|
|
|
الحرب المستدامة.. إنه العنوان الجديد القديم للولايات المتحدة الأميركية. إنها حاضرة لتلبية كل أنواع الحروب، براً وبحراً وجواً وفضاءً.
الحرب المستدامة.. هو المصنع الدائم لإنتاج المعارك وابتداع وسائل الفتك، وتمجيد آلات القتل الجماعية في احتفال دموي دائم. الحرب المستدامة.. انها منذ أكثر من قرن تتدرب بالسلاح الحي على الأجساد، وكل الأجساد صالحة كأهداف: أطفال، شيوخ، نساء، رجال، جنود، قادة، شعب، شعوب، مدينة، دولة ودول.. ليس كل ذلك مهماً، الحرب تحتاج الى أهداف، ومتى شاء رئيس أميركي أن ينتقي هدفاً للرماية فسيجده بسهولة. الحرب المستدامة.. الآلة العسكرية متوافرة، ذخيرتها أكثر من الخبز ومعجون الأسنان. أسلحة من كل الأنواع والأجناس والرؤوس، قادرة على إلغاء العالم برمته مراراً وتكراراً، من القطب الشمالي الى مخادع كل الناس في أماكن إقامتهم. الحرب المستدامة.. لم يخلُ البيت الأبيض من مقيم فيه لم يوقع على أمر عسكري بشن حرب على دولة مجاورة، أو على حكومة معادية أو صديقة، أو المشاركة بانقلاب أو ممارسة اغتيال. الحرب المستدامة.. تذكروا هذه المواقع التي خاضت فيها أميركا حروبها منذ العام 1890، احفظوها جيداً، فقد تعيد ارتكاب الحروب مرة أخرى في المواقع ذاتها. حروبها أكثر من أن تُحصى، أختار منها ما يلي: الأرجنتين عام 1890، التشيلي 1891، هايتي 1891، إيداهو 1892 هاواي 1893، نيكاراغوا 1894، الصين 1894، كوريا 1894، بناما 1895، نيكاراغوا مرة أخرى 1896، الفيليبين 1898، كوبا 1898، بورتوريكو 1898، غويام 1898، نيكاراغوا مرة ثالثة 1898، بناما 1901 الى 1914، الهندوراس 1903، الدومنيكان 1903، كوبا 1906، نيكاراغوا (مراراً) 1907، هندوراس 1907، باناما 1908، نيكاراغوا 1910، الصين 1911، كوبا 1912، باناما 1912، المكسيك 1913، الدومنيكان 1914، المكسيك 1914 ـ 1918، هايتي 1914، كوبا 1917 الحرب العالمية الأولى 1917 ـ 1918، يوغوسلافيا 1919، غواتيمالا 1920، تركيا 1922، بناما 1945، سلفادور 1946، الأوروغواي 1947، اليونان 1947 ـ 1949، ألمانيا 1948، الفيليبين 1948 ـ 1954، بورتوريكو 1950، كوريا 1950 ـ 1953، إيران 1953، فيتنام 1954، غواتيمالا 1954، بناما 1958، فيتنام 1960 ـ 1975. كوبا 1961 و1962، لاووس 1962، أندونيسيا 1965، غواتيمالا 1966، كامبوديا 1969 ـ 1975، لاووس 1971، حرب تشرين 1973، التشيلي 1973، أنغولا 1976 ـ 1992، إيران 1980، ليبيا 1982 سلفادور 1981، نيكاراغوا 1981 لبنان 1982 ـ 1984، هندوراس 1993، ليبيا 1986، الفيليبين 1989، بناما 1989، ليبيريا 1990، العراق 1990، الصومال 1992، يوغوسلافيا 1992 ـ 1994، البوسنة 1993، كرواتيا 1990، زائير 1996، ألبانيا 1997، السودان 1998، أفغانستان 1998 العراق 1998، أفغانستان 2001. لم تنتهِ اللائحة، فابتداءً من العام 2003 حتى إشعار زمني آخر، سيكون لواشنطن في كل عام حرب لها. ملاحظة مهمة: كل هذه الحروب خاضتها الولايات المتحدة الأميركية دفاعاً عن الحرية والديمقراطية والمدنية والعالم الحر وحقوق الإنسان. ملاحظة أخرى: يحق لهذا العالم أن يتساءل: كم مليوناً، كم عدد الملايين الذين سُفكت دماءهم هذه الحروب؟ ما حجم الآلام والكوارث؟ أي جحيم هو هذا الجحيم الذي توقد ناره حرباً أو حربين في كل عام؟.. ملاحظة أخيرة: يشبهون روما القديمة بواشنطن الجديدة، وهذه إهانة بحق الأولى. فروما الثانية أكثر همجية ووحشية من كل القياصرة وهمج المغول وجحافل تيمورلنك ونازية هتلر وسادية موسوليني ومجازر ستالين.. ومع ذلك فإن العالم يرى أن النموذج الأميركي صالح في السياسة والثقافة والأخلاق والاقتصاد والحلول السلمية!.. نعوم تشومسكي على حق، ليس لدى الولايات المتحدة الأميركية سياسة خارجية إلا سياسة الحرب. وإنياسو رامونيه مصيب أيضاً: يتحدثون عن السلام الدائم فيما يرتكبون الحرب المستدامة!
