|
|
|
ستوكهولم ـ يحيى أبو زكريا لم يحدث في تاريخ أوروبا أن تشكل إجماع شبه مطلق ضد أميركا مثلما هو حاصل الآن بعد شروع أميركا في احتلال العراق. وإذا كان الاعتراض على أميركا في أوروبا في وقت سابق مقصوراً على التيارات والنخب الثقافية اليسارية, فقد بات الغضب على أميركا سمة الشارع الأوروبي في الظرف الراهن، ولأوّل مرة تتوافق القوى السياسية اليمينية واليسارية والتي تقف في الوسط, والكنائس والتيارات الدينية بمختلف مذاهبها، على الاعتراض الشامل على أميركا سياسة وتوجهات عدوانية. كما أنّه لأول مرّة وفي معظم الدول الأوروبية تتقاطع التوجهات الرسمية مع التوجهات الجماهيرية، حيث أصبحت أميركا دولة عدوانية بدائية بعد أن نجحت في تسويق نفسها أوروبياً في وقت سابق كدولة ديمقراطية هي الأولى في العالم . وتؤكّد استطلاعات الرأي العام في معظم العواصم الأوروبية كألمانيا والسويد والنروج وفنلندا والدنمارك وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها، أنّ أغلبية شعوب هذه الدول هي ضد أميركا وسياستها العدوانية في العراق. ففي السويد مثلاً واكب بداية الحملة العسكريّة الأميركية على العراق والشروع في قصف بغداد، سلسلة من ردود الفعل الواسعة الرسمية والجماهيرية في السويد, وقد بثّت القنوات السويدية الرسمية والخاصة صور بداية العدوان الأميركي على العراق، كما خصصت العديد من البرامج السياسية بحضور سياسيين وعسكريين ورجال دين للحديث عن الحرب الأميركية على العراق. كما أجرت القناة السويدية الرسمية حواراً مع أطفال العراق المقيمين في السويد، والذين يحملون الجنسية السويدية، فذكروا أن جورج بوش سيقتل أقرباءهم وأهلهم في العراق وسط حضور علماء نفس سويديين يلاحقون تأثير الحروب على الأطفال المهاجرين. أمّا الصحف السويدية فقد استنكرت في مجملها بداية الحرب، وأجرت استطلاعات واسعة حول بداية الضربة الأميركية للعراق، فرفضت الأغلبية السويدية هذه الحرب الظالمة كما وصفها حزب اليسار السويدي. وقد احتجّ رئيس الوزراء السويدي يوران بيرشون بشدّة على هذه الحرب، وقال إنّه حزين للغاية لقيام أميركا بخرق مواثيق مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة. واعتبر أنّ هذه الحرب الأميركية ضدّ العراق ستجهز على حقوق الإنسان والشعب العراقي. وقد توافقت جميع الأحزاب السويدية يسارها ويمينها ووسطها على اعتبار هذه الحرب ظالمة ومنتهكة لحقوق الإنسان وحق الشعوب في العيش. وطالبت بعض الأحزاب السويدية ومنها حزب اليسار السويدي، الحكومة السويدية باتخاذ أشد المواقف والإجراءات ضد الولايات المتحدة الأميركيّة. وقد اعتبر زعيم حزب المحافظين بوليند غرين أنّ الحرب دائماً خاسرة. واعتبرت المعلقة في جريدة أفتون بلادت الذائعة الصيت هيلي كلين، أنّ أميركا ستكون الخاسر الأكبر في هذه الحرب الظالمة. وعلى صعيد الردود الجماهيريّة، فقد دعت المنظمات الجماهيريّة والجمعيات السويدية المتحالفة من أجل السلام في السويد إلى تظاهرات عارمة, حيث شهدت المدن الكبرى كستوكهولم ومالمو وغوتنبورغ وغيرها مظاهرات عارمة, وقد توافق الناشطون في تحالف من أجل السلام في العراق على إبقاء