الأغوار تتعرض لحملات تهويد ونهب وتفريغ منظمة
حرب صهيونية مسعورة لتدمير سلة فلسطين الغذائية
 


جنين ـ علي سمودي

بدأت الحرب الصهيونية على "سلة فلسطين الغذائية" تأخذ أشكالاً جديدة في التصعيد الاسرائيلي المنظم لتحقيق مآرب قديمة بالاستيلاء عليها وسرقتها وحرمان أصحابها الشرعيين من استغلالها والاستفادة منها. وأبرز أساليب الهجمة التي تمارس منذ مطلع العام الجاري، بعد رفض الفلسطينيين عقد صفقات سرية لبيع أراضيهم، تتمثل إما بإغلاق أجزاء واسعة من منطقة الاغوار وإقامة الحواجز فيها وحرمان الفلسطينيين من استخدامها تحت ذريعة الاجراءات الامنية، وإما بتزوير المستندات والوثائق الرسمية الخاصة بالاراضي والادعاء ان أصحابها باعوها للمستوطنين.

كشفت مصادر فلسطينية النقاب عن تعرض المنطقة التي تعتبر سلة فلسطين الغذائية لهجمة احتلالية شرسة تستهدف الاستيلاء على الارض وضمها الى مستعمرات الاحتلال وطرد أصحابها الفلسطينيين الذين يقيمون فيها منذ عشرات السنين. فالاحتلال أعلن الحرب على أهالي المنطقة وشرع في تضييق الخناق عليهم، حتى أنه حرمهم من المياه.

تاريخ قديم

على امتداد البصر من طوباس غرباً وحتى نهر الأردن شرقاً، تحتضن الجبال والسهول منطقه الأغوار التي تشكل سدس مساحة الضفة الغربية التي يعتبر 80% من أراضيها زراعية وتشكل أخصب المناطق في فلسطين، حيث جودة التربة واعتدال المناخ.

ولعل هذه المميزات ـ بحسب أحمد أسعد مدير مكتب المؤسسات الوطنية في طوباس ـ إضافة لموقعها الاستراتيجي وتماسها مع الاردن، جعلها بؤرة اهتمام على مدى التاريخ القديم والحديث، إذ شكلت طوباس عمقاً استراتيجياً للأمن الغذائي لما اشتملت عليه من مخزون مائي جوفي وينابيع وتربة خصبة تصلح للزراعة في كل المواسم.

 لذلك كله ـ يقول أسعد ـ كانت طوباس محط أطماع "إسرائيل" بعد نكسة حزيران/ يونيو في عام 1967، فباشرت بمصادرة ونهب الاراضي الحدودية بعمق طويل لتشكل خط الدفاع مع الأردن، ولاحكام سيطرتها على المنطقة التي اعتبرتها استراتيجية على كل الصعد، فسرّعت من عملية بناء المستوطنات خصوصاً الزراعية منها. ويوضح الأسعد أن الهدف الإسرائيلي تمثل في تأمين المخزون الغذائي للكيان الصهيوني، فرصدت الحكومات المتعاقبة ميزانيات خاصة لإقامة مشاريع زراعية استراتيجية أصبحت السوق الاسرائيلية تعتمد عليها، خاصة في المحاصيل البعلية والنخيل والموز. وهكذا أصبحت المستوطنات مراكز زراعية وصناعية، في حين انعكس ذلك بشكل سلبي بالغ على المزارع الفلسطيني الذي بدأ يدفع ثمن السياسات الاسرائيلية، خاصة على صعيد نهب ومصادرة الاراضي وإغلاق مساحات واسعة منها ومنعه من استخدامها وتدمير محاصيله.

 

السيطرة على الآبار الجوفية

ولكن معاناة المزارع الفلسطيني تفاقمت وقطاع الزراعة تأثر بشكل أكبر بعدما صادرت قوات الاحتلال الآبار الجوفية وجففت ما تبقى منها، لمنع الفلسطينيين من استخدامها.

ويقول ذياب أبو خيزران رئيس بلدية طوباس: إن الخطة الاسرائيلية ركزت على التحكم بالزراعة الفلسطينية في منطقة الأغوار، فأصبحت تتحكم بمنابع المياه وحظرت عليهم حفر الآبار الجوفية. ويضيف: "منذ عام 1967 لم تصدر رخصة واحدة عن الحاكم العسكري للسماح بحفر الآبار. وهكذا أصبحت طوباس الغنية بمخزون المياه تعاني أراضيها من العطش، وفرض الاحتلال علينا شراء المياه من شركة "مكوروث" الإسرائيلية التي غدت تتحكم بالكميات وتمارس الوجه الآخر للمخططات الاسرائيلية لتدمير القطاع الزراعي".

 

تكثيف الهجمة منذ عامين

خلال العامين الماضيين صعّدت السلطات الاسرائيلية من هجمتها وإجراءاتها على امتداد المنطقة، مستهدفة شلّها وتدميرها ووضع اليد على ما تبقى من أراضيها. يقول أسعد: "فكانت طوباس وأغوارها من أولى المناطق التي استهدفها الحصار والطوق الذي قسمها الى عدة مناطق، وعزل التجمعات السكانية بعضها عن بعض، وأغلق 90% من الاراضي أمام المزارعين. كما أقيمت حواجز دائمة في المناطق الزراعية الهامة والحيوية مثل تياسير والحمرا، ما أغلق مساحات واسعة من الأراضي".