رؤساء أميركيون بصحة جيدة الرئيس الأميركي جورج بوش بصحة جيدة، ينام ملء أفكاره وخططه، ومزاجه الصباحي أنيق ولائق، وسحنة كلماته تليق بالمناسبة. الرئيس الأميركي يبتسم بحزم وبلا شفقة.. يقرر أن مسحوق الحرب جيد لتربية النخيل، ومواعيد النفط وتقليم الشعوب. ولا بد من رياضة صباحية لتدريب العالم على مداعبة الكلاب.. لذا، في اليوم الذي يوقع فيه على قرار الحرب وتعميم منافعه على دول الشرق الأوسط، والتبشير بالنتائج الفاخرة التي ستصيب شعوب المنطقة رخاءً وديمقراطية وازدهاراً، يقرر أن يلاعب كلبه أمام الكاميرات. بالفعل، إنه رئيس يرفق بالحيوانات الأليفة، ولا يحب الحيوانات المفترسة.. إذاً: هذه الشعوب العربية يلزم تدريبها بعناية! سترمى الطابة الداهية في ملعبها، وعليها أن تروي العشب الأخضر والنخيل وآبار النفط بلهاث شرايينها حتى ثمالتها. يقال: إن الرئيس الأميركي ـ كمعظم الرؤساء كما يبدو ـ ينام عدداً كافياً من الساعات، لأن ضميره ينام بعيداً عنه، في غرفة لا يصل إليها التأنيب.. ضمائر محفوظة ومختوم عليها بصدأ السؤال. يروى أن الرئيس الأميركي رونالد ريغان كان يتناول طعام الفطور في ساعة محددة، ويداوم على الالتزام بالوجبة الممتازة، فهو رئيس يحلم دائماً بالسلام، ويود أن يأكل بسلام، ولا يعكر مزاجه أي عمل شائن أو خبر سخيف. وكان مناضلاً فذاً في التقيد بهذا الموعد المقدس لفطوره الصباحي.. وذات حرب خاضها خلسة في باناما، دخل عليه مستشاره وأنبأه بأن مجلس الأمن منعقد، وعدد الدول التي تدين اجتياح أميركا يناهز مئة وعشرين. أجابه الرئيس الواثق من طعامه ومواعيد اللذة: غريب، ومع ذلك فإن موعد إفطاري لم يتغير. فليذهب العالم المعارض الى الجحيم.. فلتذهب الدول المناوئة لواشنطن وتبلّط البحر.. هذا موعد أميركي مقدس.. وباناما مائدة جيدة.. ونورييغا لم يعد يجيد طبخ الطعام الأميركي اللذيذ. ومرة كان الرئيس روزفلت يفتش عن مبرر قانوني لاجتياح باناما، فاستدعى المدعي العام كنوكس وسأله عن إيجاد مسوّغ شرعي لارتكاب هذا العمل المقدس.. فأجابه كنوكس: "سيدي الرئيس، علينا أن نتخلى عن الأسئلة الحقوقية السخيفة، كي لا نعرقل هذا المشروع النبيل". الاجتياح: مشروع نبيل.. ومرة أحب الرئيس ولسون أن يدعم اجتياح المكسيك بحجة قانونية، فطلب مجلس القضاء الأعلى، وتحديداً فيليكس فرانكفورتر، وقد كان من قبل محامياً متعاقداً مع وزارة "الدفاع"، فاخترع له هذا الحقوقي حقاً غير مسبوق. قال للرئيس ولسون: "علينا أن لا نعود الى القانون إزاء مثل هذا العمل، فإن ما هو مطروح أن نخوض حرباً ضد دولة قوية، وليس ضد دولة ضعيفة". القانون التعسفي الأميركي يسمح بالحرب إذاً ضد الدول القوية أو ضد دولة ما قد تصبح قوية. وهذا صحيح.. لم توفر الولايات المتحدة أي دولة في العالم من "حرب عادلة". ويحدثونك عن العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعالم الحر.. الرئيس الأميركي جورج بوش ليس بحاجة الى مجلس الأمن، ولا الى قرار عقلاني، ولا الى فرنسا حاقدة، وروسيا مفلسة، وصين نائية، وألمانيا جاحدة.. ولعرب يشبهون في أحسن حالاتهم الطوز الصحراوي الذي لا يلبث أن ينقشع عندما تخفق أجنحة الحرب. الرئيس الأميركي بوش يلاعب كلبه. غريب.. هناك طلبات انتساب من قبل حكومات وزعماء كثر في العالم للدخول في ملعب بوش، والغريب أنهم جميعهم يطالبون بكرة تتدحرج أمامهم ليلتحقوا بها، وليصفق لهم الرئيس على حسن الدراية والتدرب على شروط تأدية التحية بالذنب فقط.. علامة الرضى والقبول، وهلم جراً وجراً وجراً الى نهاية الرسن الأنيق.
