|
|
|
الأيام الأولى من الحرب أثبتت، في ظل المقاومة العراقية وما أنزلته من خسائر بشرية
ومادية بالغزاة ـ أن الحرب الإعلامية والنفسية التي يقودها التحالف قد منيت بفشل
ذريع. فشل ينعكس سلبياً على موقف الشارع الأميركي والبريطاني وشعوره بأنه كان
موضوعاً لعملية خداع واسعة النطاق. حرب سريعة أو حتى حرب تحقق أهدافها قبل وقوعها، ثم تخلي المجال لترتيبات ما بعد الحرب: إزالة النظام الحاكم في العراق، وإرساء الديموقراطية، وإعادة الإعمار، وإقامة مجتمع مليء بالأمل (على حد تعبير جورج بوش) في شرق أوسط يعاد ترتيبه وفقاً لترسيمه جديدة تستحوذ على رضى الجميع في المنطقة وعلى إعجاب الجميع خارج المنطقة.
أكاذيب وادعاءات تلك هي الصورة التي عمل الإعلام الأميركي وامتداداته في الإعلام العالمي على الترويج لها طيلة فترة التوتر السابقة لبدء العمليات العسكرية على العراق. صورة يبرز فيها الجنود الأميركيون والبريطانيون كمحررين يستقبلون بالزهور والموسيقى، وكأناس طيبين لا همّ لهم غير نصرة شعب مظلوم على حاكمه الديكتاتور وتخليص الجيران والعالم بأسره من شرور ذلك الحاكم وأسلحته المخيفة. وتأتي أهمية الرهان على الحرب السريعة كأمر ضروري جداً لعدم دخول الاقتصاد الأميركي، ومن ورائه كامل الاقتصاد العالمي، في النفق المظلم، لترتكز على معطيات أهمها التفوق الهائل في القدرات العسكرية، إضافة الى الكفاءات غير العادية التي يتمتع بها الجندي الأميركي، على ما كتبته مجلة تايم. كما ترتكز أيضاً على هاجس (إنساني!) هو تجنب الآلام التي تسببها الحرب الطويلة، على ما كتبته نيويورك تايمز. وبعد بداية الحرب، تم التركيز بشكل خاص على ذلك الجانب (الإنساني) من خلال الحديث عن الحرب النظيفة والصواريخ الذكية التي لا يمكنها أن تخطئ أهدافها أو أن تصيب المدنيين. ولا يخفى أن كل ذلك ينطوي على الكثير من مظاهر الحرب النفسية كالتهويل على الخصم والاعتداد بالذات وسوء تقدير الردود والتطورات، وصولاً الى النفاق والادعاءات الكاذبة لجهة التظاهر بالحرص على مصلحة الشعب العراقي في الديموقراطية والحرية. كما ينطوي أيضاً على خداع الرأي العام في بلدان التحالف، وهو الأمر الذي لوحظ بوجه خاص من خلال ردود الأفعال التي سجلت في الشارع وتميزت بالدهشة من المقاومة التي أبداها العراقيون.
مليارات للإعلام ومن أجل تكريس تلك الصورة، كان لا بد من خطة إعلامية محكمة تقوم بتنفيذها أجهزة متخصصة وقادرة في الوقت ذاته على أداء مهمتها كشكل ناجع من أشكال الحرب النفسية. ومن العناصر البارزة في تلك الخطة أن أكثر من ألفي صحافي أرسلوا الى منطقة الخليج ومنهم ستمئة دمجوا في الجيشين الأميركي والبريطاني لمرافقة الجنود وتغطية العمليات. عمليات كان يفترض بها، وفقاً لمزاعم الحلفاء، أن توفر للصحافيين، إضافة الى تصوير الابتهاج الشعبي، فرصاً نادرة لالتقاط صور للقادة العراقيين على شكل جثث هامدة أو أسرى مستسلمين. لكن السحر انقلب على الساحر: مع الاصطدام بالمقاومة الشرسة من قبل العراقيين، ومع تكاثر وقوع القتلى والأسرى والجرحى في صفوف الحلفاء، وكذلك مع تواتر تحطم طائراتهم أو إسقاطها والعديد غير ذلك من المفاجآت المزعجة التي تم تمريرها تحت أسماء الأخطاء والأعطال الفنية والنيران الصديقة وما الى ذلك.. بدأت نشرات الأخبار تشير، بين الفينة والفينة، الى قيام قوات التحالف بمنع الصحافيين من الاقتراب من هذا المكان أو ذاك لأسباب "أمنية". وسواء كانت الأسباب الأمنية هي التي أدت الى مقتل عدد من الصحافيين البريطانيين والأميركيين، أم أن مقتلهم قد جاء نتيجة لأسباب أخرى، فإن من الواضح أن السياسة الإعلامية المعتمدة من قبل الحلفاء، والتي تم بموجبها دعم ميزانيات كبريات الصحف وقنوات التلفزة بمليارات الدولارات، قد بدأت بالتغير بشكل موازٍ للتغير في السياسة العسكرية التي أثبتت فشلها في تحقيق الأهداف التي كانت قد أكدت امتلاكها القدرة على تحقيقها.
