|
|
|
كانت الخطة الأميركية المعلنة في العدوان على العراق تستند الى العنوان الذي أعلنه الرئيس الأميركي جورج بوش لهذه الحملة وهي "الصدمة والترويع والسرعة"، وورد في تقارير الخبراء كافة أن ساعة الصفر ستبدأ بـ"يوم جهنم" كما وصفه وكيل وزارة الحرب الأميركية وكما تحدث عنه نائب الأركان المشتركة الأميركية بيتر بيتس بأن هذا اليوم سيبدأ بسقوط آلاف الصواريخ على بغداد تطلق من المدمرات البحرية الأميركية ومن القاعدة الأميركية "ديييغو غارسيا" تتبعها 300 طائرة بمعدل ثلاث طلعات للطائرة الواحدة، وكل طلعة من 7 الى 10 قنابل ثقيلة ما يعني آلاف القنابل التي تتساقط على بغداد لمدة ثلاثة أيام على الأقل.
وللاطلاع أكثر على الخطة الاميركية في غزو العراق والتعديلات التي طرأت عليها بعد
المعوقات التي لاقتها القوات الاميركية والبريطانية والتي كان أبرزها مقاومة الشعب
العراقي لهذا العدوان اجرت "الانتقاد" هذا الحوار مع الخبير الاستراتيجي العميد
الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر الذي يشغل حاليا موقع مدير مركز دراسات الشرق
الاوسط.
ـ ما هو القصد من اختيار هذا العنوان الذي اطلق على العدوان على العراق؟ الصدمة والترويع والسرعة كان المقصود بها شل قدرات العراقيين وعدم السماح لهم بأي تصرف، وبالتالي مباغتتهم وترويعهم وتحقيق الوصول الى بغداد بأقصى سرعة. ولكن ما حصل هو تغير السيناريو بآخر لحظة. نعرف جميعاً أن الرئيس الأميركي أعطى مهلة لصدام وولديه لمغادرة العراق خلال 48 ساعة وإلا سيعلن الحرب، ولكن قبل انتهاء المهلة بخمس ساعات اتخذ بوش قراره بالحرب، وقبل انهاء المهلة بساعة بدأت الصواريخ تنهمر على بغداد، انما ليس بالحجم الذي روج له سابقا من قبل الادارة الاميركية بيوم جهنم أو ليل جهنم, بل جرى اختيار اهداف منتقاة سميت أهداف الفرصة. ـ ما السبب في هذا التغيير الذي طرأ؟ وردت معلومة للرئيس الأميركي عن وجود الرئيس العراقي في مكان معين, فبناء عليه قرر قطع رأس النظام، أي قتل الرئيس صدام حسين، فأعطى أوامره بعد أن اتصل بقائد القوات المركزية تومي فرانكس الذي قال له انه بعد ثلاث ساعات سوف تكون القوات حاضرة وبالتالي انطلقت الصواريخ على بغداد خاصة على المكان التي وردت المعلومات أن الرئيس العراقي موجود فيه. ومصدر هذه المعلومات رئيس وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينت الذي حدد لبوش المكان الموجود فيه الرئيس العراقي، وايضاً المكان الذي سينتقل إليه بعد ساعة، هنا انطلقت الصواريخ على عدة أهداف منها الهدفان الرئيسيان اللذان كان من المفترض وجود الرئيس العراقي في واحد منهما، والى اهداف اخرى ايضا. ولكن الذي حصل ان هذه الخطة فشلت في قطع رأس النظام العراقي، وأدت الى إرباك واشنطن, وهذا كان أول اخفاق معلوماتي من جانب المخابرات المركزية. ـ اذاً ما هو الاخفاق الثاني؟ الإخفاق المعلوماتي الثاني والهام كان عندما بدأت المعركة بمحاولة احتلال الفاو وأم قصر وانطلقت القوات البرية الأميركية من الكويت باعتقادها انها لن تلقى أية مقاومة، بل بالعكس ترحيبا من قبل العراقيين في كل المدن وصولا الى العاصمة العراقية حيث كان الحديث عن حرب المدينة أي حرب بغداد. ولكن الذي حصل ان الاميركيين فوجئوا بالمقاومة العراقية الامر الذي أدى الى تأخرهم في استكمال خطتهم وزحفهم وبالتالي أربكهم. والسبب في ذلك يعود الى تقسيم الرئيس العراقي البلاد الى أربع مناطق عسكرية في الأسبوع الأخير قبل الحرب حيث تبيّن لنا ولكل الخبراء أنه لن يكون هناك خطط حرب فقط لبغداد، انما ستكون هناك حرب مدن عنيفة تنتظر الأميركيين. ـ ماذا يعني هذا التقسيم من الوجهة العسكرية؟ الجيش العراقي لم ينتشر بتشكيلات كلاسيكية قتالية، يعني ان هذه الفيالق والفرق والألوية لم تنتشر في الصحراء بانتظار القوات الأميركية، لأن التفوق الجوي الأميركي يمكن أن يهزمها كما حصل في حرب الخليج الثانية عام 1991. ووفقا لهذا التقسيم أرسل الى الجبهة الشمالية فيلقين، كل فيلق تعداده بين 40 الى 45 ألف جندي بإمرة عزت إبراهيم الدوري، الجبهة الجنوبية المجاورة للكويت أوكلت إلى علي حسن المجيد لأنه خبير في هذه المنطقة ومن أقرب الناس الى الرئيس العراقي، وهو الرجل الثاني بعد قصي صدام حسين، وسلّم أيضا فيلقان، عسكرياً قام علي حسن المجيد بتقسيم الفيلقين الى وحدات صغيرة جداً تدعمها فرق كومندس تسمّى فدائيي صدام، وببعض عناصر الحرس الجمهوري، هذا ما يفسر ـ الى دور الشعب العراقي وعشائره ـ المقاومة الشرسة التي حصلت في الفاو وأم قصر والناصرية. والذي يعلم التكتيك الأميركي, يعرف أن الأميركيين يتجنبون في حربهم المدن تحسبا للمقاومة التي تعيق تقدمهم. ففي الحرب العالمية الثانية نزلت القوات الأميركية آنذاك في النورماندي على الشاطئ الفرنسي، وأخذت بالتوجه الى ستراسبورغ شرقي فرنسا فوصلت خلال ستة أيام وتركت المقاومة الإلمانية خلفها على اليمين وعلى اليسير على شرط أن تتولى أمرها القوات التي تزحف بعدها. واليوم كان التكتيك الأميركي الوصول الى بغداد بأقصى سرعة ممكنة لا تتعدى ثلاثة أو أربعة أيام، ولكن حتى الآن ما زال الأميركيون يقاتلون ويلاقون مقاومة في أم قصر والناصرية. وأيضاً القوى الأميركية العسكرية التي انتقلت من أم قصر والفاو باتجاه البصرة صادفت مقاومة، وكانت ميسرتها لجهة الناصرية مهددة. فعندما تقدمت كانت معتقدة أن الناصرية ستستسلم, وحتماً لم تكن القوات الأميركية في وارد الانتقال الى بغداد عن طريق الأهوار لأن الأهوار مناطق وعرة إنما كان يهمها أن تحمي ميمنة القوات الزاحفة في الصحراء شمالاً باحتلال الناصرية. لكن الناصرية كانت مركزاً منيعاً، وحصل فيها قتال مرير وتكبد الأميركيون خسائر كبيرة، فشعر الأميركيون متأخرين أن ما يحصل في الناصرية هو إعاقة لتقدمهم، فانطلقت القوات البرية بمدرعات خفيفة الى النجف. ـ ولكن هذه القوات تعرضت أيضا لهجمات في الطريق الى النجف. نعم, ولا أدري اذا كان ذلك خطأ تكتيكيا أو نقصاً في المعلومات حيث تعرضت القوات الزاحفة الى النجف لعمليات كومندوس من المنطقة الجنوبية، فعادت فتوقفت لتحمي مؤخرتها فعادت الى الناصرية من جديد. هذه الإرباكات التي حصلت في القوات الأميركية كانت السبب بهذا التأخير ولهذه الخسائر. ـ القوات الاميركية والبريطانية لم تصل بعد الى بغداد وتكبدت هذه الخسائر. بتقديرك ما هي الدفاعات التي احاط بها الرئيس العراقي العاصمة؟ منطقة بغداد أوكلها الرئيس العراقي لابنه قصي ووضع تحت تصرفه فيلقاً من الجيش مع معظم قوات الحرس الجمهوري التي تمثل النخبة، واعتمد مبدأ الدفاع الدائري عن بغداد على الطريقة السوفياتية القديمة ما يعني دفاعاً أول، دفاعاً ثانياً وخط دفاع ثالثاً. يبدأ خط الدفاع الأول عن مسافة 80 كلم من تخوم بغداد بعد إقامة حواجز، في منطقة النجف وكربلاء التي تبعد من 160 الى 170 كلم عن العاصمة, فهنالك حواجز طبيعية من نهر الفرات وبعض المناطق الآهلة بالسكان اضافة الى الحواجز الاصطناعية من حقول ألغام ودشم وخنادق وغيرها. وهذه الحواجز الطبيعية يلزمها من يحميها فكان هناك وحدات من الحرس الجمهوري ووحدات من الحزب وأهالي القرى والعشائر والمقاومة الشعبية لتقوم بمناوشات هدفها تأخير القوات الزاحفة قدر الإمكان وإلحاق الأذى بها. الجيش العراقي بما يملك من دبابات وسلاح ثقيل لم يظهر بعد, فالجيش يملك 2000 دبابة صالحة للخدمة وأكثر من 1000 عربة مدرعة، ويملك آلاف مدافع الميدان، ويملك نحو 300 طائرة منها 200 لا تزال صالحة، والباقية يلزمها صيانة وبالتالي ستكون مهمتها محدودة, ومعظم هذه الاليات مسخرة للدفاع عن بغداد. ـ ما أهمية الطائرات العراقية مقابل التفوق الجوي الاميركي؟ هذه الطائرات بالمنظور العسكري لا يجوز أن تشترك بأي معركة جوية مع الأميركيين لأنها ستسقط حتماً، ولكن اذا كان لا بد من استخدامها فيمكن ذلك عندما تلتحم القوات الأميركية في معركة المدن، وخاصة في بغداد، ربما يكون لها دور في استغلال ثغرات وفترات عدم وجود تغطية جوية من قبل الطائرات الاميركية للإنطلاق بسرعة والانقضاض على القوات البرية الاميركية والبريطانية وإلحاق ضرر بها. ولكن تبقى من الوجهة العسكرية مهمة سلاح الجو العراقي صعبة جداً بوجود السيطرة الجوية الأميركية. ـ ولكن العراقيين استطاعوا حتى الان اسقاط عدة طائرات اميركية على خلاف ما حصل في العام 1991؟ نعم, ان الدفاعات الجوية العراقية تكون فعالة عندما تضطر الطائرات الأميركية للتحليق على علوٍ منخفض لتحقيق المساندة الأرضية للجيش الزاحف، هنا تستطيع أن تطالها الدفاعات الجوية وهذا ما حصل بالفعل حيث سقطت بعض الطائرات خاصة المروحيات منها التي تضطر الى الهبوط اكثر من المقاتلات الحربية. ـ ولكن كيف تفسر وقوع هذه الخسائر في صفوف القوات الاميركية والبريطانية بالرغم من التفوق التكنولوجي والعسكري الكبير بين الطرفين؟ مهما بلغ التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي عند التحام القوى في معركة قريبة ومعارك المدن ينتفي هذا التفوق لان هامش الحيطة بين المتقاتلين يضيق ما يجعل امكانية إصابة القوات الزاحفة من قبل طائراتهم كبيرة، وأكبر دليل على ذلك هو إصابة الطائرات الاميركية أهدافاً تابعة للقوات البريطانية في ضواحي البصرة. فالتكتيك العراقي اعتمد الكر والفر، أي الانسحاب ثم القيام بهجوم مضاد. وهذا ما حصل بالضبط في أم قصر. ـ هل يعني ذلك ان العراقيين استطاعوا ان يستدرجوا الاميركيين الى حيث يريدون؟ تماماً، استطاع العراقيون أن يستدرجوا الأميركيين الى حرب المدن. أكبر دليل في الناصرية ثم خدعة الاستسلام وإضاعة الوقت لتكبيد القوات الغازية خسائر كبيرة. مثلا الفاو هي شبه جزيرة أرضها وعرة جداً وتهطل فيها أمطار موحلة جداً لا يمكن لأي جيش احتلالها بطريقة كلاسيكية. ـ ما أهمية الفاو وأم قصر والبصرة من الوجهة العسكرية؟ ليس هناك شك في أن للفاو وأم قصر أهمية استراتيجية كونها على البحر وهي تمهد الطريق نحو البصرة, ولكن هناك نقطتان مهمتان، البصرة وبغداد، وأنا أرى أن التكتيك الأميركي اليوم سيتجنب كل المدن ما عدا بغداد والبصرة. ـ لماذا؟ أولاً إذا سقطت بغداد سقط النظام وسقط العراق كله، إنما لا يمكن التخلي عن البصرة نظراً لأهميتها، فإذا كانت لا توازي بغداد فإنها تقاربها. فالبصرة، هي المرفأ العراقي الوحيد ومنفذ العراق الوحيد على البحر، وهي ثاني مدينة عراقية, واعتبر الأميركيون أن احتلال البصرة بطريقة سلمية سيربحهم هذه الحرب لان دخولها بطريقة سلمية يجعلهم يبرهنون للعالم بأسره بأنهم محررون وليسوا فاتحين، هذا بالنسبة للرأي العام العالمي، وعندما يستسلم سكان البصرة ويظهر الأميركيون مع المساعدات الإنسانية على وسائل الإعلام وبالتالي تظهر أن هذه المدينة استسلمت للقوات الأميركية وهلّلت لها والأخيرة تتصرف بشكل حضاري ومودة مع السكان، هذا من شأنه أن يضعف معنويات السكان في بغداد وتصبح البصرة مثلاً لهم كي يرموا السلاح ويستسلموا للقوات الأميركية. ـ لكن الذي حصل هو بالعكس... طبعا, هذا لم يحصل وكان هناك إخفاق آخر في المعلومات لدى الأميركيين إذ ان المقاومة في البصرة كانت عنيفة جداً. نرى جميعاً أنه في اليوم الذي ألقيت به مئات القنابل على بغداد لم يُرمَ على البصرة أي قنبلة أو صاروخ بل رمي عليها نصف مليون منشور تدعو أهلها للاستسلام. وعندما لم يحصل ذلك ألقت القوات الأميركية قنابل انشطارية على البصرة وسقط عدد كبير من المدنيين، مع ذلك أعلن الأميركيون أنهم لن يقتحموا البصرة وسيحاصرونها وسيحاولون باستمرار تحقيق الهدف الأول وهو دخولها بدون قتال. ـ لماذا برأيك هذه الاخفاقات الاميركية؟ كانت المعلومات لدى الأميركيين أن الشيعة في الجنوب الذين عانوا كثيراً من النظام العراقي خاصة بعد حرب الخليج الثانية سيثورون ضد النظام وسيؤازرون القوات الأميركية، هذا لم يحصل إطلاقاً، حتى ان وقوفهم على الحياد كما راهن بعض الأميركيين لم يحصل، فكان القتال لدى الشيعة ضارياً جداً ضد القوات الغازية، هذا إخفاق معلوماتي مخابراتي خاطئ لدى الأميركيين. الجبهة الشمالية ـ ماذا عن الجبهة الشمالية؟ إخفاق اميركي آخر بموضوع تركيا، فتركيا التي تُعتبر الدولة الثانية في المنطقة الحليفة لأميركا بعد "إسرائيل" والتي تسمى قاعدة الانطلاق باتجاه أوروبا ومنطقة الشرق الاوسط، خذلت الأميركيين بطريقة غريبة. وهنا نرى ضعف محللي البيت الأبيض ومستشاري بوش والبنتاغون عندما حشدوا نحو 60 ألف جندي في البحر مقابل الشواطئ التركية لتنطلق منها الى العراق، ليأتي بعدها البرلمان التركي ليقول لا لن نسمح بذلك، هذا برأيي خطأ بالتقدير وخطأ بالدراسة حتى تعود أميركا بعدها عبر قناة السويس لتعيد هذه القوات من جديد لإدخالها عبر الكويت. ـ عسكرياً لم تستطع اميركا أن تحشد القوات البرية الا في الكويت، وانحصر الهجوم على العراق فقط في الجنوب، هل يعني ذلك ان المعركة ستكون طويلة؟ اليوم انحصر الهجوم على محورين من الكويت، وربما باحتلال البصرة يمكنها أن تقوم بانزال بحري لبعض القوات. هناك نحو 200 الف جندي انطلقوا من الكويت، وفي المنطق العسكري ثلث هؤلاء هم لوجستيون ويبقى أن الذين يقاتلون هم الثلثان. هناك مسافة تتعدى 500 كلم من تخوم بغداد حتى حدود الكويت يجب ان ينتشر عليها الجنود الاميركيون والبريطانيون, هذه سميت الأفعى التي رأسها يجب ان يكون في تخوم بغداد وذنبها على حدود الكويت. هذه القوات اذا بدأت بالانتشار على هذه المسافة بالطبع فإن عددها لا يكفي اطلاقاً لأن هذه المسافة يلزمها قوات حماية على اليمين وعلى اليسار استناداً الى التكتيك العراقي في المقاومة الذي يعتمد الكر والفر ّوضرب مؤخراتها وخطوط تموينها ومواصلاتها. ـ هل الجندي الاميركي مؤهل ليصمد في ظل هذه الظروف؟ علمنا أن قوات المارينز التي بقيت 48 ساعة كما ذكر الاميركيون تقاتل في ظروف صعبة جداً وصلت الى حد الارهاق النهائي عندما وصلت الى كربلاء، وقال الاميركيون ان التدريب التي تلقته هذه العناصر مع أنه كان مكثفاً لكن ما حصل هو ظرف أصعب بأربع مرّات من الظروف التي تدربوا فيها. تصور أن الاميركيين يقاتلون في هذه الصحراء في أرض غير أرضهم ولم يتعودوا عليها، وهناك عدو خفي يبرز بين لحظة وثانية. وشاهدنا العسكري الاميركي يحمل عبوة مياه معدنية وفي زوادته معلبات وعلبة شوكولا هذا الى أي فترة يستطيع ان يقاتل. هذا الجندي لو كان في فرنسا مثلاً ربما يتصيد في حال اقفلت خطوط الاتصال والتموين, يستطيع ان يشرب من اي نهر، يستطيع ان يأكل أي شيء من نبات الأرض وحيواناتها، ولكنه الآن موجود في صحراء، العراقي متكيف مع هذا الوضع، اما الاميركي اذا فقد التموين ـ ويمكن ان يحصل ذلك ـ فاستمراريته ضعيفة. وهناك موضوع اساسي آخر، ان المقاتل الاميركي جاء يقاتل في العراق بدون حوافز، ففي حرب الخليج الثانية شعر الاميركي بأنه أتى لتحرير بلد، والعالم كله مؤيد له، أما اليوم فهو يأتي ليقاتل والعالم كله ضده، وحتى جزء كبير من الرأي العام الاميركي ضده، وبالتالي هو يقاتل من دون اي حافز وطني, وهذا ما نراه من حالات التمرد في الجيش الاميركي. ـ لكن ازاء هذا الوضع فإن اميركا مصممة على الاستمرار. اميركا مصممة على الحرب لان لها أهدافاً استراتيجية، اميركا اذا انسحبت من الحرب سيصيب ذلك منها مقتلاً، يعني ان اميركا انتهت هيبتها في العالم وانسحبت الى الداخل لترتيب وضعها. وأنا أخشى أن تُحشر اميركا قبل الدخول الى بغداد، وان تستعمل أسلحة غير تقليدية، والأسلحة التي يمكن ان تستخدمها هي الأسلحة الكيميائية والنووية التكتيكية التي تدمر على شعاع 2 كلم بشكل مباشر، وعلى مسافة 5 كلم تحقق اصابات غير مباشرة. اميركا لن تستعمل هذا النوع من السلاح عند دخولها الى بغداد لانه يشكل خطراً عليها، لكن من الممكن ان تستعمل هذا السلاح قبل الدخول الى العاصمة العراقية، وهي اليوم تفتش عن مبرر، والاميركيون باعتقادي حضّروا غازات كيميائية منها ما يشل قدرات المقاتل العراقي ومنها المنوم والمخدر الشبيه للذي استخدمه الروس في مسرح موسكو مع تطويره. والخشية اليوم هي أن تقوم اميركا بنفسها باستعمال الأسلحة الكيميائية واتهام العراق بهذا الموضوع لتحصل على المبرر، وهذا ما يتم الترويج له. ـ كيف تنظر الى الخسائر الاميركية؟ برأيي أن الخسائر العسكرية لدى الأميركيين بالمنطق العسكري ليست بذي بال، إنما بالمنطق الأميركي مهمة جداً، أولاً لما وعد به بوش بأنه لن يكون هناك ضحايا، ثانياً استناداً الى حرب الخليج الثانية، لم يخسر الأميركيون هذا العدد، ثالثاً أميركا التي لم تشفَ حتى الآن من عقدة فييتنام برغم مرور أربعين سنة عليها، ولم تُشفَ حتى الآن من مقتل 250 من المارينز في يوم واحد في بيروت، وجاء الرئيس الأميركي ليقول للأميركيين ان هذه الحرب ستكون خاطفة وسريعة وحاسمة ليعود ويقول لهم ربما ستكون هذه الحرب طويلة ومكلفة، وهي بالفعل هكذا. أجرى الحوار : مروان عبد الساتر |