|
|
|
تجددت الاحزان في كربلاء التي كانت على موعد مع الملايين من ابناء الشعب العراقي في
ذكرى اربعين الامام الحسين عليه السلام. وتحولت هذه المدينة المقدسة التي قدم فيها
الامام الحسين عليه السلام منذ الف وثلاثمئة وثلاث وستين سنة وأهل بيته واصحابه
حياتهم في مواجهة الظلم، تحولت الى ما يشبه البركان الهادر الرافض للظلم الذي يمثله
الاحتلال الاميركي لارض العراق. لم تكن مناسبة ذكرى اربعين الامام الحسين عليه السلام هذا العام عادية, بل حملت اكثر من مضمون سياسي وشعار رفعه الملايين من ابناء الشعب العراقي في مدينة كربلاء المقدسة, لكنها كلها اجتمعت على عنوان واحد مفاده ان العراق للعراقيين الذين يرفضون الاحتلال وحكومته العسكرية. فهذه الذكرى اتت في ظل حدثين مهمين وقعا في العراق، اولهما سقوط نظام صدام حسين، وثانيهما الاحتلال الاميركي للعراق الذي جاء بشعارات وعناوين مختلفة لم تنطل مطلقا على معظم ابناء الشعب العراقي, اذ ان الملايين التي تجمعت في كربلاء المقدسة رفضت كلا الامرين، وقالت بصوت واحد على الرغم من الاختلافات بينها "لا للاحتلال ولا لصدام" على حد سواء. واعلن العراقيون بوضوح لا لبس فيه تمسكهم بالاسلام والحوزة العلمية في النجف الاشرف كمرجعية سياسية ايضا فضلا عن الدينية, رافضين اياً من الرموز العراقية التي كانت منضوية تحت لواء الحكم المنهار، او تلك التي اتت على ظهر الدبابات الاميركية. ولئن دل هذا التجمع المليوني في كربلاء على شيء، فإنه يدل على الشغف الذي يعيشه العراقيون لاحياء هذه المراسم التي حرموا منها على مدى اكثر من ثلاثين عاما في ظل النظام البائد. فاضافة الى الاعداد الهائلة التي قطعت مسافات طويلة سيرا على الاقدام للوصول الى مرقد الامام الحسين عليه السلام والتي سار بعضها اكثر من الاربعمئة كيلومتر, فإن القدرة الفائقة على تنظيم هذا التجمع حيث لم يقع اشكال يذكر, اذ تعجز الكثير من الانظمة على ادارة وتنظيم مثل هذه التجمعات, قد اثبتت ان هذا الشعب جدير بحكم نفسه من دون اي وصاية من المحتل الاميركي, وخاصة ان هذا التجمع قد اتى ولم يمر سوى ايام على سقوط النظام حيث البلاد ما زالت ترزح تحت فوضى عارمة. وقد شكل هذا الامر مفاجأة غير محسوبة للاميركيين، وبالطبع قد ازعجهم ذلك، ربما ايضا لان الشعارات التي ظنوا انهم لن يسمعوها من العراقيين وبهذه السرعة ومن هذه الكتلة البشرية الضخمة. وقد حاول الحاكم الاميركي على العراق الجنرال جاي غارنر ان يقلل من شأنه، وكأن هذه الملايين لا تعني عند ادارته شيئا اذ اعتبر ان ما جرى في كربلاء مدبر, وان اغلبية العراقيين تقدر الوجود الاميركي. ولعل الاميركيين بدأوا يدركون وإن بشكل متأخر ان كل هذه التحركات الشعبية التي جرت في اربعين الامام الحسين عليه السلام في كربلاء وقبلها في بغداد والبصرة والناصرية وعلى اختلافها تشير لبداية مرحلة جديدة سينتهجها العراقيون في التعامل مع الاحتلال الاميركي، وهو ما دفع الجنرالات الاميركيين الى الاجتماع مؤخرا للتباحث في الاستراتيجية المطلوبة لاحتواء الشيعة حسب ما قالت صحيفة الواشنطن بوست الاميركية. وبالرغم من الضخ الاعلامي الاميركي المبرمج للاستحواذ على عقول العراقيين والتأثير عليهم وخداعهم بأنهم غير محتلين وانما محررون, وبالرغم من اظهار الاعلام الاميركي بأن العراقيين يرحبون بالوجود الاميركي ويتعاملون معه الا ان ما عكسته مدينة كربلاء قد فضح زيف ادعاءاتهم امام العالم كله، واثبت ان الشعب لا يرضى بالاحتلال ولا يركن لحكومة تفرض عليه، وانما يطالب بحكم نفسه بنفسه، وباختيار ممثليه، الامر الذي دفع الاميركيين للهروب الى الامام من خلال اتهاماتهم الموجهة لايران بلعب دور في العراق لا سيما في ما شهدته مدينة كربلاء في محاولة تهدف الى التعمية عن احد الاخفاقات التي من المتوقع ان تمنى بها واشنطن بشكل مطرد كلما طال احتلالها لهذا البلد. |