مقايضة الحريري ضريبة الدخل برفع "القيمة المضافة":
زيادة أموال الخزينة من جيب المواطن

 


كان أعضاء المجلس الاقتصادي الاجتماعي يتوقعون ـ عندما استقبلوا رئيس الحكومة رفيق الحريري ـ أن يحمل إليهم مشروعاً لإحياء دور المجلس وتفعيله، لكن المفاجأة كانت بما اقتصر عليه طرح الحريري بخصوص التعديلات الضرائبية التي يطرحها، والتي تقضي بمقايضة مجموعة من الضرائب بزيادة الضريبة على القيمة المضافة TVA، من عشرة إلى ستة عشر في المئة.

لم تكن مفاجأة فقط لأعضاء المجلس الاقتصادي الاجتماعي، بل أيضاً لكل الشرائح الاجتماعية التي كان تناهى إلى مسامعها عرض مشابه قدّمه الرئيس الحريري خلال لقائه في بيروت فاعليات اقتصادية واجتماعية، فتأكدوا من أنه يذهب به جدياً، ولو أنه حاول التركيز خلال كلامه على أن ما يقدمه هو "اقتراح للمناقشة" ليس إلا، و"غير متمسك به". 

****

في اقتراحه الذي ما زال شفهياً يطرح رئيس الحكومة "إلغاء الرسوم والضرائب المفروضة على دخل الموظفين وأصحاب المهن الحرّة والأملاك المبنية ورسوم الانتقال ورسوم التسجيل في المدارس والجامعات الرسمية، وعلى المحلات والمتاجر الصغيرة وما شابه، وإبقاءها على المصارف والشركات المالية، على أن يحصر استيفاء الضريبة من خلال ما يستهلكه المواطن من مشتريات بواسطة رفع نسبة الضريبة المضافة من عشرة إلى ستة عشر في المئة".

رد الفعل الأولي على الاقتراح كان الرفض، ليس من باب الرفض للرفض، بل على خلفية أن الحكومة لن تأتي بما يخفف الضغط الضريبي عن ذوي الدخل المحدود،  وكل ما تسعى إليه هو زيادة موارد الخزينة وإيجاد الوسائل الملائمة لاستيفاء الضرائب من دون أي عناء.

هذه الصورة التشاؤمية التي يرسمها أحد المخضرمين في الحقل الاقتصادي الاجتماعي، مردها حسب رأيه إلى أن الحكومة تذهب دائماً إلى الطريق الأسهل باتجاه الضرائب غير المباشرة، حيث من السهل جباية الضرائب على السلع عند المراكز الحدودية، ومن ثم في الداخل قبل الاستهلاك.

وفي هذا الإطار يلخّص الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي هدف رئيس الحكومة بأنه يريد أن يزيد إيرادات الخزينة، لأن ضريبة القيمة المضافة سهل تحصيلها.

وقال يشوعي لـ"الانتقاد": "إن الضرائب هي عادة على الدخل، ومن ثم تصبح على الاستهلاك". لافتاً إلى أن "ضريبة الاستهلاك جاءت في البداية من فرنسا التي كانت تسعى إلى زيادة التبادل التجاري مع جيرانها الأوروبيين، فاستبدلت بالرسم الجمركي ضريبة القيمة المضافة. والرسم الجمركي هو ضريبة أيضاً على الاستهلاك".

ويعتبر أن "الضرائب يجب أن لا تقفز فوق الدخل وتذهب مباشرة إلى الاستهلاك، لأن الضريبة تبدأ بأن تفرض على الدخل بطريقة تصاعدية، فالشطور العالية من المداخيل الفردية تخضع لنسب عالية من الضريبة، وهي ما تتبعه الدول عادة لسد الفجوة الاجتماعية وتخفيف الفروق الاجتماعية".

ويؤكد يشوعي أن "زيادة ضريبة القيمة الى 16 في المئة أمر غير عادل". ويستند في ذلك إلى قراءة بسيطة للأمر، "إذا كان دخل الفرد مليون ليرة في الشهر فعليه أن يكرس 90 في المئة من دخله للاستهلاك، وكلها خاضعة لضريبة القيمة المضافة، بينما فرد آخر دخله عشرة ملايين ليرة يكرّس 50 في المئة من دخله للاستهلاك، هي التي تخضع للضريبة. وهذا يعني أن 10 في المئة من دخل الأول لا تخضع للضريبة، بينما هناك 50 في المئة من دخل الفرد الآخر لا تخضع للضريبة".

