|
|
جنين ـ علي سمودي
أصبحت الاخبار تشغل الحيز الاكبر من حياة الفلسطينية بنان عبد
السلام أبو الهيجاء, التي تتنقل من محطة لأخرى لرصد كل تطور وكل كبيرة وصغيرة
في قضية الافراج عن الاسرى التي يتولاها حزب الله. ومنذ الاعلان عن تقدم في المفاوضات الدائرة بين حزب الله والعدو، تقول بنان: أعيش حالة توتر وقلق، ولكن في الوقت نفسه آمل ان يُدرج اسم والدي على الأقل ضمن قائمة المشمولين بالصفقة, فهذا الأمل الوحيد لإنقاذ أسرتنا وإفشال مخطط الاحتلال لتشتيت عائلتنا وإبعاد أبي الى الاردن ووالدتي الى غزة. وتضيف: إنني أعيش وأشقائي الاربعة الصغار على هذا الامل الذي سيغمرنا بالسعادة التي غابت عنا في ظل غياب جميع أفراد أسرتنا خلف القضبان. وفي ظل هذا الغياب أصبحت بنان ابنة الثمانية عشر ربيعاً، المسؤول والمعيل للأسرة التي تتكون من أربعة أطفال، أصغرهم ساجدة (6 سنوات)، ويعيشون وحيدين مع جدتهم في مخيم جنين في بيتهم الذي أعيد إصلاحه مؤخراً بعدما تعرض للقصف والحرق من قبل قوات الاحتلال عدة مرات .
حياة مليئة بالاحزان "حياتنا حزن وبكاء ودموع".. تقول بنان وهي تعانق الصغيرة ساجدة التي برغم صغر سنها، لا يقل اهتمامها عن شقيقتها في متابعة أخبار صفقه التبادل.. "ففي سجون الاحتلال يقبع أخي الاكبر عبد السلام الذي اعتقل في معركة مخيم جنين، وبعد رحلة عذاب طويلة حكموه بالسجن 78 شهراً, وكذلك والدتي". تتوقف بنان للحظات بعدما اغرورقت عيناها بالدموع وتضيف: "أمي أسماء لم يراعوا مرضها وحالتها الصحية، انتزعوها من بيننا وهي تقبع رهن الاعتقال الإداري من دون تحقيق أو تهمة أو ذنب.. اعتقلوها للضغط على والدي من لانتزاع الاعترافات ولإجباره على الموافقة على صفقة للابعاد مقابل الافراج عنها.
تردي حالة الأم في سجن تلموند للنساء ـ تقول بنان ـ "يحتجزون والدتي التي جرى تمديد اعتقالها الاداري، ورفضت المخابرات الافراج عنها برغم تحذير أطباء مصلحة السجون الصهاينة من خطورة وضعها الصحي، فهي تعاني من مرض السرطان، وتردت حالتها الصحية لحرمانها من العلاج.. وبرغم تدخل عدة مؤسسات انسانية، فإن الاحتلال يصر على عقابها وعزلها وحرماننا من زيارتها.. ليل نهار أشقائي يبكون، ونحن قلقون جداً على مصيرها، خاصة ان الادارة الصهيونية هددت مؤخراً بإبعادها إلى غزة, وإذا نفذت ذلك فستدمرنا وتشتت عائلتنا للأبد".
والدي معزول ومحروم من العلاج وبرغم مساحات الحزن والألم التي تحتل تفاصيل حياتها، فإن بنان تتحدث عن والدها بشموخ وإباء، فهو رمز للجهاد والمقاومة، وبسبب دوره الوطني خاصة في الانتفاضة الراهنة، طورد ولاحقته قوات الاحتلال التي أصابته بعيار ناري في معركة مخيم جنين في شهر آذار من العام الماضي، وأدى ذلك الى بتر ساقه اليمنى. وتضيف: "بعد مطاردة طويلة تمكنوا من أسر والدي الذي جرى تعذيبه بكل الاساليب الوحشية، واستخدموا أخي ووالدتي للضغط عليه، لكنه صمد وتحدى سجنهم وتعذيبهم، وفشلوا في إثبات أي من التهم المنسوبة اليه". صمود والدي ـ تضيف بنان ـ زاد من حقد وغضب الصهاينة، فقاموا بعزله ولم نتمكن من زيارته منذ اعتقاله قبل عام ونصف العام.. ومؤخراً نقلوه الى أقذر السجون "عزل بئر السبع"، حيث انقطعت أخباره، ومع ذلك ما زال يتعرض للضغوط، خاصة بعدما رفض صفقة للابعاد إلى الأردن". تلقت بنان وعائلتها أخباراً من سجن بئر السبع تؤكد ان حالة والدها الشيخ جمال صعبة جداً، وهناك خطر شديد على حياته بسبب إهمال الادارة في علاجه، ومنع محاميه من ادخال الدواء له. وأضافت: استُدعي أبي قبل أيام من قبل المخابرات وهددوه بمصير مؤلم وعقاب للأبد بسبب رفضه صفقاتهم، لذلك فإننا نوجه نداءً حاراً للامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله لتبني قضيته والعمل على تحريره وإنقاذ حياته من مضاعفات الاعتقال، ومنع ابعاده عنا، فحياتنا تحولت الى جحيم". تتوقف بنان عن الحديث بعدما داهمتها الدموع مرة ثانية، فتتقدم الصغيرة ساجدة لتمسح دمعتها وتقول لنا: "اشتقت لحضن أبي وأمي، لم أعد قادرة على النوم من دونهم، إنني أبكي ليل نهار برغم أن بنان تحاول رعايتنا، ولكن أريد أمي وأبي.. بأي حق أُحرم منهما ومن طفولتي! العيد قادم، ومرة أخرى سيغيب أبي وأمي وأخي. أي قانون أو شريعة تجيز ذلك! إنني أرجو من السيد حسن نصر الله ان يسمع نداء طفلة فلسطينية من مخيم جنين فرض عليها الصهاينة الحياة من دون أب أو أم أو أخ. إننا نموت كل يوم ألف مرة بسبب الاخبار التي نسمعها عن معاناتهم، فهل من مستجيب لنا؟!
