|
|
|
قمة
الاتحاد الأوروبي في أثينا أقرت ضم عشرة بلدان أوروبية جديدة. تعبير عن القوة
الضرورية لمواجهة القطبية الأميركية الواحدة. لكن هذا الحدث مضافاً الى تداعيات
الاحتلال الأميركي للعراق ينطوي على أخطار تهدد الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً أن رهانه
الأساسي حالياً لا يتجاوز سقف الأمم المتحدة.
كان يمكن لقمة أثينا التي جمعت رؤساء ووزراء خارجية من 41 بلداً أوروبياً لتوقيع اتفاقية انضمام عشرة بلدان جديدة الى الاتحاد الأوروبي... كان يمكن لها أن تمر كالعديد من القمم الأوروبية التي كثيراً ما كانت تأخذ أشكالاً إجرائية للمصادقة على مشاريع أو قوانين سبق لها أن اشبعت درساً من قبل الهيئات المختصة. ولكن هذه القمة التي عقدت يومي الأربعاء والخميس في السادس عشر والسابع عشر من نيسان/ إبريل الحالي، وقام بتغطية أعمالها أكثر من 2500 صحافي، وحمتها من غضب رافضي الحرب على العراق ومناهضي العولمة قوة من عشرين ألف شرطي، اكتسبت أهميتها أيضاً من تطورات الوضع العراقي، ومن كونها تأتي في وقت يتركز فيه الاهتمام الدولي على عراق ما بعد الحرب بشكل لا يقل عما كان عليه قبل الحرب وأثناءها. كما ان حضور القمة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي آنان، جاء مؤشراً على أهميتها كحدث ذي صلة بالعراق أكثر منه كحدث ذي صلة بتوسيع الاتحاد الأوروبي.
أوروبا أكثر قوة وحتى عملية توسيع الاتحاد الأوروبي نفسها جاءت، من بعض وجوهها، مرتبطة بالهواجس الأوروبية ذات الصلة بالاحتلال الأميركي للعراق بوصفه تعبيراً عن توجهات واشنطن نحو إحكام هيمنتها الإمبريالية على العالم. وبهذا المعنى، تحدث رئيس الوزراء اليوناني، كوستاس سيميتس، في حفل الافتتاح عن ضرورة العمل من أجل "أوروبا أقوى" و"أكثر وحدة لكي لا يتم تحديد مصيرها من قبل قوى عظمى". ولا شك، من الناحية الظاهرية، أن توسع الاتحاد الأوروبي وتحول اوروبا الـ"15" الى أوروبا الـ"25" ينطوي على المزيد من القوة. فانضمام عشرة بلدان جديدة منها ثمانية كانت، قبل عقد من الزمن، أعضاء في حلف وارسو، ورمزية تحديد يوم الأول من أيار/ مايو 2004 (عيد العمال العالمي) لدخول هذه البلدان بشكل ناجز ونهائي الى الاتحاد، هو أمر كان من شأنه أن يذهل كثيرين في مقدمتهم زعماء أوروبا الغربية الذين كان يتملكهم الرعب من سطوة الجيش السوفياتي في الخمسينيات والستينيات. غير أن هذا التقدم الكاسح الذي امتدت بفضله حدود أوروبا من الدائرة القطبية الشمالية الى الجزر الجنوبية في البحر المتوسط (قبرص ومالطا)، ومن مياه الأطلسي في الغرب الى حدود البلقان وروسيا شرقاً ينطوي بدوره على العديد من عوامل التفسخ.
توترات في مقدمتها أن الشارع في بلدان الاتحاد الأساسية لا يغفر لحكوماته، كما كان عليه الأمر قبل قرن من الزمن، تقصيرها في المجال الاجتماعي لمجرد أنها تحقق انتصارات عسكرية أو سياسية تسمح لها برفع أعلامها فوق آفاق جديدة ومتزايدة الاتساع. ففي كل يوم تشهد الساحة الأوروبية مزيداً من التظاهرات وأعمال العنف رداً على السياسات الليبرالية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وما يرافق ذلك وينجم عنه من إفلاسات وتسريحات وتباطؤ في النمو وارتفاع في أرقام التضخم وتراجعات في مجال الضمانات الاجتماعية. وإلا فكيف نفسر تحول تظاهرات رفض الحرب التي جرت في الشوارع المحيطة بمكان انعقاد القمة الأوروبية في أثينا الى حرب حقيقية بين رجال الشرطة وآلاف المتظاهرين الذين لم يميزوا وهم يلقون الحجارة والزجاجات الحارقة بين سفارات البلدان المؤيدة للحرب وسفارات بلدان كفرنسا وألمانيا اللتين وقفتا ضدها حتى اللحظة الأخيرة؟ فالحقيقة أن حيزاً واسعاً من الشارع الأوروبي قد استنكر الحرب على العراق بوصفها مظهراً متقدماً من مظاهر العولمة، دون أن يزيل ذلك عنصر التوتر بينه وبين الحكومات التي رفضت الحرب ولم تعتمد سياسات داخلية موازية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. ومن عوامل التفسخ الأخرى أن التوسع الجديد سيضم الى الاتحاد عشرة بلدان لا يصل متوسط الناتج الفردي فيها الى 12 ألف يورو سنوياً، وهو رقم يقل كثيراً عن متوسط الناتج الفردي الأوروبي البالغ 23200 يورو. وهذا الفارق يعزز التوجهات اليمينية (الوطنية) داخل بلدان الاتحاد لضم أعضاء جدد، لأن ذلك يعني وضع المزيد من الأثقال على كاهل الاتحاد، حيث ان العديد من البلدان التي يزيد الناتج الفردي فيها عن 35 ألف يورو سنوياً تعتبر نفسها مغبونة من الأساس. ومن هنا، يعتقد الكثير من المراقبين أن توقيع اتفاقية ضم البلدان العشرة الجديدة (بولندا، سلوفاكيا، سلوفينيا، لاتفيا، استونيا، ليتوانيا، تشيكيا، المجر، قبرص، مالطا) ما كان يمكنه أن يتم فيما لو عرض على الاستفتاء الشعبي في بلدان الاتحاد الخمسة عشر. ذلك أن الأوساط الشعبية في هذه البلدان تشعر بالغبن نفسه، كما انها لا تشعر بوجود ما يكفي من الروابط النفسية والمعنوية مع سكان أوروبا الشرقية المختلفين من حيث اللغة والثقافة والتلوينات الدينية، إضافة الى الفارق الكبير في المستوى الاقتصادي. وفي هذا المجال، بينت بعض استطلاعات الرأي مؤخراً أن 40 في المئة من سكان الاتحاد لا يعرفون اسم واحدة فقط من الدول العشر التي اكتسبت عضويتها في الاتحاد.