مواطن عربي ساهر حتى الصباح أما أنا، المواطن العربي، أو المشبه لي بأنني مواطن عربي، فلن أتخلف عن هذه الحرب الظالمة على شعب العراق.. لقد جهزت نفسي بكل الحاجات الضرورية للمشاركة. لن أدع محطة تلفزيونية تسبقني.. سأشاهدها كلها، سألعن أميركا، وأشتم بلير، وأسب الزعماء المتخاذلين.. سأسهر حتى الفجر، لن أدعهم يدخلون بغداد في غفلة من عيني الساهرة أبداً. سأطالب بالمزيد من المشاهد الحربية، وسأحارب التعمية الإعلامية التي مارستها أميركا في حرب الخليج الأولى، عندما قررت أن تمارس وسائل الإعلام المرئية سياسة الكاميرا العمياء، فلم يتسنَّ لنا رؤية المجازر الدموية، باستثناء ملجأ العامرية اليتيم. سنطالب وسائل الإعلام ومراسليها بأن يكونوا أكثر جرأة ويمارسوا مهنتهم بشرف، حتى لو أدى ذلك الى خوض المعارك. يجب أن يشاهد العالم الجريمة.. ونحن من هذا العالم.. ونحب أن نتعاطف مع شعبنا عندما "نتفرج" عليه. المشهد الفلسطيني بات روتينياً وبطيئاً، ومجازره مكررة ومستعادة، ولم تعد تشفي غليل "المتفرج" العربي المحتاج الى حقنة إضافية من المشاهد المأساوية.. لا بأس بـ Over Duse ، سنكتب قصائد طاعنة في الحزن والبكاء، سنفاجىء المدينة: "يا بغداد، يا مدينة النخيل، يا مطر الفرات".. سنكتب عن الحضارة والتراث، ونرسم شعارات من فسيفساء البكاء. أي، بالعربي الفصيح، نريد أن نكون حاضرين، ولن يفوتنا هذا المشهد المثير. إننا بحاجة الى حوافز من هذا النوع، ربما لننزل الى الشارع العربي ونوقظه من جبنه وخذلانه وطأطأة رأسه أمام حكومات وأنظمة لا تملك إلا أحذية تطأ بها قامة الشارع العربي القزم. ولكننا في المقابل سنعوّل على مظاهرات ممتعة في لندن وروما وواشنطن ومدريد وسيول وطوكيو! سنشعر بأننا لسنا وحدنا، وأن هذا العالم قد يعوِّض ما لدينا من نقص في المناعة الوطنية والقومية. سنتصل بهم ونشجعهم على الاستمرار، ونعدهم بأننا سنشكرهم، لأنهم عوّضوا عن غيابنا المبرر عن الساحة.
مختصر مفيد الحرب المستدامة بدأت من زمان.. جورج بوش.. همجي يدافع عن "الحضارة". مجلس الأمن.. وداعاً للسلام. أوروبا.. عملاق قدماه من خزف. العراق.. حان قطافه. فلسطين.. على قارعة الطريق. الجامعة العربية.. ليس من هذا الكوكب. الدول العربية.. لا عنوان بريدياً لها، يمكن التبرع بإعلان في الصحف تحت عنوان: مفقود. الشعوب العربية.. ليست مسجلة إلا في سجلات الصليب الأحمر ووكالات الغوث ومنظمات الإشفاق الإنساني. السلاح العربي.. يصلح للزينة فقط، ولمرافقة الموسيقى العسكرية. المثقفون العرب.. يتدربون على الألفباء.. والزمن طويل.
أخيراً.. ليس آخراً أخيراً.. الفصل الأميركي ليس نهاية التاريخ.. والحرب على العراق ليست نهاية الحرب.. وليس ممكناً أن نكون الهنود السمر العرب.. أخيراً.. هناك أمور أخرى تولد من ركام الحرب.. الفينيق لا يموت.. ولو قتلناه جميعاً.. نصري الصايغ |