الامام الصدر واستشراف الوطن والمقاومة


د. طلال عتريسي 

 

عندما وصل الامام السيد موسى الصدر الى لبنان في بداية الستينيات آتياً من قم بعد وفاة المرجع الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين، استقر في مدينة صور في جنوب لبنان. لم تكن أوضاع السكان في هذه المدينة ولا في القرى المجاورة لها تبعث على الارتياح أو الاطمئنان، فالاحتلال الاسرائيلي يجثم على الحدود الجنوبية للبلاد، والأمية والفقر متفشيان بين سكان الجنوب الشيعة بشكل خاص. كما أن الأوضاع في لبنان عموماً لم تكن بدورها تبعث على الارتياح هي الأخرى، فقد كانت "أزمة" 1958 التي قسمت البلاد بين مسلم مؤيد للتيار الناصري العروبي ومسيحي مؤيد للتيار الغربي لا تزال تتفاعل ولم تلتئم جراحاتها تماماً. كما ان الزعامات التقليدية ورموز الاقطاع السياسي والعائلي كانت هي التي تقرر مصير البلاد والعباد. ولم يكن حال رجال الدين أفضل، ذلك أنهم في غالبيتهم كانوا إما ممن يقومون بدورهم التقليدي في عقد مراسم الزواج والطلاق وتبيان أحكام الطهارة والنجاسة، من دون الالتفات الى أي شأن من الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية، وإما أنهم كانوا من الذين يؤيدون الزعماء السياسيين ويبايعونهم ويتلقون منهم مواردهم.

في هذه الظروف وصل الامام الصدر الى لبنان.. كان من الصعب على شخص مثله وفي مثل سنه وفي أوضاع كتلك التي أشرنا اليها، أن يحدد من أين يبدأ، وكيف يحدد أولويات عمله في هذا البحر المتلاطم من المشاكل، ابتداءً من جنوب لبنان وشيعته المحرومين والمهمشين، وصولاً الى الوطن وحدوده المستباحة، مروراً بالنظام الطائفي والعيش المشترك الاسلامي ـ المسيحي..

وكان من الطبيعي أن يبدأ الامام الصدر مشروعه التغييري الواسع من المحيط الذي ينتمي اليه، لأن الخلل الكبير الذي كان يعاني منه الجنوب وأهله على المستويات كافة: التعليمية، الصحية، الادارية والاقتصادية، كان يعكس نفسه اختلالاً في التوازن السياسي والاجتماعي والوطني في البلاد كله. هكذا بدأ ينتقل في قرى جبل عامل وفي قرى مناطق بعلبك ـ الهرمل، فتعرف مباشرة الى مستوى الحرمان والبؤس الذي يعيشه الناس في هذه القرى، وجعل من ازالة هذا الحرمان هدفاً من أهداف رسالته التي بدأ يعلن عنها ويتنقل بها في الأوساط اللبنانية كافة. وكان أول رجل دين مسلم يدخل الى الكنائس فيلقى فيها الخطب والعظات، ويعلن من تحت سقوفها مواقفه السياسية، ويطلق دعواته الى العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.

ولم تكن الأوضاع الاقتصادية في جبل عامل أفضل حالاً من أوضاعه الثقافية والتعليمية. فقد كانت تجارة هذه المنطقة تاريخياً مع فلسطين، ثم انقطعت بعد تأسيس الدولة العبرية 1948، وأصيبت بانتكاسات كبيرة مع الحروب التي دارت على أرض الجنوب بعد ذلك العام المشؤوم، حيث كانت القرى والبلدات تتعرض للاعتداء المتكرر من جيش الاحتلال، ما دفع ألوف الحرفيين الى مغادرة الجنوب بحثاً عن الرزق في مكان آخر أكثر أمناً واستقراراً. وقد استمر هذا الركود الاقتصادي طيلة السنوات اللاحقة، ولم تعر دولة الاستقلال انتباهاً الى هذا الجزء الواسع من لبنان، فتفشت الأمية وازداد العاطلون عن العمل، واتسعت فكرة الهجرة ومعها النقمة على هذا الكيان الذي كان أرضاً خصبة لنمو التيارات الفكرية والسياسية، "الثورية" أو "الانقلابية" في أوساط الاجيال الشابة التي كانت تنشد التغيير وتبحث عن وطن وعن مستقبل أكثر عدلاً وأكثر مساواة بين المواطنين وبين الناس.

