|
|
نابلس ـ عزيزة نوفل أكثر من 30 ألف مواطن فلسطيني تعرضوا لحادثة اعتقال واحدة على الأقل منذ بدء انتفاضة الأقصى وحتى نهاية العام 2002... وقدرت مؤسسة "مانديلا" التي تعنى بوضع الأسرى في المعتقلات الصهيونية عدد المعتقلين الفلسطينيين والعرب بنحو 5759 أسيراً موزعين على 21 سجنا ومركز اعتقال ومركز تحقيق. وطالت هذه الإعتقالات النساء والأطفال والفتيات والقاصرين والمرضى والمصابين والطلبة والأكاديميين والعمال والموظفين والصحافيين وكوادر الإسعاف والطواقم الطبية وعناصر من أجهزة الأمن الفلسطينية، وكذلك قيادات في فصائل المقاومة، بحيث قدرت جهات فلسطينية مختصة بأن نحو 90% من المعتقلين كانوا من السكان المدنيين واعتقلوا بشكل عشوائي ودون تمييز... وكل ذلك تحت مسمى "مطلوبين".
تبدأ رحلة العذاب للأسرى قبل الاعتقال، ومن لحظة الشروع في اجتياح مدينة هنا أو مخيم هناك، أو قرية في مكان ما في فلسطين المحتلة، حيث يصبح الجميع رهن الاعتقال والخوف والرعب. ومع الانتهاء من الاجتياح تبدأ مرحلة تجميع المعتقلين عبر المناداة بمكبرات الصوت ليتكدس المعتقلون جماعات كبيرة في أماكن تضيق عليهم. ثم تبدأ مرحلة أخرى من الترويع والإرهاب النفسي والمعنوي للاعتراف بتهمة لا يعلم عنها المعتقل شيئاً. وفي كثير من الأحيان توفر قوات الاحتلال الصهيوني جواً من الرعب بين المواطنين والسكان، وتلجأ إلى استخدام طرق غير مشروعة. وسجلت العديد من الحالات التي جرى خلالها استغلال المدنيين كدروع بشرية عند محاولة اعتقال أحد الشبان من أجل توفير الحماية للجنود، وخاصة في الحالات القليلة التي يتوقع أن يكون فيها الشخص المطلوب للاعتقال مسلحاً. يقول مهند السايح أحد الشبان الذين تعرضوا للاعتقال لمدة تزيد عن الأسبوع في أحد العمارات السكنية خلال الاجتياح الأول لمدينة نابلس:"قاموا باعتقالي من بيتي، في اليوم الثالث من الاجتياح، وبعد أن قيدوني وغطوا وجهي، اقتادوني إلى جهة لم أكن أعرفها، وعندما أزاحوا الغطاء عن وجهي بعد أكثر من ساعتين اكتشفت أنني بين أكثر من أربعين شابا في شقة واحدة، وبالصدفة تعرف أحد الشبان على صاحب الشقة، وعلمنا أننا في عمارة سكنية في إحدى ضواحي المدينة، وبعد أكثر من أسبوع أطلق سراحنا لنكتشف أن العمارة بأكملها كانت قد تحولت إلى مركز اعتقال..". رحلة المعاناة والتعذيب للمعتقل تبدأ بعد اعتقاله مباشرة، وقد يتعرض للضرب والإهانة أمام أسرته وحتى قبل ترحيله. وفي هذه المرحلة، يتعرض المعتقل إلى سلسلة من الإجراءات المذلة، إذ يجبر في الكثير من الأحيان على خلع ملابسه والانبطاح أرضا في حين يكون مقيد اليدين والقدمين ويترك في العراء لساعات طويلة. الاعتقال من البيت، أكثر الأنواع شيوعاً، وغالباً ما يتم في ساعات متأخرة من الليل لإحراز عامل المفاجأة والصدمة لأهل البيت. يحاصر الجنود المنزل ثم يقتحم عدد كبير منهم المنزل ومعهم رجل من استخبارات المنطقة. وقد يكون الاقتحام عن طريق تسلق الجدران او الدخول من شرفات المنازل. يستيقظ أهل المنزل، والجنود يصوبون فوهات البنادق إلى رؤوسهم وهم يصرخون بأصوات عالية ويطلبون منهم التزام الصمت وعدم الحركة. تخريب وإهانة... غالباً ما تترافق عملية الاعتقال مع تخريب متعمد للمنزل المداهم، فيعيث الجنود فساداً فيه، ويفتشون دولاب الملابس، المكاتب، الأوراق، ثم يلقون القبض على المطلوب. ولا تنتهي القصة هنا، إذ يبدأ فصل آخر من الإذلال والإهانة. يقوم الجنود بضرب المعتقل أمام أهل بيته وعلى مرأى أطفاله بقصد إرهاب ذويه وكسر صورة المثل الأعلى لدى الأطفال عندما يكون المعتقل والدهم. عند الخروج من المنزل، يقيد الجنود يدي المعتقل إما بالحديد أو بقطعة من البلاستيك تسبب آلاماً شديدة، وتعصب عينيه ويضعون على رأسه كيساً رائحته كريهة لا يمكن الرؤية من خلاله، ويقوم