الجامعة اللبنانية:
حقائق حول المخاطر التي تتهددها.. والموازنة تفصيل

 


كلما "دق الكوز بالجرة" وتخربطت حسابات الميزان المالي الحكومي، تمتد اليد إلى جيب الجامعة اللبنانية، وكأن ميزانية الجامعة أصبحت "إبرة" ميزان الموازنة، تعدلّه وتصوبه إذا ما تأرجح بين يدي وزير المال.

هذا هو الانطباع الأولي الذي حضر مباشرة إلى أذهان عدد من أساتذة الجامعة المتحلّقين يومياً حول هموم وشجون جامعتهم. فلدى سماعهم نبأ كتاب وزير المال فؤاد السنيورة إلى رئاسة الجامعة يبلغها فيه قرار تخفيض موازنتها 14.45 مليار ليرة لبنانية، حضرت أمامهم كل الأسئلة التي تدور في فلك تحسس المؤامرة على الجامعة والخوف على مستقبلها مما يحضر لها! وهو شعور لم يكن وليد اللحظة، بل أمر مزمن يضعه أحد هؤلاء الأساتذة "في دائرة الشعور بالخطر على هذه المؤسسة الكبرى في لبنان، من دون ان يكون للأمر علاقة بعقدة المؤامرة". ويسأل: "من يمكنه ان يطمئن الناس إلى مصير جامعتهم غير الحكومة التي نراها لا توفر مناسبة للاقتصاص منها، في حين ان أدراج وزارة التعليم العالي تتكدس فيها طلبات الترخيص للجامعات الخاصة، عدا تلك التي رُخص لها بين ليلة وضحاها".  

ومنذ لحظة الإعلان عن كتاب وزير المال إلى رئاسة الجامعة الذي يحمل الرقم 1277ويتضمن القرار القاضي بتخفيض الموازنة من 132.5 مليار إلى 118 ملياراً، تنشغل الاوساط المختلفة في الجامعة في العمل لمواجهة القرار وإلغائه، ومنها رابطة الاساتذة المتفرغين التي أكدت رفضها القاطع لأي تخفيض يلحق بموازنة الجامعة. ولفتت في اجتماع خصصته لهذا الموضوع إلى ان الموازنة "في الأساس هي موازنة تقشف بالكاد تفي بعض الاحتياجات الضرورية".

ويقول عضو الهيئة التنفيذية للرابطة الدكتور عبدالله زيعور: "إن الموازنة هي لإدارة الجامعة وتطويرها في سياق المنافسة ومواكبة التطورات العلمية والتغييرات الأكاديمية". مشدداً على أن "أي موازنة يكون التطوير عنصراً أساسياً فيها، يجب أن لا تقل عن 300 مليار ليرة".

ويلفت زيعور إلى أنه "في ظل الوضع المالي الذي تعيشه الدولة بدأ تخفيض الموازنة من 200 مليار إلى 160 ملياراً، وهذه السنة إلى 132.5 ملياراً، ثم يأتي كتاب الوزير لتخفيضها 14.5 ملياراً".

يضيف: "مع تدني الموازنة بهذا الشكل بدأ تجاوز الخط الاحمر الذي لا يمكن ان تتحملّه الجامعة، لأنه لا يكفي للرواتب والايجارات وبدلات او أكلاف إجراء الامتحانات وإعطاء المتعاقدين بالساعة حقوقهم، وهو ما يعني أيضاً حذف عنصر التطوير".

 ويلفت الدكتور زيعور إلى ان "رابطة الاساتذة المتفرغين بالتنسيق مع مجلس الجامعة، هددت باتخاذ اجراءات قد تصل إلى الاضراب وتعطيل الامتحانات. وقد فوّض مجلس المندوبين الرابطة بالمضي بكل أشكال التصعيد لوقف سياسة الإهمال والتدخلات والتقطير في الموازنة، مؤكداً ان الأخطر هو عدم صرف الموازنة برغم انتهاء العام الجامعي، اذ ان الجامعة تصرف من مبالغ على شكل سلفات من دون تسييل موازنتها حتى الآن".  

وأكد أن "أحداً لا يمكنه أن يقبل بسلّم الأولويات الذي تتبعه الدولة في الجامعة على مستوى الانفاق، بحيث توجد الأموال للمشاريع التي تراها الحكومة ضرورية وملحة.. لكننا نعتقد ان هذه المشاريع ليست طارئة ومستعجلة على نحو يطال الأمن التعليمي للمواطن".

ولا تخفي مصادر في الجامعة اللبنانية ان "موضوع الموازنة يأتي في سياق سياسة متبعة حيال الجامعة، وتنبع من عدم ارتياح من في السلطة لأداء القيمين على الجامعة. وهناك تبادل اتهامات صامت بين الحكومة واجهته وزير المال، والقيمين على الجامعة".

وتلاحظ هذه المصادر "تقاذفاً للمسؤوليات من جهة وافتقاراً من جهة أخرى إلى روح المسؤولية في التعاطي مع وضع الجامعة المهدد بتراجع الانتاجية وغياب الخطة اللازمة من مجلسها، وكذلك غياب التخطيط فيه، في الوقت الذي تغيب فيه عناصر المعالجة الحقيقية من قبل الدولة لقضايا الجامعة الاساسية، وفي مقدمتها قضايا التفرغ والملاك ودعم البحث العلمي وإبعاد سياسة المحاصصة عن كل أشكال التعيينات".

وتعدد هذه المصادر بعض النقاط التي تثبت وجهة نظرها، بأن النيات تجاه الجامعة ليست خيرة، وهي:

ـ السلم النزولي لموازنة الجامعة.