وفي ما خص القطاعات الاقتصادية، يشير يشوعي إلى "إزعاج سيصيب هذه المؤسسات.. فالمؤسسات مجبرة على دفع حصيلة الضريبة على القيمة المضافة كل ثلاثة أشهر. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، هناك فرق بين ما هو مفروض أن تدفعه وما تكون قد قبضته هذه المؤسسات. كما أنها إذا لم تدفع خلال المهلة المحددة فستلاحق بالغرامات. علماً بأن المؤسسة لم تقبض، خصوصاً أن المقبوضات أصبحت في هذه الأيام قليلة جداً لارتباطها بالسيولة في الاقتصاد".

أما بالنسبة الى ضريبة الأملاك المبنية التي سيشملها الإعفاء، فيعتبر يشوعي "انها في الأساس ضريبة دخل، لأنها على الإيراد المتأتي من الإيجارات، وتساوي 13 في المئة منه، ستستبدل بـ16 في المئة، وهذه الزيادة سيتحملها المالك، لأن المستأجر في الأصل لا يدفع إيجاره".

 ويلفت يشوعي إلى ان الضرائب المباشرة هي أكثر عدالة من الضرائب غير المباشرة، لأن الضريبة المباشرة تتعلق بالإنتاج.. أنتج فأدفع. أما الضرائب غير المباشرة ومنها  الـTVA، فهي واجبة الدفع حتى لو كنت غير منتج بالمطلق.. وأيضاً الرسوم الإدارية، الغني والفقير يدفعان بالتساوي".

لن يأخذ الاقتراح الضرائبي الجديد للرئيس الحريري صداه المفترض في المجلس النيابي قبل أن يصل في مشروع قانون من الحكومة، ومن هنا فإن عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد فنيش يعتبر أن ما قدمه رئيس الحكومة هو رأي وليس طرحاً رسمياً، قبل أن يأتي مشروع قانون من المجلس النيابي".

وفي قراءاته لمضمون الاقتراح ومفاعيله، يؤكد فنيش انه "لا يستفيد منه أصحاب الدخل المحدود، والإعفاءات على ضريبة الدخل وضريبة الأملاك المبنية ورسم الانتقال تستفيد منها الفئات المتوسطة وذوو الدخل المرتفع".

ويشير إلى أن "من دخلهم السنوي أقل من 12 مليون معفيون من ضريبة الدخل، لذلك لن يستفيد هؤلاء من إلغاء ضريبة الدخل، وليسوا من أصحاب الأملاك المبنية. كما أن رسم الانتقال يشمل أصحاب الثروات، لأنه يرتبط بالإرث. إذاً الذين يستفيدون من الإعفاءات هم فعلاً الفئات من ذوي الدخل المتوسط وما فوق. في المقابل فإن الضريبة على القيمة المضافة ستصيب كل الناس".

ويلفت فنيش إلى انه "نتيجة ضريبة القيمة المضافة الـ10 في المئة فإن التضخم المالي بلغ 4.5 في المئة حسب إحصاءات وزارة المالية، وهذا يعني أن رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 16 في المئة سيزيد العبء المعيشي 2.5 أو أكثر في المئة، وقد يصبح مجموعه ما بين 9 و10 في المئة".

وفي الجانب الاقتصادي للزيادة يعتبر فنيش أنه قبل نحو سنة بدأ تطبيق ضريبة القيمة المضافة، فلا يصح أن نجري عليها التعديلات قبل أن تستقر، لأن إجراء التعديلات عليها يعني أنها ضريبة غير مستقرة.

ويدعو فنيش الى "إجراء دراسات عميقة للاقتراح وآثاره على الدورة الاقتصادية ودورة الإنتاج والنمو الاقتصادي، إذا كان سيساعد أم لا".

ويشير النائب فنيش إلى انعكاسات هذه الزيادة على القطاع السياحي ويقول: "إن فرض مزيد من الرسوم على الاستهلاك سيؤثر على السياحة، وتصريحات المسؤولين تشير إلى ازدهار سياحي، وبالتالي الشكوى من غلاء لبنان ستتفاقم، وزيادة الضريبة ستؤثر سلباً على الاستثمار السياحي".

ويخلص النائب فنيش إلى القول: "الاقتراح غير مسؤول، وما دام يصيب الشرائح الدنيا فلا نقدر أن نكون معه".

أمير قانصوه