وهن عسكري وهنالك أيضاً عنصر هام من عناصر التفسخ وهو المتمثل بكون معظم البلدان الجديدة أكثر قرباً من الناحية السياسية الى واشنطن. فقد شارك بعضها في نداء الثمانية المؤيد للحرب على العراق، وأرسل جنوداً للمشاركة في الأعمال العسكرية وسمح للقوات الأميركية بالانتشار في أراضيه. وكان الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، قد هدد بعرض فكرة انضمام هذه البلدان الى الاتحاد وعلى الاستفتاء الشعبي استياءً من مواقفها تلك، وتذكيراً لها بالثمن السياسي للانضمام الى الاتحاد. والأهم من كل ذلك أن الحديث عن أوروبا "أكثر قوة" يظل عرضة للشوائب في وقت يبرز فيه العنصر العسكري ـ في حروب أميركا الجديدة ـ كتعبير أساسي عن القوة. فالواقع أن الأوروبيين الذين لا تتساوق طموحاتهم الوحدوية مع مساعيهم الهادفة الى بناء جيشهم الخاص، في ظروف تنحية الأطلسي او تجاوزه أو إساءة استخدامه من قبل الولايات المتحدة.. يتلعثمون حتى عندما يضطرون الى الحديث عن أمن أوروبا. ذلك مَثَل وزير الدفاع الألماني، بيتر شتروك، عندما نفى، على هامش قمة أثينا، سعي برلين الى إقامة حلف عسكري موازٍ للأطلسي. وذلك أيضاً مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ التي لا تنوي بلدان الاتحاد الأخرى اللحاق بها الى اجتماع بروكسيل المزمع عقده في أواخر الشهر الحالي للبحث في إرساء سياسة امنية أوروبية.
حصان الأمم المتحدة وفي هذه الظروف التي تطبق فيها على أوروبا الغيوم القاتمة لحصتها من الهزيمة في الحرب الأميركية على العراق، قد يكون من الممكن لـ"قمة رأب الصدع" أن تعيد المياه الى مجاريها من الناحية الشكلية، وعلى المدى القصير عبر جلوس شيراك وشرودر جنباً الى جنب مع بلير وبيرلسكوني وأزنار، وعبر العديد من الإشارات الودية تجاه الرئيس بوش. ولكن إدارة الوضع العراقي وتداعياتها الإقليمية والدولية، ولا سيما معركة رفع العقوبات وشطب الديون التي فتحها الأميركيون، ستدخل تغيرات كبرى على عالم ما بعد الحرب. وهذا الواقع يدركه الأوروبيون جيداً، ولكنهم يراهنون فقط على حصان الأمم المتحدة لإقامة توازن في العراق مع الوجود العسكري الأميركي، وإلا فللاحتماء تحت سقفها المتداعي من الثور الأميركي الهائج في العراق (التعيبر لمراقبين أميركيين) والذي لا يخفى عزمه على تنظيف العالم، لا الشرق الأوسط وحده، من كل ما لا ينسجم مع صورة "الخير" كما يرسمها شارونيو الإدارة الأميركية. وبالطبع، فإن الإدارة الأميركية التي بدر منها ما يدل على توجه حقيقي نحو إزاحة المنظمة الدولية عن المسرح، لا تنوي إعطاء الأمم المتحدة غير دور "إنساني واستشاري" بالدرجة الأولى، على ما ورد في تصريح للرئيس بوش. أما وزير حربه دونالد رامسفيلد فقد هدد بالفيتو ضد أي قرار قد يتخذه مجلس الأمن لإشراك الأمم المتحدة في إعادة ما يسمى بالإعمار. وهذا يعني أن على الأوروبيين الذين اتسخ سجل علاقتهم بواشنطن من جراء موقفهم من الحرب على العراق أن يبحثوا عن وسائل أخرى للدفاعن وخصوصاً أن الهجوم بتوسيع الاتحاد قد يفضي الى المزيد من عناصر التفكك. عقيل الشيخ حسين |