التظاهرات مستمرة على مدى الأيّام المقبلة في كل المدن السويديّة. وللإشارة فإن المتظاهرين ضدّ أميركا في العاصمة السويدية ستوكهولم نصبوا مشانق وشنقوا قنينات الكولا الأميركية في دعوة إلى مقاطعة البضائع الأميركية. وفي ألمانيا دعت قوى المجتمع المدني إلى ضرورة الارتقاء بالاحتجاج على الإدارة الأميركية إلى مستوى مقاطعة البضائع الأميركية. وكما قال بعض الذين شاركوا في تظاهرات برلين ضد الحرب على العراق، إنّه إذا كانت واشنطن قد خرقت مواثيق مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة، فعلى الأقل يجب أن يقاطع الأوروبيون صناعتها ومنتجاتها الصناعية. وقد باتت المقالات في وسائل الإعلام المكتوبة في ألمانيا تتناول يومياً إرادة أميركا في السطو على النفط العراقي, ولا يمكن حسب بعض الصحف الألمانية أن تهدف أميركا إلى تحرير العراق، وكيف يُحرر بقصف البيوت وقتل المدنيين الأبرياء!.. وفي فرنسا انطلقت حركة تلقائية بين الفرنسيين لمقاطعة كل ما له علاقة بالأميركان, ولأول مرة يصبح الحديث عن أميركا وعدوانيتها وجبروتها مباحاً في وسائل الإعلام الفرنسية, ولم يحظَ شخص في أوروبا بالتعليق عليه والحديث عن سفاهته وإجرامه مثلما حظي به الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. وهذا الشعور المعادي للسياسة الأميركية ومنتجاتها أيضاً يزداد تجذراً في الواقع الأوروبي، ويتراكم يوماً بعد يوم كلما تناقلت الفضائيات صور القتلى الأبرياء وآثار التدمير الأميركي ضد الشعب العراقي. وللإشارة، فإنّ العدوان الأميركي على العراق فرض نفسه على كل وسائل الإعلام الغربية التي خصصت أوقاتاً إضافية لهذا الحدث، وتجمع كل التعليقات بمختلف اللغات الأوروبية على أنّ هذه الحرب غير عادلة، وأنّ أميركا خدعت بعض العواصم الغربية عندما أكدت لها أنّ الحرب ستكون خاطفة ونظيفة.. ومع بداية الحديث عن حرب طويلة، فإنّ العواصم الغربية بدأت تخشى من تطور الموقف, خصوصاً أنّ التظاهرات المنددة بأميركا ومقاطعة أميركا متواصلة، بل لقد تشكلت في كل عاصمة غربية جمعيات تحالف من أجل السلام في العراق، تقوم بالتنسيق في ما بينها، وتدعو الى التظاهر في يوم واحد. وقد لوحظ في التظاهرات السابقة التي شهدتها العديد من الدول الغربية، أنّ المتكلمين في المهرجانات الخطابية هم من صناع القرار في بلادهم، ومن المشرفين على الكنيسة الغربية التي عرّت جورج بوش الابن، واعتبرت أن حربه على العراق لا تمتّ بصلة إلى الدين، كما قال رئيس الكنيسة السويدية في كلمة له أثناء تظاهرة سويدية ضدّ الحرب الأميركية على العراق. كما علق سياسي أوروبي على ما يجري في العراق وقال: إنّ أميركا نسفت أسس الديمقراطية, فمن خروج الدولة من رحم الشعب كما هو مقتضى الديمقراطية، إلى خروج الدولة من رحم الكروز كما هو التعريف الأميركي الجديد للديمقراطية. ولا شكّ في أنّ هذا المناخ السياسي العام في أوروبا أرخى بظلاله على تعامل الأوروبيين مع البضائع الأميركية، وتعتبر منظمة "هجوم" الأوروبية Attack المعارضة للأمركة والسياسة الأميركية في كل تفاصيلها، أنّ شراء قنينة كوكا كولا معناه المساهمة في صناعة صاروخ كروز أميركي. |