بوش بين طلب أثنار وغضب بلير
جبل طارق يسمّم علاقات حلفاء واشنطن

 

ستة كيلومترات من الأرض حوّلت العلاقات بين أوثق حليفين للولايات المتحدة في أوروبا إلى علاقات متأزمة، وكادت تفرض على الرئيس الأميركي جورج بوش أن يختار بين الحليفة الدائمة والأبدية لبلاده بريطانيا، والحليفة المستجدة ذات الموقع الاستراتيجي إسبانيا.

 

الغضب الذي قيل إنه استولى على رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير عندما علم أن نظيره الإسباني خوسيه ماريا أثنار طلب من الرئيس بوش التدخل في قضية جبل طارق، كشف حجم الاحتقان الذي يسود العلاقة بين لندن ومدريد، على الرغم من كون العاصمتين تشكلان مدماكين أساسيين في "التحالف" الذي قادته الولايات المتحدة خلال حربها على العراق.

ومع تحوّل بلير إلى وزير للخارجية لدى بوش خلال هذه الحرب، وأثنار إلى ناطق رسمي باسمه، فإن الرئيس الأميركي بدا محتاراً في كيفية التعامل مع الوساطة التي طلبها المسؤول الإسباني من أجل التوصل إلى حل ما لقضية جبل طارق، التي لا تزال تسمم العلاقات بين العاصمتين اللتين يجمع بينهما الاشتراك في عدد من المنظمات القارية والدفاعية والدولية، واللتين ما زال يفرّق بينهما موضوع السيادة على تلك القطعة الاستراتيجية من الأرض التي لا يزيد طولها على ستة كيلومترات وعرضها على كيلومتر واحد.

تقع منطقة جبل طارق في أقصى جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية، وقد احتلتها بريطانيا عام 1704، فيما تنازلت عنها إسبانيا للامبراطورية العظمى في ذلك الحين بموجب معاهدة أوتريخت عام 1713.

وفيما يحتفل سكان المنطقة الثلاثون ألفاً في العام القادم بمرور ثلاثمئة عام على دخولها في السيادة البريطانية، فإنهم يقفون حجر عثرة في وجه أي اتفاق بين مدريد ولندن يحل الأزمة، ولا سيما ذلك الاتفاق الذي بدأت خطوطه العريضة بالظهور صيف العام الماضي، والذي تضمن اقتراحاً بتقاسم غير واضح المعالم للسيادة على المنطقة بين بريطانيا وإسبانيا.

ومن أجل إبطال مفعول أي اتفاق من هذا النوع بين البلدين، نظم السكان في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي استفتاءً لم تعترف لندن ومدريد بنتائجه التي جاءت مشابهة لنتائج استفتاء آخر جرى عام سبعة وستين، حيث صوّتت الأغلبية الساحقة ـ أكثر من 98 في المئة ـ من السكان ضد أي احتمال لعودة المنطقة إلى السيادة الإسبانية، أو حتى القبول بسيادة بريطانية ـ إسبانية مشتركة على منطقتهم.

وإذا كانت بريطانيا تبدي مرونة ظاهرة في التعاطي مع الملف، معربة عن استعدادها للوصول إلى حلول وسط مع إسبانيا، فإن المعطيات الميدانية ـ وآخرها غضب بلير من أثنار الذي نفته المصادر الرسمية وعمّمته الصحف البريطانية ـ تكشف حجم الاهتمام البريطاني بهذه المنطقة، نظراً لما تمثله من قيمة استراتيجية.

ويكفي في هذا المجال التذكير بأن المنطقة تقع على فم المضيق الذي تحمل اسمه "مضيق جبل طارق"، والذي تمر عبره سدس التجارة العالمية، إضافة إلى ثلث التجارة البترولية في العالم.

ومما لا شك فيه أن كون المضيق يقع على الطرف الآخر من البحر المتوسط، فإنه يشكل نقطة ارتكاز عسكرية بالغة الأهمية، وربما لهذا تحتفظ بريطانيا فيه بقاعدة عسكرية ضخمة جداً.

وإضافة إلى هذا، فإن المنطقة تشكل جنة ضريبية حقيقية، حيث توجد فيها 76 ألف مؤسسة تجارية، برغم أن عدد سكانها لا يتجاوز ثلاثين ألفاً. وتعود هذه الميزة الاستثمارية لجبل طارق إلى كون المنطقة تعتمد نظاماً للإعفاء الضريبي، لا تدفع الشركات بموجبه أي نوع من الضرائب على أرباحها، وإنما تسدد عوضاً عن ذلك ضريبة سنوية صغيرة.

ويؤكد المسؤولون الإسبان أن الشركات المسجلة في جبل طارق أكثريتها وهمية، وعدد كبير منها يعمل في منطقة شاطئ الشمس الإسبانية في التجارة العامة والخدمات وبيع الأراضي والشقق وتهريب السجائر وغيرها، أو في تبيض الأموال الذي تقارب قيمته مليار دولار سنوياً، حسب تقديرات وزارة المال الإسبانية.

ومع مطالبة إسبانيا المتواصلة باستعادة هذه القطعة من الأرض ومراوغة بريطانيا التي لم تتوقف منذ سنوات، يبدو أن مصير هذه المنطقة سيبقى يسمم العلاقات بين الطرفين، وسيخرب جهود بوش لتكتيل "أوروبا الجديدة" وراءه لمواجهة أوروبا القديمة التي لا تزال تعاند الرضوخ لإرادته.

محمود ريّا