|
|
|
عمان ـ خاص بعد ساعات قليلة من تقدم الرئيس الأميركي جورج بوش الى الكونغرس الاميركي مطالباً بميزانية قدرها 75 مليار دولار لتمويل العدوان على العراق كنفقات اضافية، ولكن أيضاً كدفعة أولى، أوضح مسؤولون أميركيون أن جزءاً من هذا المبلغ يصل الى أكثر من سبعة مليارات دولار سوف يقدم مساعدات الى الدول التي تدعم الحرب الأميركية على الارهاب، والتي تساعد في الحرب العدوانية الأميركية على العراق أو تتأثر بهذه الحرب. كالعادة حصل الكيان الصهيوني على حصة كبرى: مليار دولار هبة لا تُرد، مع ضمانات قروض بقيمة 9 مليارات دولار. وفي القائمة وردت أسماء دول عديدة هي: باكستان، مصر (300 مليون دولار فقط)، عُمان، البحرين والأردن (700 مليون دولار هبة لا تُرد). اذا استخدمنا هجوم المبالغ المقدمة الى تلك الأطراف لقياس نسبة "المساعدة" التي تتلقاها الولايات المتحدة في عدوانها، جاز التوقف طويلاً عند رقم الـ(700 مليون دولار) الممنوحة هبة للأردن مقابل مليار دولار لتركيا عضو "الناتو"، التي سمحت للطائرات الأميركية بعبور أجوائها.. ولكن حتى لحظة الوصول الى هذه النقطة، فإن مياهاً كثيرة قد جرت في النهر لتكشف أو لتشير باتجاه استنتاج متلائم وعملية القياس التي أشرنا اليها أعلاه، فالاستجابة الأردنية المواربة للطلب الاميركي بإغلاق البعثات الدبلوماسية العراقية وطرد الدبلوماسيين العاملين فيها، وما تبعها من تصريحات عراقية مستنكرة، تعبر عن الانزعاج الشديد من الخطوة الأردنية، ومن تصريحات أردنية تؤكد استبعاد العامل الاميركي عن الاجراء الأردني، وإبداء الاستعداد لاستقبال دبلوماسيين عراقيين بدلاً للمطرودين الذين أخلّوا بمهامهم الدبلوماسية حسب التعبيرات الأردنية، تمثل جميعاً الجزء الظاهر من جبل الجليد في العلاقات العراقية ـ الأردنية التي تميزت بالتذبذب الشديد وعدم استقرارها على تسوية محددة وواضحة. فقد كان فيها دوماً جانبان: علني وخفي. من المتصور وجود ميل واسع لدى الكثير من متابعي هذه العلاقات والمهتمين بتحليلها، الى استعادة مفهوم "الدولة العاجزة" الذي صاغه ونستون تشرشل لدى استيلاد الكيان الأردني وتعيين الادوار المنوطة به، حول فلسطين وشبه الجزيرة العربية. وبرغم مضي عقود طويلة على تلك المحددات التي وضعها البريطانيون في العقد الثالث من القرن الماضي، فإن كثيراً من المحللين يبدون قدرة واضحة على استحضار مؤشرات الى استمرار الأردن في أداء الأدوار التي انتدب اليها منذ البداية، خاصة لجهة قضايا الصراع العربي ـ الصهيوني، وهذا موضوع يطول القول فيه. أما في ما يتعلق بالعراق، فقط ظلت الأسرة الحاكمة في الأردن تنظر اليه منذ عام 1958 كمُلْك مسلوب لا بد من استعادته. والحكاية معروفة، فقد أطاحت "ثورة تموز" بالحكم الملكي في العراق، وشاركت الأسرة الحاكمة تباعاً في المحاولات الهادفة الى التضييق على الحكم الجمهوري الجديد. مع ذلك فقد شهدت العلاقات بين عمان وبغداد فترات من تلك التي يمكن ان يطلق عليها وصف "شهور العسل الطويلة"، خصوصاً بعد أن اتخذت عمان موقفاً مؤيداً لبغداد في الحرب التي شنتها الأخيرة على الجمهورية الاسلامية في ايران، وأدت الى دمار كبير في البلدين وأهدرت كثيراً من طاقات الأمة. يعيد البعض انتعاش العلاقات العراقية ـ الأردنية في مرحلة ما عُرف بحرب الخليج (الحرب العراقية ـ الايرانية) الى الفوائد الاقتصادية الهائلة التي جنتها الحكومة الأردنية، فيما يذهب آخرون الى حد القول ان الملك الراحل حسين دأب على هندسة توفير دعم لبغداد يساعدها على إدامة تلك الحرب. مهما يكن من أمر، فقد وصلت العلاقات العراقية