بدأ الامام الصدر مشروعه ببناء المؤسسات الاجتماعية والمهنية والثقافية والتربوية، انطلاقاً من مواجهة الحاجات الاساسية لسكان جنوب لبنان بالدرجة الاولى. فأنشأ بين 1960 تاريخ وصوله الى لبنان و1969 عشرات المؤسسات الاجتماعية والخيرية، بينها مهنية جبل عامل في البرج الشمالي في صور، ومدرسة فنية للتمريض، ومدرسة داخلية خاصة للفتيات، ومعهد للدراسات الاسلامية.. الى حصوله على ترخيص للمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في 1967 لتنظيم شؤون الطائفة الشيعية أسوة بالطوائف الأخرى في لبنان.

ومن خلال البيان التأسيسي لهذا المجلس الذي تلاه الامام الصدر بعد انتخابه رئيساً له، يبرز هذا البعد الشمولي لمشروعه ولاتساع أفقه على مستوى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي كان يعيشها لبنان في تلك المرحلة. وقد ركز هذا البيان التأسيسي عام 1969 على العناوين التالية:

ـ تنظيم شؤون الطائفة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.

ـ القيام بدور اسلامي كامل، فكراً وعملاً وجهاداً.

ـ عدم التفرقة بين المسلمين، والسعي للتوحيد الكامل.

ـ التعاون مع الطوائف اللبنانية كافة، وحفظ وحدة لبنان.

ـ ممارسة المسؤوليات الوطنية والقومية، والحفاظ على استقلال لبنان وحريته وسلامة أراضيه.

ـ محاربة الجهل والفقر والتخلف والظلم الاجتماعي والفساد الاخلاقي.

ـ دعم المقاومة الفلسطينية والمشاركة الفعلية مع الدول العربية الشقيقة لتحرير الأراضي المغتصبة.

وإلى هذا البيان التأسيسي الشامل، ركز الامام الصدر على مخاطر وجود "دولة اسرائيل"، ودعا مبكراً الى اجراءات واقعية من أجل الدفاع عن الجنوب عبر الخدمة العسكرية الإلزامية وتدريب أبناء الجنوب وبناء الملاجئ ورفع مستواهم الاجتماعي.

وبرغم مرور ما يزيد على ثلاثين عاماً على هذا البيان التأسيسي، تبدو عناوينه كأنها وُضعت قبل أعوام قليلة، ومعظمها لا يزال صالحاً الى اليوم، خصوصاً على مستوى وحدة لبنان وتنظيم شؤون الطائفة وعدم التفرقة بين المسلمين ومحاربة الجهل والتخلف والأمية.. أما الملاحظة الثانية التي تستحق التأمل في منهج الامام الصدر وفي مشروعه التغييري في لبنان، فهي قدرته على هذا الدمج المبكر بين البعد الاسلامي ـ والشيعي ـ الذي ينتمي اليه، والبعد الوطني الذي يسعى اليه، فلم يجعل من انتمائه الاسلامي عقبة أمام التزامه بالوطن اللبناني ذي الطوائف المتعددة وطناً له.. ولم يمنعه هذا الالتزام الوطني في الوقت نفسه من امتداده العربي والاسلامي، فكان أول عالم شيعي معاصر يتنقل بين الدول العربية داعياً الى دعم الجنوب وحماية لبنان وتأييد المقاومة الفلسطينية، من دون ان ننسى دوره وعلاقته مع الامام الخميني في اندلاع الثورة الاسلامية في ايران.

