زيادة الرسوم على الكهرباء:
صعق الشارع وتوتير الأوضاع الاجتماعية

 


صعقت زيادة رسم الاشتراك الشهري لعدادات الكهرباء الساحة اللبنانية، وزاد مجلس إدارة كهرباء لبنان عبئاً جديداً على المواطن الذي يعاني أصلاً من الضائقة الاقتصادية والاجتماعية. قرار الزيادة وُوجه بالرفض والاستهجان من قبل المواطنين والهيئات والاتحادات النقابية والحزبية والاقتصادية والسياسية، وأعاد الملف الى طاولة مجلس الوزراء الذي سيبحث الزيادة والمقررات التي سبق لمجلس الوزراء أن اتخذها في جلسة سابقة. حركة الاعتراض والتوتر إزاء القرار، انعكست بالدعوة الى اعتصامات وتظاهرات دعت إليها الأحزاب والنقابات الصناعية والاتحاد العمالي العام، فيما بدا أن بعض المسؤولين يحاولون غسل أيديهم من الأزمة.

 

اعتاد اللبنانيون على "الصدمات الكهربائية" حتى أضحت جزءاً من حياتهم اليومية، وباتت القرارات الإدارية و"الفرمانات" الحكومية التي أقل ما يقال عنها انها همايونية، تدفعهم الى الترحم على حياة "السراج والفتيل"، فلا يكاد المواطن ينام على أزمة حتى يستفيق على أخرى أشد وأدهى، وكأنما المطلوب منه أن يبقى أسير دوامة العجز والافقار.

فالقرار الأخير الذي صدر عن مجلس إدارة كهرباء لبنان برفع رسم الاشتراك الشهري لعدادات الكهرباء الى ثلاثة أضعاف، أي بمعدل وسطي مقداره عشرة آلاف ليرة يزيد تبعاً لقوة العداد، مضافاً إليه رسم التأهيل والضريبة على القيمة المضافة، ليصبح الرقم تعجيزياً بالنسبة الى المواطنين من أصحاب الدخل المحدود..

ويتساوى هذا "الهم الكهربائي" لدى المواطن مع هم المؤسسات الصناعية والهيئات الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، فالجميع محكوم "بمقصلة" هذا الرسم، سواء استُهلكت الطاقة أو لم تُستهلك، ولذلك لم يفلح وزير الطاقة أيوب حميّد الذي وقّع على القرار ومعه وزير المالية فؤاد السنيورة، في تمريره بأقل قدر ممكن من ردود الفعل التي بدت "مكهربة" سياسياً ونقابياً واجتماعياً، وإن بدا البعض مقتنعاً بتبريرات خلفية القرار التي تقول إن ارتفاع رسم الاشتراك عائد الى ارتفاع سعر النفط عالمياً، وإن مؤسسة كهرباء لبنان عاجزة عن سداد الديون المترتبة عليها، وهي التي وصلت الى مليارين و360 مليون دولار، إضافة الى الهدر.. إلا أن هؤلاء رفضوا تحميل المواطن عبء أخطاء الحكومات المتعاقبة إزاء هذا القطاع الحيوي.

ولعل الإيضاحات التي طلبها رئيس الجمهورية العماد إميل لحود حول القرارات التي سبق لمجلس الوزراء ان اتخذها في الجلسة التي خُصصت لمعالجة وضع الكهرباء في آذار/ مارس الماضي، خير دليل على التعاطي غير السويّ مع هذا الملف، وهو ما يثير العديد من الأسئلة حول مصير القرارات التي صدرت عن مجلس الوزراء، والوعود التي أُطلقت بشأن جعل التغذية بالتيار الكهربائي مستمرة 24 ساعة على 24.

وبدا الرئيس لحود منزعجاً من الطريقة التي طُرح فيها الموضوع، حيث أوجد حالة من الهستيريا في صفوف القوى السياسية والحزبية والنقابية والشعبية التي تداعت الى الاعتصام أمام مقر مجلس الوزراء في المتحف. وأكد أن أي إجراء يتناول زيادة في الرسوم يجب أن يكون مدروساً للغاية ويطبق في توقيت ملائم ويتزامن مع انتظام في الخدمة التي يدفع المواطن ثمنها، وهو ما يشير الى إمكانية عدم تمرير القرار.. وإذا كان هم المسؤولين ـ على حد قول بعض المصادر المطلعة على واقع الكهرباء ـ "إنهاض" القطاع الكهربائي من كبوته، لكان يفترض أولاً وأخيراً سد منافذ الهدر المالي والكهربائي في هذه المؤسسة قبل ان "تُفتح العيون" على هذا المواطن. فهناك دوائر حكومية وقوى سياسية نافذة تمتنع عن دفع المستحقات الواجبة عليها، وإذا دفعت ما هو واجب عليها يمكن تقليص الهدر الحاصل في الكهرباء الذي يصل الى حدود  الـ30 في المئة. وتتابع المصادر: أين أصبح الربط السداسي الذي قيل عنه الكثير؟ أين هي غرفة التحكم؟ وهي عبارة عن جهاز مهمته ضبط السرقات!..