ـ المحاصصة في التعيينات "أخّرت الخلافات بين المسؤولين تعيين العمداء أكثر من سنة".

ـ دعم الجامعات الخاصة التي جاوز عددها أربعين جامعة، في حين يوجد في أدراج وزارة التعليم العالي 37 طلباً جديداً تنتظر الموافقة.

ـ عدم إقرار المجالس التمثيلية في الجامعة بما تعنيه من ضرورة الاستقلالية الأكاديمية.

وتعتبر المصادر ان "هذا لا يعفي الجامعة من مسؤولياتها بالحفاظ على المستوى وتغليب الاعتبارات الأكاديمية على سائر الاعتبارات الضيقة، والحفاظ على موقع الجامعة كصرح وطني قادر على إيجاد المناعة اللازمة لمواجهة كل أمراض الوطن، وفي طليعتها الطائفية والتعصب وما يرشح عنهما من محاصصة قد تدفع الجامعة ثمناً لها حتى على المدى البعيد".

وفي هذا الإطار يعتبر الدكتور زيعور أن "للجامعة دوراً مركزياً مفترضاً على مستوى وحدة الوطن والتمسك بمستقبل ايجابي له، لذلك يجب التعاطي معها بمسؤولية أكبر". ويلفت إلى "أنها صرح علمي ينهل منه فقراء الوطن على اختلاف مشاربهم، والنظرة التي تستحقها الجامعة يجب ان تقوم على هذا الأساس.. اضافة الى انها مركز للبحث العلمي وإمداد الوطن بالخبرات والابحاث اللازمة التي تستطيع الجامعة إجراءها بكلفة أقل وفاعلية أكبر مما لو استعنا بمؤسسات أجنبية".

ويشير في هذا الصدد إلى ان "سمعة خرّيجي كل الكليات التطبيقية ممتازة، اضافة إلى الذين يحملون الشهادات التعليمية، وهم قادرون على فرض أنفسهم بامتياز أمام خرّيجي الجامعات الخاصة التي هي بقسمها الأكبر وبإمكانياتها الكبيرة غير قادرة على مقارعة الجامعة اللبنانية بالتفوق والجدارة والامتياز".

ومناسبة هذا الكلام هو تأكيد الحرص على الجامعة مع استشعار الخطر عليها، وليس فقط من الموازنة التي تقع في التفاصيل التي يمكن معالجتها بين أهل القرار، في حين ان المطلوب سياسة واضحة تلحظ حقيقة الحاجة الملحة للحفاظ على هذا الصرح الوطني ودعمه وتطويره.

وفي عودة إلى موضوع الموازنة، فإن الدكتور زيعور يلفت إلى انه "بعد الاجتماعات التي عقدت في مكتب وزير الوصاية ـ وزير التربية سمير الجسر ـ أعلن أنه في صدد بذل كل ما يملك من جهد لمنع تطبيق كتاب وزير المالية. وترجمة هذه المواقف ستضع وزير الوصاية في دائرة الضوء، وستبني الادوات النقابية والأكاديمية في الجامعة مواقفها تأسيساً على فاعلية أقواله". 

أمير قانصوه

 

التعبئة التربوية في حزب الله:

تخفيض الموازنة يعبر عن عمق المشكلة في النظرة الى الجامعة

 

أكدت التعبئة التربوية في حزب الله ان التخفيض الجديد في موازنة الجامعة التي لم تُصرف الى الآن برغم انقضاء العام الجامعي، يعبّر عن عمق المشكلة في النظرة الى الجامعة كمؤسسة تعاني ما تعانيه المؤسسات الرسمية الأخرى، من دون الالتفات الى خصوصيتها كمنارة تربوية علمية تتطلب كل العناية والرعاية طبقاً لمهامها الجسام في إنتاج الكوادر العلمية المتخصصة وصناعة المعرفة لأجيال الوطن، وفي ذلك مصلحة كاملة لنا جميعاً في الحفاظ عليها وتطويرها وتوسيع فرص التعليم العالي والعمل الأكاديمي للجميع.

وقالت في بيان لها حول تخفيضات موازنة الجامعة اللبنانية: ان وقف التدهور الذي يطال الجامعة اللبنانية لا يقوم إلا على أساس اضطلاع الجميع بمسؤولياتهم ووقف تقاذف المسؤولية عن الاهتراء الذي تعاني منه، والمبادرة للعمل المنتج بمعزل عن الحسابات الذاتية، والحرص على النأي بها عن المحاصصة والتدخل السياسي، ووقف كل أشكال تغليب الطائفي والذاتي على الأكاديمي.

وطالب البيان بفتح باب التفرغ على أساس الكفاية والحاجة الأكاديمية، ورفض الاعتماد على التعاقد بالساعة والمبادرة الى ادخال المتفرغين المستحقين الى ملاك الجامعة، وإقرار المعايير والآليات اللازمة لذلك، تحقيقاً للأمن الوظيفي للأستاذ الجامعي كشرط لانطلاقة الجامعة الحقيقية، مع ضرورة الإسراع في العمل لإنجاز المجمعات الجامعية وتأكيد احترام توجهات المجالس التمثيلية ووحداتها كشرط للاستقلالية الأكاديمية، وآخرها ما صدر عن مجلس وحدة معهد العلوم الاجتماعية في ما يتعلق بالمناهج الجديدة، من دون إغفال ضرورة تعزيز البحث العلمي وتوزيع الفرص فيه على أساس العدل وتكافؤ الفرص والأولوية العملية فقط.