 ويقول المزارع عبد العزيز الحاج أحمد: "الحاجز جزّأ أرضي إلى قسمين، ولا يمكنني دخولها، لأن الجيش أعلنها منطقة عسكرية مغلقة، ويطلق النار على كل من يقترب منها. وخلال عامين لم أتمكن من زراعة أرضي أو الاستفادة منها". وكذلك الأمر بالنسبة الى المزارع أحمد محمد بشارات الذي يملك مساحة كبيرة من الاراضي وأقام فيها مشاريع زراعية برأس مال كبير، ولكن الطوق والحواجز تسببت بتدمير كل شيء. كما ان نحو 100 مزارع كانوا يعتاشون من العمل في أرضه فقدوا مصدر رزقهم.

آثار الإجراءات الإسرائيلية

إغلاق الأراضي ليس المشكلة الوحيدة التي يواجهها المزارعون في الأغوار، فمن يتغلب عليها ويتمكن من الوصول إلى أرضه بحاجة الى معجزة لتصدير منتجاته الزراعية خارج طوباس. يقول المزارع محمد صالح: "واجهنا إجراءات إسرائيلية صعبة منذ عشرات السنين، ولكن ما نتعرض له اليوم أكبر وأخطر وأصعب.. فبعد حرماننا من استغلال مساحات واسعة من أراضي الأغوار, فإن المحاصيل التي نزرعها في الاراضي المتبقية لنا ـ التي نعول عليها لنتمكن على الأقل من الحياة، والتي لا تنتج حتى رأس مالها ـ يمنعنا الاحتلال من تسويقها". مذكراً بأن القطاع الزراعي يعتمد على تصدير منتجاته في أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة. من جهته أشار رئيس اتحاد الفلاحين جمال مبسلط إلى أن قوات الاحتلال تحتجز الشاحنات وتقوم بإتلاف المحاصيل أو مصادرتها، وتمارس بحق أصحاب الشاحنات أساليب قمعية للضغط عليهم للتوقف عن التنقل. هذه الإجراءات  ـ يضيف مبسلط ـ شكلت انتكاسة كبيرة للاقتصاد المحلي الذي  تشكل الزراعة عموده الفقري، ونجم عنها دمار غالبية المشاريع الزراعية وتدني أسعار المحاصيل وانضمام المئات من المزارعين الى جيش العاطلين عن العمل.

اضافة إلى ذلك عمد الاحتلال مؤخراً إلى تدمير كلي لمساحات واسعة من البيوت البلاستيكية والمئات من "البركسات" التي تمتد من قرية بردلة والجفتلك وعين البيضاء حتى أريحا، والتي تشكل عصب الحياة للفلسطينيين.

توسع استيطاني

في هذا الوقت نشطت حركة التوسع الاستيطاني في المنطقة.. يقول أسعد إن السلطات عملت على توسيع حدود المستوطنات في الأغوار خاصة الزراعية منها، فصادرت آلاف الدونمات خاصة في محيط مستوطنات مخولا وأشدموت وشيلح والحمرا وروعيه والبقيعة وضمتها اليها، وأقامت الاسلاك الشائكة حولها. مشيراً إلى كشف الصحف العبرية عن مخطط خطير أعلنه رئيس الحكومة شارون، ويقضي بإقامة سياج أمني في الجهة الشرقية في المنطقة. وقال: إن تنفيذ هذا المخطط يعني عزلاً وفصلاً كاملاً لمنطقة الأغوار عن الضفة، وهذا يعني تحقيق مخطط الاستيلاء على سلة فلسطين الغذائية.

حتى المواشي

وتعتبر قرية البقيعة من أهم مناطق الأغوار لأنها مركز للثروة الحيوانية لما تحتويه أراضيها من مراعٍ جذبت قطاعاً واسعاً من الرعاة الذين أقاموا فيها المراعي، ولذلك كانت في مركز الاستهداف الاسرائيلي ـ كما يقول مبسلط ـ فقد  مورست عدة أساليب للسيطرة عليها وترحيل الرعاة منها، من إغلاق مناطقها تحت ذريعة الأمن والتدريبات، إلى ملاحقة الرعاة ومصادرة مواشيهم.. الراعي خليل يوسف يقول: هذه ليست حياة، عصرونا بالطوق وحرمونا من العمل داخل الخط الأخضر، لذلك أقمت مشروع تربية ثروة حيوانية بعد الحصول على قرض كبير من البنك، ولكن خسارتي تتضاعف بإغلاق المنطقة ومنعنا من رعي الماشية.

التخريب متعمد

 وأشارت لجنة مقاومة الاستيطان الى أساليب أخرى تُستخدم للتوسع الاستيطاني في النقب. وذكر عمرو أن أبرزها المناورات العسكرية التي تجري على مدار السنة. فتحت ذريعة التدريب تغلق السلطات مساحات واسعة من الأراضي التي يعلن عنها "مغلقة عسكرياً"، وتصادرها، حتى أصبح أكثر من 20% من أراضي الأغوار عسكرية. ولكن لهذه العمليات نتائج أكثر خطورة على الارض والإنسان، فقد استشهد وأصيب العشرات بسبب الانفجارات الناجمة عن مخلفات الجيش الذي يتعمد زرع الاجسام المشبوهة في المنطقه لمنع الاهالي من استخدامها. كما أن الجيش يختار الأوقات الفضلى للزراعة وحصد المحاصيل ليقوم بتدميرها وإحراقها.

 وأمام هذه الهجمة الشرسة، فإن أهالي الأغوار يناشدون المؤسسات الإنسانية والدولية التحرك السريع لوضع حد لمخططات الاحتلال الهادفة الى تشريدهم من أرضهم. كما طالبوا السلطة الوطنية وكل المؤسسات بأخذ دورها والوقوف جدياً في وجه هذا المخطط الاحتلالي من جهة، وتعزيز صمود المواطن الفلسطيني الذي يروي أرضه وعلى استعداد دائم لأن يرويها بدمه.