صور قاتلة وأغلب الظن، إذا ما أعيد قصف التلفزيون العراقي بعد عودته الى البث إثر قصفه ليل الثلاثاء الماضي، وإذا ما عجزت الصحافة المحايدة عن الوصول الى أرض العمليات، أن التغطيات الصحافية لتطورات الحملة العسكرية على العراق ستعود لتأخذ شكلاً مشابهاً لما كان عليه الأمر في حرب الخليج الثانية: تقارير مقتضبة من مراكز القيادة، وصور مصفّاة ومدبلجة لتأخذ الشكل المتناسب مع أغراض الدعاية. وهذا يعني أن الحرب التي تجري على الأرض ستنقل بأشكال مختلفة الى الشاشات وصفحات الجرائد والمطبوعات التي ستخلو من كثير من مشاهد القتل والدمار لتستبدلها بصور الأسرى وتقديم المساعدات الإنسانية وإجراء المقابلات مع الخبراء العسكريين.. ولعل الضجة التي أحاطت بنشر التلفزيون العراقي لصور القتلى والأسرى الأميركيين تنبئ بما ستكون عليه حال الإعلام الأميركي والمؤيد لأميركا من اعتماد التعتيم والتشويه والتسميم الإعلامي كوسائل وحيدة لنقل أخبار الحرب. فبعد وصف المسؤولين الأميركيين لنشر الصور بالتصرف الرهيب والهمجي المخالف لاتفاقية جنيف، امتنعت من نشر هذه الصور جميع الصحف البريطانية والأميركية باستثناء واشنطن تايمز التي نشرتها على الصفحة الأولى وقناة سي بي إس التي نشرتها وتعرضت، جراء ذلك، الى الاتهام بخيانة الوطن من قبل وسائل الإعلام الأخرى. نماذج التعتيم الكثيرة، تم مؤخراً رصد بعضها في الصحافة الأوروبية المؤيدة للحرب الأميركية على العراق. ففي إسبانيا، قامت جميع القنوات التلفزيونية الخاصة بتغطية تظاهرات الخامس عشر من شباط/ فبراير، في حين امتنعت عن ذلك جميع القنوات الرسمية، ما تسبب باندلاع تظاهرات أخرى رفعت فيها لافتات كتب عليها: "التلفزيون = اللاإعلام". وفي إيطاليا، لم تستقبل قنوات التلفزة تصريحاً أدلت به فيرونيكا لاريو، زوجة سيلفيو برلسكوني، وقالت فيه ان رافضي الحرب "يوقظون الضمير من سباته ويستحقون الاحترام"، ولم ينشر ذلك التصريح إلا في الصحافة المكتوبة.
صدمات مرعبة ويأتي توقع تغيير السياسة الإعلامية مرتبطاً بما لا يحصى من الارتباكات والتناقضات في النهج الإعلامي الذي ما زال سائداً حتى الآن. فمع الاعتراف بالمقاومة العراقية وبالمعارك الضارية وبالخسائر المادية والبشرية، لا يزال وهم التفوق الكاسح مسيطراً على أذهان المسؤولين الأميركيين والبريطانيين الذين ينسبون قسماً كبيراً من الانتكاسات الى عوامل الصدفة والأخطاء الفنية (برغم تفوق التكنولوجيا العسكرية) وغير ذلك من العوامل غير الأصيلة. وما زالوا يتحدثون أيضاً عن أهداف تعكس أمانيهم أكثر مما تعكس الواقع القائم أو المحتمل. فبعد أيام عديدة من الحديث عن سقوط أم قصر والناصرية وغيرهما من القرى التي ثبت أنها لا تزال تقاتل وتكبد القوات الغازية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، تحول الإعلام الى الحديث عن هذه القرى بوصفها جيوباً تتحاشاها الآلة العسكرية الهائلة في تقدمها السريع نحو بغداد، على أساس أن بغداد هي الهدف الذي يستحق العناء، علماً أن الوصول الى بغداد قد يطرح أمام القوات الغازية مشكلات أكبر من المشكلات التي طرحتها الناصرية وأم قصر، في وقت يبدو فيه من شبه المؤكد أن القوات البريطانية خاصة قد بدأت بمواجهة مشكلة حقيقية في مستنقعات البصرة. ومهما يكن من أمر فإن هذه الارتباكات والتناقضات قد انعكست على سحن بوش وبلير وباول ورامسفيلد في تصريحاتهم المتلفزة الأخيرة، وتجلت في نظراتهم التائهة وفي تعبيرات وجوههم التي بدت أحياناً على وشك الإجهاش بالبكاء. كما انعكس ذلك سلبياً على الرأي العام الأميركي والبريطاني الذي اكتشف متأخراً، مع الاطلاع على أخبار "الصدمة المرعبة" في ميدان الحرب، وعلى مطالب بوش باعتمادات مالية جديدة بعشرات المليارات، أنه كان موضوعاً لعملية خداع واسعة النطاق أوهمه المسؤولون فيها بأن الحرب ستكون مجرد نزهة ممتعة. إحباط حقيقي بقدر ما تأتي الهزيمة في الحرب الإعلامية والنفسية موازية للهزيمة العسكرية التي بدأت معالمها بالارتسام في العراق حتى ولو تمكن الغزاة من احتلاله على المدى القريب. لأن المهم، على المدى البعيد والمتوسط، أن العراق قد أثبت حتى الآن بعد الإثبات الذي قدمته المقاومة الإسلامية في لبنان، بأن أساطير الجيوش التي لا تقهر تظل قابلة للتحطم على صخور إرادة المقاومة والصمود من قبل فئة قليلة. فكيف لو أن الفئات الكثيرة عرفت كيفية إيجاد السبيل الى اكتشاف مكامن قوتها، على الأقل، عبر الإيحاءات التي تقدم بها مؤخراً النائب في مجلس العموم البريطاني، جورج غالاوي، عندما استهجن على الجماهير العربية صمتها عن استمرار ضخ النفط العربي الى المستعمرين الجدد، وعلى استمرار عبور سفنهم الحربية وغير الحربية لممراتهم المائية، وعلى استمرار استخدام أراضيهم كمنطلقات وقواعد لغزو العراق. عقيل الشيخ حسين |