الأردنية الى نوع من التحالف طوال فترة الحرب، وفي واحدة من مؤتمرات القمة التي انعقدت في عمان، جرى استبعاد بند الصراع العربي ـ الصهيوني الذي ظل يخطئ بالأولوية في كل الاجتماعات العربية، من جدول أعمال تلك القمة لحساب بند يتعلق بالحرب العراقية ـ الايرانية. في آب من عام 1990 اجتاحت القوات العراقية الكويت، وفي حين أدانت غالبية الدول العربية الاجتياح العراقي للكويت، تميز موقف الحكومة الأردنية من بين مؤيدي الخطوة العراقية بدعم "عاطفي" عبرت عنه خطابات الملك حسين المحتشدة دوماً بديباجة متميزة وعبارات منمقة. ومع انتهاء الحرب على النحو المعروف، بدأت عمان تنأى بنفسها تدريجياً عن بغداد، فيما حاولت الأخيرة الابقاء بأي ثمن على منفذ لها على العالم. وهنا يتحدث البعض عن "ابتزاز" أردني وصل حدود تأمين نفط مجاني يلبي الاحتياجات الأردنية، برغم قيام عمان بتوقيع معاهدة وادي عربة مع الكيان الصهيوني الذي ترفض بغداد في خطابها السياسي أي تفاوض أو تسوية معه. قام نوع من المساكنة بين الجانبين، تأسست بوضوح على "تبادل المنافع" في الشق الاقتصادي أساساً، بينما استطاعت عمان إصلاح الضرر الذي لحق بعلاقاتها الخليجية بسبب موقفها من مسألة الكويت، ولم تقدم أي مبادرات لفك الطوق عن الحليف القديم. غير أن شعور بغداد بالخطر تزايد مع تسريبات تتعلق بدور الأمير حسن بن طلال ولي العهد السابق، وتتحدث عن احتمال انعاش خيار الملكية في العراق وتنصيب الحسن ملكاً عليه في عودة الى ما كانت الحال عليه قبل عام 1958، عندما كانت الأسرة تحكم البلدين. وعندما ظهر الأمير حسن في ما سُمي مؤتمر المعارضة العراقية في لندن، تحول الشعور بالخطر الى مخاوف، سيما أن هذا الظهور ترافق مع أنباء من مناورات أميركية ـ أردنية مشتركة، وعن تمركز قوات أميركية في الاراضي الأردنية، وأيضاً مع أنباء نفتها الحكومة الأردنية عن إمكان مشاركة هذه القوات في غزو العراق من المملكة التي بات شعارها المفضل "الأردن أولاً". راهناً يبدو أن التركيز من الجانبين على مسألة الدبلوماسيين العراقيين يستهدف الابتعاد ـ في هذه المرحلة على الأقل ـ عن قول كل ما يعرفه الطرفان أو يزعمان معرفته من حقائق، وربما يكون هذا التركيز بمثابة جولة تمهيدية لكشف الكثير لاحقاً. وقد كان بإمكان من تابع تصريحات المسؤولين العراقيين يوم 25/3/2003، أن يرصد مؤشرات عديدة على ما سوف تحفل به الأيام القادمة من أحاديث، وما سوف يصبح متاحاً من معلومات ومعطيات ربما تبدو للبعض مفاجئة. فبعد تصريحات لوزير التجارة والصناعة العراقي طالب فيها الأردن بالافراج عن "مخزونات من اللوازم العراقية المتعاقد عليها سابقاً والموجودة في الأردن"، اتسمت تصريحات نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان بالحدة، خاصة لجهة اشارات متكررة الى أجهزة استخبارات عربية قدمت معلومات للأميركيين، وعمل أفراد منها "أدلاء" لقوات الغزو. ومع ان نائب الرئيس العراقي أحجم عن تعيين من يقصد بالضبط، فإن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين بغداد وعمان تسمح بالافتراض أن اشارات رمضان لا تخص أحداً سوى الأردن. واظبت الحكومة الأردنية على نفي مساعدتها القوات الأميركية التي تسللت الى بوادي العراق من جهة الأردن، لكن النفي هو "قول"، ولطالما كانت الأقوال مفترقة عن الوقائع في العلاقة العراقية ـ الأردنية.. وربما لن يطول الوقت حتى تبدأ الأقوال بإيجاد مسارب لها لوصف الوقائع بدقة.. وبدءاً من السؤال عن هذا الكرم الاميركي الذي جعل الأردن في المرتبة الثالثة ممن تلقوا هبات بعد الكيان الصهيوني وتركيا. |