار نقطة مئوية اضافية في العام 2004.

واذا علمنا مدى خطورة تنامي المديونية من خلال وصف الرئيس الحريري في حينه للمشاركين بلوغ الدين العام 31 مليار دولار نهاية العام 2003 بأنه أمر "لا يحتمل" فإننا ندرك مدى خطورة الوضع الآن مع بلوغ قيمة الدين العام، بحسب التقرير الفصلي لمصرف "فرنسبنك" نحو 32،8 مليار دولار نهاية آذار/مارس الماضي، أي ما نسبته 180 في المئة من الناتج المحلي المجمل.

واذا كان الرئيس الحريري قد اعتبر في ذلك الوقت أن لبنان لن يتمكن من احتواء تضخم دينه "الا اذا اتخذت الأسرة الدولية قراراً بدعم نشاطه عبر قروض طويلة الأمد بمعدلات فائدة معتدلة" فإن الأسرة الدولية لن يكون في وسعها فعل الكثير لحل مشكلة لبنان، اذا لم تتنبه "الاسرة الوطنية" الى أهمية بلوغ هذا الحل وضرورته الماسة بالنسبة الى استقرار البلد والحفاظ على الثقة الخارجية به وباقتصاده.

وكذلك يتعين على المسؤولين التنبه الى اشارات بدأت تلوح في الأفق من شانها الاسهام في تعزيز القلق على ما أُنجز في "باريس ـ2".

فعلى الرغم من تجديد مؤسسة "ميريل لينش" في نيسان/ابريل الفائت توصيتها بشراء سندات اليوروبوند التي تصدرها الحكومة للشهر السادس على التوالي، الا انها حذرت من مبادرتها الى اعادة تقويم رأيها الايجابي نسبياً في الأشهر المقبلة، اذ لم تظهر علامات ايجابية ملموسة على صعيد خصخصة موجودات الدولة.

وفي حزيران/يونيو الجاري، حذرت الشركة نفسها، وهي شركة مالية متخصصة ذائعة الصيت عالمياً، من تأثير تأخر عمليات خصخصة بعض القطاعات في لبنان على نتائج مؤتمر "باريس ـ2"، وأكدت في تقريرها الشهري ان عدم انجاز الخصخصة وعدم تحقيق الايرادات المتوقعة منها سيؤدي الى فشل برنامج الاصلاحات الحكومية ونتائج المؤتمر المذكور.

ولا يبدو ان تباطؤ اجراءات الخصخصة سينعكس سلباً في أعين المشاركين في "باريس ـ2" فحسب، بل ان تأخر الاجراءات بات يهدد عملياً فرصة عقد مؤتمر "باريس ـ3" الذي كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد توقع انعقاده بعد 6 أشهر من "باريس ـ2"، على ان يقتصر الحضور فيه على فرنسا ولبنان وصندوق النقد والبنك الدوليين.

ويلاحظ ان المؤتمر "الثالث" قد غاب ذكره كلياً بفعل الحرب على العراق، وهو كان سيخصص لتقويم مدى التقدم الذي أحرزه لبنان في تنفيذ الاصلاحات المطلوبة شرطاً لتحسين المساهمات المقبلة، فاذا ما نجحتم ـ قال شيراك ـ فسيكون ذلك مفيداً لعقد "باريس ـ3" ولمساهمة دول تريثت او انتظرت للتأكد من تلبية شروط البنك وصندوق النقد الدوليين.

وقد جرت الظروف الدولية عكس ما يشتهي لبنان طبعاً، لكن مشكلة لبنان تكمن في انها اتت متوافقة مع توقعات شيراك الذي قال عقب المؤتمر مباشرة انه "اذا ما وقعت الحرب ووجهت الولايات المتحدة ضربة عسكرية الى العراق، فإن الجهود التي بذلناها قد تذهب سدى، لانه لا يمكننا ان نعمل تحت وطأة الحرب  والدمار الشامل".

اذاً، في شتى الأحوال يبقى الجزم النهائي على مدى التزام لبنان بما تعهد به في مؤتمر "باريس ـ2" من صلاحية "لجنة الحكم" وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليان، فهل يثبت لبنان ولو متأخراً انه قادر على الوفاء بالتزاماته؟