|
|
عزيزة نوفل ـ الخليل
وسط كل الأحداث التي تمر في فلسطين غابت بعض التفاصيل التي بدت
مع تكرارها اليومي للجميع عادية إلا بالنسبة الى أولئك الذين يعيشونها بشكل
يومي ومتكرر، فاعتياد المعاناة بالنسبة إليهم لا يعني على الإطلاق تقبلها..
وهذا ما كان بالفعل مع أهالي البلدة القديمة في الخليل، الذين كانوا منذ بداية
الانتفاضة كبش الفداء للحفاظ على سلامة بعض المئات من مستعمري الأرض. فالحصار والمستعمرون والهدم والتنكيل والأذى اليومي أضيف إليه حظر التجوال الدائم.. أساليب اجتمعت فوق رؤوسهم في محاولة من هؤلاء المستعمرين لإخلاء أهالي البلدة الأصليين وتوسيع دائرة احتلالهم في المنطقة.. وحسب أكاذيب أساطيرهم تفوق قدسيتها لديهم مدينة القدس حتى. حظر تجوال متواصل.. أهالي البلدة القديمة في مدينة الخليل لا يزالون منذ أربعة أشهر يقبعون تحت حظر التجوال المشدد الذي لم يرفع عنهم سوى ثلاث مرات فقط.. سكان البلدة أصبحوا حبيسي بيوتهم، توقفت تجارتهم، أغلقت محالهم التجارية التي تتوسط البلدة وحل الدمار في كل مكان.. "الوضع في المدينة يزداد سوءاً كل يوم، والبلدة القديمة قسمت إلى عدة كانتونات معزول بعضها عن بعض بواسطة الأسلاك الشائكة والحواجز التي أقيمت لتحافظ على أمن البؤر الاستعمارية في المدينة".. هذا ما قاله محمد الشرباتي أحد أصحاب المحال التجارية في البلدة القديمة في المدينة. الخليل تعتبر المدينة الوحيدة في الضفة الغربية التي يستعمر المستوطنون قلبها، فهناك أربع بؤر استعمارية يسكنها 200 مستعمر وهي: "بيت هداسا"، "بيت ريمانه" التي هي في الأصل مدرسة أسامة بن منقذ، "أبراهام لفينو" وهي في محيط سور الخضار، و"تل الرمينة". كما يقصد الخليل يومياً أكثر من 200 مستعمر من المستعمرات القريبة من الخليل للدراسة في المعهد الديني في محيط الحرم. اختر العقاب بنفسك ويزداد الأمر سوءاً مع حجم التنكيل اليومي للمستعمرين في المدينة وجنود العدو الذين يجوبون البلدة ليل نهار استعداداً لمعاقبة أي أحد يحاول خرق منع التجوال". "أوقفني الجنود بينما كنت في طريقي إلى العمل في سوق الخضار الساعة الخامسة والنصف مساءً، ثم احتجزوني برغم أنني أسلك هذا الطريق في كل يوم إلى عملي". قال عيسى خليل (18 عاماً)، الذي يسكن في حارة أبو سنينة في المدينة. وتابع: "فاجأني قولهم "اسحب ورقة من هنا"، فلم يكن أمامي إلا أن أستجيب.. وبالفعل سحبت ورقة من الكيس الذي يحمله أحد الجنود، وعندما قرأها بدأ يضحك بصوت عالٍ، تفاجأت بهم يضربونني على يدي، معللين ذلك بأنني أنا من اخترت هذا العقاب!". ولم يكن خليل هو الأول أو الأخير، فبرغم الإعلان الصهيوني أنه جرت محاكمة الوحدة التي تقوم بتنفيذ "العقاب بالقرعة"، مدعياً عدم تكرار هذه الحوادث، إلا أن مصادر حقوقية في المدينة تؤكد عكس ذلك. فقر وبطالة.. ولم تكن تلك المشاكل الوحيدة، بل تعدى الأمر إلى انتشار الخسائر الاقتصادية والبطالة في قلب المدينة. وفي بيان سابق لبلدية الخليل أعلنت أن مجموع خسائر المدينة وصل إلى (14.152.485) مليون دولار أميركي، بينما وصل مستوى البطالة إلى ما يقرب 75%.. "لكي تعمل يجب عليك أن تترك بيتك في البلدة القديمة وأن تفكر في السكن خارج البلدة، وهذا معناه التخلي عن بيتك ليكون هدفاً سهلاً لقطعان المستعمرين الذين لا يفوّتون مثل هذه الفرص لاحتلاله". يقول أحد العاملين في المنطقة الصناعية في المدينة. المستعمرون أيضاً.. وفي الجانب الآخر يعاني أهالي المدينة من الاعتداءات اليومية للمستعمرين الذين يعتبرون من أشد المستعمرين تطرفاً. يذكر المواطنون أن ليل البلدة لا يخلو على الإطلاق من إزعاج المستعمرين الذين يقضون الليل كله في عمليات العربدة والإزعاج للسكان، في محاولة منهم لإخلائها في خطوة أولية لتهويدها. ففي أحد الأيام "اضطررت إلى الخروج من المنزل في ساعات المغرب ولم يكن حظر التجوال مفروضاً على البلدة، وكان ابني الصغير الذي لم يتجاوز العام معي، باغتتنا مجموعة من المستعمرين وألقوا بطفلي على الأرض وضربوني، ومن ثم هربوا بعيداً.. كُسرت يدي وأُصبت برضوض"، على حد قول د. سمير أحد ساكني البلدة القديمة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالبيوت المتاخمة للبؤر الاستعمارية تعيش حالات خوف يومي من الاعتداءات المتواصلة عليهم من قبل المستعمرين.. "لا نستطيع أن نترك البيت فارغاً لأن ذلك معناه هجوم المستعمرين عليه واحتلاله"، كما يقول عوني دعنا (49 عاماً)، الذي يسكن وادي النصارى في مدينة الخليل. عائلة دعنا.. ولا يخفي عوني تخوفه من أن تهدم قوات الاحتلال منزله الذي يؤويه وزوجته وأطفاله السبعة، إضافة لوالدته المسنة وأخيه وزوجته، إذا ما شرعت بإنشاء طريق يربط مستعمرة "كريات أربع" والحي اليهودي في مدينة الخليل. "نتعرض يومياً لهجمات المستعمرين" يقول عوني، بينما يشير إلى إفراد عائلته من ناحية، ونوافذ وجدران منزله المحطمة برصاص وحجارة جنود الاحتلال والمستعمرين.. "اقتحم جنود الاحتلال بيتنا وبدأوا بتفتيش كل شيء فيه"، الأمر الذي أثار حالة من الذعر زادت توتر الأطفال "المرعوبين أصلاً". ويشير عوني إلى شقيقه باسم (41 عاماً)، الذي تمنعه إعاقة في قدميه من التنقل إلا بمعونة عكازين، موضحاً أن جنود الاحتلال "لم يراعوا حتى حالته الصحية"، فاعتدوا عليه بالضرب والشتم لمجرد لمحهم إياه ينظر إليهم من شرفة المنزل. ويقول عوني إن العائلة تقتات حالياً من طعام قليل خزنته في البيت، إضافة لما تتمكن من "تهريبه" عبر الأسوار وساحات المنازل المجاورة. مشيرا إلى أن منع التجوال المتكرر أدى الى تردي وضع العائلة الاقتصادي، خاصة أنه لا يستطيع التوجه إلى ورشة الحدادة التي يملكها في قرية بيت أمر المجاورة، الأمر الذي اضطره وأسرته للاعتماد على مدخراتهم الآخذة بالنفاد. |