وتتساءل المصادر: كيف يحق لمؤسسة كهرباء لبنان أن تتخذ قراراً من هذا النوع بمفردها؟ أما كان يفترض بها رفعه الى مجلس الوزراء للحصول على الموافقة عليه؟

 

اعتراف

وما صرح به الوزير حميد من أن القرار سيحال على مجلس الوزراء قد شكل بحد ذاته اعترافاً ضمنياً بالخطأ الذي وقعت فيه المؤسسة ومن خلفها الوزيران حميد والسنيورة، ذلك أن وزير الوصاية شعر بأنه بات وحيداً في "الميدان"، ورغب بل استعجل أن يكون القرار على طاولة مجلس الوزراء لنفض "غبار" وتبعات هذا الموضوع عن كاهله، قبل أن "يحرق أصابعه" به.

بيد أن واقع الحال كما يقول رئيس جمعية الصناعيين في لبنان فادي عبود لـ"الانتقاد"، يبدو خلاف ذلك، مؤكداً أن ما صدر عن الوزيرين حميد والسنيورة لم يكن بمحض إرادتهما، بل تعليمات سربت من مراجعهما، فضلاً عما قيل أو يتردد في الأوساط الإعلامية عن أن ما يطبق اليوم هو جزء من توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين القاضية برفع بدلات الاشتراكات.

 

صاعقة

.. إذاً البلاد أصابتها "صاعقة" كهربائية، وحذرت أحزاب سياسية وهيئات نقابية واجتماعية وصناعية من مغبة الزيادة.

وحذر حزب الله في بيان له من الاستخفاف بحق المواطن في الحياة الكريمة، مؤكداً أنه لا يقبل بمعالجة فشل الإدارة والتحصيل والحلول الجارية بتحميل عامة الناس من الفقراء والمستضعفين كلفة سوء الإدارة ومساوئ الخطط المقررة. ودعا الوزراء المختصين الى إلغاء هذا القرار ودراسة الحلول المناسبة التي لا تزيد من المعاناة الشعبية.

 

كنا ننتظر التخفيض!

وليس بعيداً عن تلك الهواجس، قال رئيس جمعية الصناعيين في لبنان فادي عبود: "هناك سياسة تتبعها الحكومة عن سابق تصور وتصميم للاستغناء عن هذا القطاع". وتحدث كيف أن "الجمعية" فوجئت بالقرار، في وقت كانت تسعى مع المعنيين الى تخفيض "التعرفة الصناعية" الأغلى في العالم. مشيراً الى أن عدد المشتركين الصناعيين لا يتعدى الـ1500، وهؤلاء لا يشكلون كلفة كبرى على الدولة سوى ما بين أربعة الى خمسة ملايين دولار".

ويؤكد أن قرار رفع رسم الاشتراك سيزيد من أعباء القطاع الصناعي الذي يعاني أصلاً من كلفة كبيرة في الانتاج، وقد تترتب عليه انعكاسات سلبية تبدأ برفع سعر السلع مروراً بالبطالة وصرف العمال وصولاً الى إقفال بعض المؤسسات الصناعية. وقال: "جرى إبلاغ هذا الوضع الى الوزير حميد أثناء اللقاء معه".. مشيراً الى أن إحدى كبريات شركات الورق في لبنان، وهي شركة "سوليكار"، مهددة بالإقفال فيما لو نُفذ القرار.

 

مقاطعة الكهرباء

ولا يستبعد عبود أن يلجأ القطاع الصناعي الى مقاطعة مؤسسة كهرباء لبنان والاستعاضة عنها بمولدات خاصة كـ"خرطوشة" أخيرة يمكن استخدامها.

أما الاتحاد العمالي العام فبدا واضحاً أنه أمام امتحان صعب يجب أن يخرج منه منتصراً، وإلا سُجلت عليه نقطة سلبية إضافية بعدما أضحى مترهلاً وغائباً عن السمع في الاستحقاقات المعيشية والاجتماعية. ولذلك أطلق الاتحاد جملة إشارات من بينها التهديد بالنزول الى الشارع والاعتصام فيما لو سلك القرار طريقه.

يقول رئيس الاتحاد غسان غصن لـ"الانتقاد": ان توصية رُفعت الى المجلس التنفيذي للاتحاد تدعو الى الاعتصام والتظاهر، لأنه من غير المقبول أن يتحمل المواطن مزيداً من الزيادات والرسوم الضرائبية.