الجنود بحمل المعتقل ورميه في قاع عربة الجيش حيث يقوم الجنود بضربه وركله وتهديده وشتمه لتبدأ رحلة المعتقل إلى المجهول. المحامي إبراهيم مهنا، محامي مؤسسة "مانديلا" نقل عن زميله المعتقل في سجن عسقلان، داوود الدرعاوي (27 عاما) ما تعرض له من تعذيب أثناء التحقيق فقال:"عدة محققين حاولوا إيهامي بوجود زوجتي في السجن، وهددوني بأنهم سيرسلون إليها أربع محققين يوميا إذا لم أعترف..." وأضاف:"في اليوم الرابع من اعتقالي جرى نقلي إلى غرفة بجوارها كانت زوجتي وقاموا بإسماعي صوتها عبر الباب الذي تعمدوا تركه مفتوحا...، وراح يسألني الضابط: تخيل يا ترى من تلك الفتاة التي في الغرفة المجاورة...؟، بعدها راح يضحك بقوة ويقول: إنها زوجتك لا بد أنك عرفت صوتها... وعندما أخذوا يضغطون عليّ أكثر، والضابط يسخر مني ويتهمني أنني بلا كرامة لأن زوجتي ستتعرض للاعتداء والتعذيب وطفلتي الصغيرة متروكة في الخارج دون رعاية وهي مريضة... في ما بعد اكتشفت أن زوجتي المحامية كانت أتت لتزورني مع مجموعة من المحامين فقاموا باحتجازها لفترة لإيهامي بأنهم سيعتدون عليها...". غرف العار عرفت طريقة "غرف العار" منذ الانتفاضة الأولى حيث استحدثتها الأجهزة الأمنية الصهيونية من أجل انتزاع الاعترافات من الشبان الفلسطينيين دون أن يعلموا بذلك. وذكرت دراسة أعدها نادي الأسير الفلسطيني أن 80% من المعتقلين أدلوا باعترافاتهم في غرف العملاء دون أن يدركوا أن هذه المعلومات يقدمونها لعملاء يعملون لمصلحة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الداخلي (الشاباك)، وتبين الدراسة أن معظم الأسرى الذين وقعوا ضحية هذا الأسلوب هم من ذوي التجربة الأولى في الاعتقال. في هذه الغرف تطور "إسرائيل" من أداء المتعاونين معها بحيث توحي للمعتقل أنه موجود بين أسرى مثله بعد أن يتم إشعاره أنه انتهى من التحقيق ونقل للمعتقل الذي سيقضي فيه حكمه. والجديد في غرف العملاء خلال هذه الانتفاضة أنها لم تعد مقتصرة على غرف صغيرة بل أصبحت أقساما مختلفة وواسعة يوجد فيها عدد كبير من الأسرى الذين يعتقدون أنهم في السجن، وتمارس فيها عادات السجن ونظامه وتوزع فيها الأدوار والمسؤوليات . وعندما يصل أسير جديد إلى هذا المكان يستقبل على أنه مناضل وتوفر له احتياجاته، ومن ثم يتم الجلوس معه من قبل اللجنة الأمنية في السجن لمعرفة ماذا حصل معه وعلى ماذا اعترف، ويكون الحديث بالطبع مع عملاء محترفين يقومون برفع تقارير إلى الموجه العام الذي هو أيضا عميل بدوره. يمكث الأسير داخل هذه الغرف أشهراً عدة دون أن يعلم أنه فيها, وأحيانا تصدر المحكمة العسكرية بحقه اعتقالا إداريا لعدة أشهر ويكون حكما وهميا لغرض إيقاعه في هذه الأقسام، ويكون المعتقل خلال هذه الفترة قد عمل على بناء محيط اجتماعي وثقافي وعلاقات قوية مع الموجودين الذين يعطونه الأمان دوما ويخبرونه أن عليه الإدلاء بكل المعلومات التي اعترف بها خاصة إذا كانت عن أشخاص عاديين خارج السجن من أجل تحذيرهم ليحتاطوا، والأسير الذي يرفض الإدلاء بمثل هذه المعلومات يتهم بالخيانة وعدم التعاون مع التنظيم وتمارس عليه ضغوطات نفسية وجسدية صعبة. الاعتقال الإداري هناك أكثر من 1099 معتقلاً إدارياً موزعين على سجون "النقب","عوفر", "ايلون" و"الرملة" حسب إحصاءات مؤسسة مانديلا، وهناك ما نسبته 80% من الأسرى الإداريين يجري تجديد اعتقالهم. ومن جهة قانونية يعتبر هذا الاعتقال، انتهاكاً لكل القوانين التي تحتم "حق المعتقل في توجيه تهمة وتحديد محاكمة عادلة له". المحامي"رزق شقير" باحث في القانون الدولي، اعتبر هذا الاعتقال من أكثر الانتهاكات للاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقيات جنيف التي تحرم هذا الاعتقال، وقال: "ان "إسرائيل" هي الوحيدة في العالم التي تستخدم هذا