خطاب السيد يلف الصمت المكان, وتعجز الألسن عن الكلمات في لحظات اللقاء، بعدما بدأت بنان وأشقاؤها يتابعون أخبار قناة المنار.. فقد اتصل بها اقاربها وقالوا لها إن السيد حسن نصر الله يتحدث عن المعتقلين, فتسارع للمتابعة, وما كاد السيد ينهي حديثه عن الصفقه حتى اغرورقت عينا أطفال الشيخ جمال بالدموع, وقالت بنان: عندما كنت أستمع الى أحاديث الشيخ الجليل شاهدت أبي قادماً فاتحاً ذراعيه لعناقنا, وعندما انتهى الحديث شعرت برعشه وبهاجس يقول لي: أبشري، لن يخيب ظنكم وسيقضي والدكم العيد بينكم في مخيم جنين.
صور أخرى جراح الفلسطينيين النازفة في مخيم جنين تطال الكثير من المعتقلين الذين يكتوون بنيران القهر والسجون، وجميعهم يتأملون الفرج على يد حزب الله، ومنهم عائلة المعتقل الحاج علي الصفوري الذي صدر عليه حكم بالسجن المؤبد خمس مرات، اضافه لعشرين عاما، وتقول زوجته: لدينا أمل كبير بأن ينتصر سماحة السيد حسن نصر الله لنا جميعاً، فالاحتلال هدم منازلنا وشردنا، وزوجي يقبع في العزل الانفرادي في بئر السبع، وأطفاله الخمسة يبكون ليل نهار شوقاً اليه وحزناً بسبب الحكم القاسي، لذلك أناشد حزب الله أن يهتم بالمعتقلين ذوي الاحكام العالية، فالاحتلال يعاملهم بقسوة وإجرام، ويتحدث دوماً انه لن يفرج عنهم، بدعوى ان أيديهم ملطخة بالدماء.. ولكن سماحة الشيخ حسن نصر الله يدرك الحقيقة، وكلنا أمل ان يكافئ هؤلاء الابطال ويحطم كل الخزعبلات والنظريات الاسرائيلية.
شطبوه من كل عمليات الافراج وتشاطر أم محمد الصباغ زوجة الحاج علي مشاعر الأمل بتحرر ابنها الذي أمضى 18 عاماً في سجون الاحتلال.. وتقول: انه يمضي حكماً بالسجن مدى الحياة لأنه قرر ان يدافع عن شعبه ورفض الاحتلال، وفي عملية إفراج شطبوا اسمه وتعرض للتعذيب والعزل، وتوعده الجلادون الصهاينة بأن لا يرى الشمس. وتضيف: أملي بالله كبير بأن يحطم الشيخ حسن نصر الله قيد العدو الدامي، وأن يرى ابني شمس الحرية والمخيم، خاصة أنه الولد الوحيد المتبقي لي ولوالده المسن، فقد استُشهد شقيقه علاء قائد كتائب الأقصى مؤخراً بعدما رُزق بطفل, ولم يبقَ لنا في هذه الدنيا الا الصغير زياد، ومحمد الذي نسأل الله ان يكون فك قيده قريباً برغم أنف الاعداء. آمال كبيرة خلقتها أنباء الصفقه لدى عائلات جميع معتقلي جنين الذين أطلقت عليهم قوات الاحتلال لقب "الملطخة أيديهم بالدماء"، والذين رفضت الافراج عنهم, فالامهات والاطفال ينتظرون الفرج القريب.. وقالت أم سالم المحروم التي يُعتقل ولدها منذ 18 عاماً ومحكوم بالسجن مدى الحياة: "توفي والده وهو يتلهف للقائه وعناقه، وأملي ان لا يتكرر الموقف معي.. أمنيتي الوحيدة ان تتكحل عيناي بسامر عريساً محرراً، وأرجو ان لا يخيب ظننا، وأن يصر سماحة الشيخ الجليل على إنصاف هؤلاء والافراج عنهم، فهو الامل، وإلا فإنهم سيقضون حياتهم في جحيم السجون التي نالت من حياتهم وحياتنا". |