وعلق بقوله: إذا كان لا بد من ربط الرسوم والضرائب بالسلم المتحرك لأسعار النفط ومشتقاته عالمياً، فمن المفترض ربط هذا الأمر بالسلم المتحرك للأجور، وتالياً المبادرة فوراً الى تصحيح الأجور من خلال لجنة المؤشر.

 

تفعيل الجباية

ويسلّم نقيب أصحاب شركات النفط بهيج أبو حمزة بارتفاع سعر المشتقات النفطية وانعكاسه على كلفة الانتاج الكهربائي، غير أنه لا يسلم بمقولة ان العلاج يكمن برفع رسم الاشتراك. وبرأيه فإن العلاج السليم يكون بمقاربة تفعيل نظام الجباية "الذي لا يتعدى الـ55 في المئة".

ويوضح أن ارتفاع المشتقات النفطية يتراوح بين 15 الى 20 في المئة عما كانت عليه في الأشهر السابقة، أي بزيادة 30 دولاراً على كل طن فيول، خصوصاً أن مادة الفيول المستوردة تتمتع بمواصفات بيئية جيدة، الأمر الذي رفع من قيمة أسعاره.

ويلفت الى أن مؤسسة كهرباء لبنان تحتاج ما يقرب شهرياً الى 120 ألف طن من المشتقات النفطية ـ مازوت وفيول ـ أي ما معدله مليون ونصف مليون طن، وأن ديون المؤسسة على شركات النفط تصل الى 140 مليون دولار.

ويكشف أبو حمزة أن المؤسسة لو اعتمدت في إنتاجها على الفيول فحسب لما كنا قد وصلنا الى هذه المديونية الكبيرة، ولكننا قد وفرنا 100 دولار عن كل طن فيول، عدا عن أنه يمتاز عن مادة المازوت من الناحية البيئية.

 

 

حزب الله: نحذر من الاستخفاف بحق المواطن

حذر حزب الله من الاستخفاف بحق المواطن في الحياة الكريمة، داعياً في بيان له حول زيادة الرسوم على الكهرباء الوزراء المختصين الى إلغاء هذا القرار ودراسة الحلول المناسبة التي لا تزيد في المعاناة الشعبية.

أصدر حزب الله بياناً بشأن زيادة رسم الاشتراك الكهربائي قال فيه: ان المواطن اللبناني أدرك أنه محاط بسلسلة من الأزمات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والتنموية والسياسية التي تجذرت وأصبحت عصية على الحل، وهو يسمع بالوعود المتتالية لمعالجات وهمية سرعان ما تسقطها عواصف الواقع العملي.. فبينما ينتظر حلاً للموازنة ومديونيتها تصعقه الإجراءات الحكومية التي ترفع الرسوم على الهاتف والكهرباء وغيرهما، ما يزيد العبء على المواطنين. وبينما ينتظر فرصاً لتحقيق الحد الأدنى من الحياة بالحد الأدنى المتدني من الأجور، يفاجأ بإقفال المصانع والمعامل والمتاجر، وبقرارات منع الفانات وغيرها من العمل من دون إيجاد حلول موضوعية للبطالة المستشرية والمتفاقمة، فضلاً عن جيل الشباب الذي حُرم من فرص العمل الجديدة.

وتساءل: كيف يتحمل المواطن أعباء ضروريات الحياة من دون تأمين فرص العمل؟ وكيف يتحمل الزيادات العشوائية في ضرائب وزيادات متتالية كالعقوبة على المواطنية من دون أن يتزحزح الحد الأدنى للأجور؟ وكيف يمكن أن يتحمل هذه الزيادة الظالمة على الرسم الشهري الثابت لاستهلاك الكهرباء لمجرد اشتراكه فيها، وهي بالأصل من أعلى الرسوم في العالم! ويعادل مصروف البيت العادي أكثر من ثلث الحد الأدنى للأجور، وقد صرّح عدد من مسؤولي وزارة الموارد المائية والكهربائية في مواطن عديدة عن ظلم الرسوم والأكلاف المفروضة على استهلاك الكهرباء!..

وحذر البيان من هذا الاستخفاف بحق المواطن في الحياة الكريمة، وأن حزب الله لا يقبل بمعالجة فشل الإدارة والتحصيل والحلول الجارية بتحميل عامة الناس من الفقراء والمستضعفين كلفة سوء الإدارة ومساوىء الخطط المقررة، ويدعو الوزراء المختصين الى إلغاء هذا القرار ودراسة الحلول المناسبة التي لا تزيد من المعاناة الشعبية.. ويتابع: إننا نرفض تهريب قرارات الإفقار الشعبي تحت أي ستار.. داعياً الحكومة الى إعادة النظر في سياساتها المرتبطة بالخدمات المباشرة التي تهم كل مواطن لبناني من أي منطقة كان.