الأسلوب في الاعتقال، وللأسف بأعداد كبيرة في هذه الفترة. وتابع "إن استخدام إجراء الاعتقال الإداري يعد خرقاً واضحاً للقواعد الدولية التي تقضي بوجوب عدم تقديم أي متهم للمحاكمة او حرمانه من حريته إلا على أساس قانوني وتهمة محددة توجه إليه، وفي الاعتقال الإداري يتم حجز المتهمين على أساس تقارير سرية تصدر من جهاز المخابرات لا يطلع عليها حتى القاضي الذي يحكم بالقضية". أطفال قاصرون حملات الاعتقال الفردية والجماعية وما يتبعها من أساليب تعذيب بشعة، لا تقتصر على الكبار فقط، إنما تشمل الأطفال والأشبال والقاصرين، وينال هؤلاء منها حظاً وافراً. ويبلغ عدد الأطفال المعتقلين 157 طفلا موزعين على سجون "تلمون", "النقب" و"عوفر" حسب إحصاءات "مانديلا". ويستخدم المحققون أبشع أساليب التعذيب بحق هذه الفئة التي يعول عليها المحققون كثيرا نظرا لصغر سنهم وإمكانية التأثير عليهم بالتعذيب. ونتيجة تردي أوضاع المعتقلات، فإن المئات من المعتقلين باتوا يعانون من مشاكل صحية وأمراض مزمنة في بعض الحالات. ويضاف إلى الحالات المرضية أن الكثير من حالات الإعتقال يتم اختطافها من سيارات الإسعاف أو العيادات الطبية في حالة الإصابة بجروح، أو حتى اختطافها بعد إطلاق النار عليها ومنع سيارات الإسعاف من الاقتراب لإنقاذ الجريح كما حدث مع الأسير غسان مسعد من مدينة نابس الذي تم اعتقاله بعد تعرضه لأربع إصابات جراء إطلاق النار عليه من قبل الجيش الإسرائيلي.. وقد بلغ عدد المعتقلين المرضى والأسرى في السجون 450 أسيرا حسب مصادر نادي الأسير الفلسطيني. ويذكر أنه نتيجة للأوضاع الصحية المتفاقمة في السجون ومعسكرات الاعتقال الصهيونية فإن قوات الاحتلال باتت مسؤولة عن إعدام نحو 120 أسيرا فلسطينيا منذ بداية انتفاضة الأقصى، بعد أن اعتقلوا أحياءً، وتعتبر هذه المسؤولية مباشرة إما بمنع تقديم العلاج للجرحى والمرضى منهم أو بتصفيتهم عن طريق التعذيب العنيف. الزيارات ممنوعة وبسب بالحصار وإحكام إغلاق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 حيث تقبع معظم السجون الصهيونية، لم يتمكن الآلاف من أهالي المعتقلين من زيارة أبنائهم منذ فترة تزيد عن السنة، الأمر الذي يشكل ضغطا نفسيا إضافيا على الأسرى داخل السجون. ويقول المحامي فارس أبو الحسن ان إدارات السجون تشدد من حصارها على المعتقلات والسجون، وتحول من خلال سياسة الإغلاقات دون وصول الأهالي لهذه السجون، كما انها في الكثير من الأحيان ترفض زيارات ممثلي الصليب الأحمر الذين يعتبرهم الأهالي حلقة الوصل مع أبنائهم حيث يتم من خلالهم إيصال الملابس والرسائل والكتب وما إلى ذلك. ومن جانبها ذكرت مؤسسة مانديلا في تقرير لها أن الزيارات شبه معدومة وتنظيمها يقتصر على الصليب الأحمر الدولي، كما ان شروط الزيارة معقدة، وهي موضوعة بعناية بحيث يحرم الأهالي من زيارة أبنائهم بذرائع واهية. وأكد مكتب الصليب الأحمر في مدينة رام الله أن زيارات أهالي المعتقلين لأبنائهم تكاد تكون معدومة منذ ما يزيد عن السنة. أحكام مؤبدة متعددة وفي هذا السياق تبرز مشكلة الأحكام المضاعفة ضد المعتقلين، إذ ارتفع مستوى هذه الأحكام التي تصدرها المحاكم الصهيونية بشكل لافت، ويضاف اليها تعدد الاحكام "المؤبد" أي مدى الحياة. وحسب إحصائيات مؤسسة التضامن الدولي فإن نحو "300" معتقل في معتقلات الاحتلال يخضعون للحكم مدى الحياة على درجات، ويقول المحامي أبو الحسن، مسؤول مؤسسة التضامن الدولي: "اذا سمح لنا باستئناف الحكم ففي الغالب تكون محكمة الاستئناف هي المشكلة، وإمكانية تخفيض الحكم تكون قليلة جدا ان لم تكن معدومة". ويعلل ابو الحسن، بأن هذه السياسة تخدم السياسة العامة للحكومة الصهيونية في الظروف الحالية، فالمحاكم العسكرية أصبحت من الوسائل التي تهدف الى القضاء على الانتفاضة. |