|
سنة أخرى مرت، جعلت حدث التحرير أبعد زمناً، وأنست الكثيرين
الكثير من التفاصيل، وربما صار من الممكن الحديث عن "التحرير" كحقيقة واقعة،
كفعل له انعكاساته وتداعياته، بعد أن كان الحديث عنه يدخل في إطار رصد
الأفعال وتوصيف الأحداث.
صار من المقبول، لا بل من المطلوب، تأصيل هذا الحدث، وضعه في
السياق التاريخي، وجعله جزءاً من لوحة متكاملة، هي لوحة المنطقة بكل ما فيها
من نقاط ضوء، ومن ظلال، ومن بقع ظلام أسود.
الفرحة لم تزُل، و"تكحيل" العين بتراب بُذلت دماء من أجل
تحريره لم يتحول إلى "روتين" فقد قيمته وأهميته ودوره.
ولكن الفرحة لا تقف عند حدود الحدث وحده، والتراب الممزوج
بالدماء لم يعد كياناً مادياً خالياً من الروح ومن الآثار، وبالتالي هو لا
يمكن أن يفقد "طعمه" بالتكرار، وإذا كانت هناك امكانية لحدوث ذلك انطلاقاً من
طبيعة الأشياء، فإن المطلوب فعلاً هو البحث عن الوسيلة التي تعطي الحدث
أهميته الحقيقية، أهميته على مستوى اللوحة بكاملها، هذه اللوحة التي تتعرض
للكثير من التهشيم والتحطيم تحت سنابك خيل مغول العصر.
الفرحة كبيرة بعودة العيد، وتكون الفرحة أكبر عندما يكون
العيد موجوداً كل يوم، ويكون التحرير عملاً دائماً ودؤوباً، وحركة مستمرة،
لأن "الثوار متى ما توقفوا انتهوا".
والفرحة كبيرة بعودة الأرض، ولكنها ستكون أكبر عندما تعود كل
الأرض، ويتحرر الإنسان، ويصبح القرار قرار إنسان الأرض، لا قرار القادمين من
وراء البحار أشتاتاً ولفيفاً ليقضوا على أي إمكانية للوصول إلى هذا القرار.
الضغوط الكبيرة دليل على أن الفعل كبير، والتهديدات القاسية
إشارة إلى أن الخوف عظيم، والتهويل المتواصل يعلن عما يحاول المهولون إخفاءه
من عجز عن سرقة حلم النصر من عيون المتحفزين لحمايته من السارقين.
في "الانتقاد" هذا العام محاولة لقراءة مختلفة لحدث مختلف،
يفترق عن السياق الذي يهيمن على أحداث المنطقة منذ سنين طوال، ومحاولة لوضع
هذا الحدث في إطاره الصحيح كانطلاقة، كنموذج وكفعل يزرع الوعي بإمكانية قيام
مستقبل غير ذلك الذي يرسمه الراسمون ويخطط له المخططون.
كيف؟
في حنايا مقالات وموضوعات وتحقيقات هذا العدد قرار بوضع
الملامح الأولى لتكوين مشروع عمل للمستقبل، في لبنان وفي فلسطين وفي المنطقة،
كل المنطقة.
"الانتقاد"
|