|
|||
|
خورشيد دلي وسط أزمة صامتة بين واشنطن وأنقرة على خلفية مواقف الأخيرة من الحرب الأميركية على العراق, يتواصل الصراع الخفي ـ العلني بين الإسلام السياسي متمثلاً في حكومة حزب العدالة بزعامة اردوغان وبين المؤسسة العسكرية التركية وتحديداً التيار الموالي لأميركا و"إسرائيل" داخل هذه المؤسسة حول خيارات السياسة التركية الإقليمية والدولية, لتؤكد حقائق السياسة في تركيا مجدداً غياب التسوية المطلوبة بين الإسلام السياسي والعلمانية, وليؤكد تواصل الصراع ان العلمانية التي هي الايديولوجية الرسمية للدولة لم تستطع من خلال دساتيرها وقوانينها وإجراءاتها ان تنهي القطيعة السياسية مع الإسلام الذي هو هوية الشعب التركي في الوقت الذي يسعى فيه الإسلام السياسي إلى تحقيق تسوية مع "العلمانية التركية" من خلال الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية في البلاد . أردوغان, نجم الإسلام السياسي الصاعد (بعد أفول نجم نجم الدين أربكان) بات يدرك أهمية حساسية الجيش إزاء التطورات التي تشهدها السياسية التركية داخلياً وخارجياً, وكي لا يلقى مصير أربكان الذي اضطر إلى تقديم استقالته تحت ضغط الجيش من رئاسة الحكومة في عام 1997 بات يجد نفسه في سباق مع الجيش في الذهاب إلى خيار العضوية الأوروبية والعلاقة مع واشنطن التي عاملت اردوغان معاملة خاصة قبل بدء الحرب على العراق, وربما يجد اردوغان في هذا السلوك أفضل أسلوب للحفاظ على تجربته في الحكم بعد ان اعتاد الجيش على إقصاء الإسلام من المشهد السياسي التركي مع كل صعود له, بل يمكن القول انه بفضل هذه الرؤية نجح اردوغان في دفع المؤسسة العسكرية إلى نوع من الانقسام حول خيارات تركيا السياسية وطبيعة العلاقة بالولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وبين سياستها إزاء الدول العربية والإسلامية من جهة أخرى, إذ تشير التقارير إلى أن ثمة تجاذباً حاداً بين مجموعتين من كبار قادة الجيش, الأولى بزعامة قائد القوات البرية الجنرال يلمان ايتاش، وتدعو هذه المجموعة إلى توطيد العلاقات التركية مع الدول العربية والإسلامية وروسيا، بينما الثانية التي يتزعمها رئيس الأركان الجنرال حلمي أوزكوك تدعو إلى إصلاح العلاقة مع واشنطن التي تضررت كثيراً نتيجة الحرب على العراق واحتلاله، بل وإلى إعادة تفعيل العلاقة مع "إسرائيل" ضمن مفهوم التكامل في الأدوار الإقليمية في إطار الاستراتيجية الأميركية, ويناصر هذا الرأي اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الذي بات منزعجاًَ من التقارب التركي مع كل من سوريا وإيران, ويعمل من أجل تحسين العلاقات التركية مع واشنطن من بوابة تل أبيب التي تريد من الزيارة القريبة للرئيس الإسرائيلي موشي كتساف إلى تركيا وضع أنقرة امام خيارات حاسمة وواضحة. والرسالة الأميركية والإسرائيلية لتركيا هنا تتمحور حول خيارات السياسة التركية, في التخلى عن تطوير العلاقة التركية بكل من إيران وسوريا, البلدان اللذين يتعرضان لضغوط أميركية كبيرة, وإنهاء الفتور في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية من خلال تفعيل هذه العلاقة مجدداً، والقيام بدور وظيفي في تسويق خطة خارطة الطريق . السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف سيتعامل اردوغان بخصوص الأزمة الجارية مع واشنطن؟ هل سيعتمد البوابة الإسرائيلية، أم ان لديه أوراقاً كافية لإعادة هذه العلاقة إلى ما كانت عليه دون البوابة الإسرائيلية؟ هل سينجح في تكريس الانقسام داخل الجيش لحسم الأمور لمصلحته، أم ان ذلك يشكل خطاً أحمر، وأن الانقسام لم يصل إلى حد تجاوز الجيش الإقرار بالخطر الإسلامي؟ مع ان تركيا لا ترى تقليدياً مشكلة في القيام بدور وظيفي في إطار السياسة الأميركية، الا انها تخشى في العمق من أن يكون سبب إغلاق واشنطن الأبواب امام المحاولات التركية لاصلاح العلاقة معها هو ان تكون مرحلة احتلال العراق قد غيرت أولويات واشنطن حيال أنقرة ودورها, وأن يكون الثمن هو إدماج أهداف السياسة التركية في أهداف السياستين الأميركية والإسرائيلية حيال المنطقة بعد ان أبدت تركيا في السنوات الأخيرة قدراً من التوازن والاستقلالية في سياستها الخارجية. من دون شك فإن مهمة اردوغان صعبة في كيفية الحفاظ على رؤيته السياسية، وبين الإذعان للشروط الأميركية ـ الإسرائيلية, ومع ان لسان حال أنقرة يقول ان تركيا بلد يتمتع بالقوة الكافية من أجل سياسة متوازنة، الا ان جملة المعطيات الأخيرة تشير إلى أن حكومة العدالة تفتقر إلى عناصر المساومة تجاه كل من واشنطن وتل أبيب, ولعل مبادرة اردوغان في الاتصال بشارون ومن ثم وعده امام اللوبي اليهودي بزيارة "إسرائيل" بعد زيارة وزير خارجيته عبدالله غول تشير إلى ان حكومة العدالة باتت امام خيار صعب. اردوغان الذي أدار اللعبة الديمقراطية حتى الآن بحنكة عالية يدرك حساسية التعامل مع الأزمة الجارية مع واشنطن وانعكاس هذا الأمر على أسلوب إدارة معركة الداخل مع الجيش, وفوق هذا يدرك اردوغان ان سياسة تقديم التنازلات للأميركيين والإسرائيليين ستؤدي إلى خسارته أصوات الملايين الذين بفضلهم وصل العدالة إلى السلطة، وخاصة ان الطلبات الأميركية قد لا تنتهي الا بتحول حزب العدالة إلى حزب بمعايير أميركيةن وهو ما يعني خسارة الإسلام السياسي مجدداً أمام الجيش، وإن كان بسياسة أميركية وإسرائيلية!!! |