أما البعد الآخر لمشروع الامام الصدر فكان إقليمياً بالدرجة الأولى، تلخصه تلك الدعوة التي أطلقها لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي من خلال تأسيس مقاومة لبنانية الى جانب المقاومة الفلسطينية التي بدأ الامام الصدر يشعر بانزلاقها نحو مستنقع السياسات الداخلية اللبنانية والعربية. ولم يمنعه ذلك من الدفاع عن هذه المقاومة في المحافل كافة، لكنه كان يشدد دائماً ـ خلافاً للتيارات السائدة عربياً ولبنانياً ـ على أهمية تدريب الجنوبيين وتسليحهم للدفاع عن أرض الوطن. ولا تقتصر أهمية هذه الدعوة الى التسليح والتدريب على توجهها الى اللبنانيين فقط، بل تزداد أهمية هذه الدعوة وخصوصيتها مع الربط الذي لم يتخلَّ عنه الامام الصدر يوماً بين هذه الدعوة والمحافظة على وحدة لبنان وسيادته، وعلى تأكيده الدائم لدور الجيش اللبناني في عملية المواجهة مع العدو. وهذا أيضاً خلافاً للتيارات السياسية الأخرى، اليسارية والفلسطينية، التي كانت تخشى مثل هذا الدور للجيش، وكانت تشوب علاقاتهما المتبادلة الحذر وعدم الثقة. وهي دعوة عرّضت الامام الصدر لكثير من الاتهامات في أوساط هذه التيارات وفي وسائلها الاعلامية التي كانت تسيطر على جزء مهم من الساحتين اللبنانية والعربية.

وقد واجه الامام الصدر المزيد من الاتهامات والتشكيك والحروب العلنية والسرية ضده من أوساط مختلفة المصالح والاتجاهات الفكرية والسياسية، إلا أنها تقاطعت عند "التهديد" الذي شكله الامام الصدر لها. فدعوته الى تنظيم شؤون الطائفة وربطها ببعدها الديني والتاريخي تحولت الى قلق عند كثير من الأحزاب العقائدية والسياسية اللنبانية التي شعرت بأن قسماً كبيراً من جمهورها ـ الشيعي ـ بدأ ينجذب الى فكرة الامام الصدر ودعوته. كما أن بروز نجمه في الأفق اللبناني الاسلامي ـ والمسيحي واهتمامه بالأنشطة الاجتماعية والسياسية، وتنقله في المناطق كافة، هدد مواقع الزعامات التقليدية، ومعها المواقع التي كانت "مستقرة" لأحزاب أخرى وعلماء آخرين.

وفي الوقت الذي كان البعض من العلماء لا يرى في التغيير إلا مشروعاً يبدأ بالدعوة والتربية التي تحتاج الى سنين طويلة من الاعداد، كان الامام الصدر قد انخرط في الشؤون السياسية المباشرة، من دون أن يفصل بينها وبين الجوانب الدينية والعبادية، وإن كانت الظروف التي عصفت بلبنان وخصوصاً الحرب الأهلية التي اندلعت في 1975، قد أربكت هذا الدمج الديني ـ السياسي لمصلحة هذا الأخير. كما بدلت هذه الحرب من الأولويات التي حاول الامام الصدر ترتيبها على مستوى مشروعه لمواجهة الحرمان ومواجهة "اسرائيل" وبناء الدولة العادلة والوطن الموحد.

وربما تكمن قدرة الامام الصدر الاستشرافية وغير العادية في تركيزه على مشروع المقاومة اللبنانية ضد العدو الاسرائيلي منذ وقت مبكر. وما يميز هذا التركيز ليس جانبه العسكري أو التدريبي البحت، او حتى بعده اللبناني، وإنما المشروع الشامل الذي أحاطه بهذه الدعوة. من هنا نلاحظ من خلال ما تركه الامام الصدر من خطب وبيانات ومقابلات طيلة نشاطه المتنوع في لبنان الى إخفائه في آب 1978، كيف ربط بين المقاومة وتأكيد الحفاظ على وحدة لبنان والاستعداد لمعركة طويلة، وتوسيع دائرة القتال ضد العدو لتشمل أجيال الأمة بأكملها، وعدم إضعاف الجيش اللبناني.. وكذلك ركز على أهمية دوره في المقاومة، الى بناء مجتمع الحرب "الذي يفرض إعطاء الأولوية للجنوب في الموازنة العامة"، الى الدور العربي في دعم الجنوب والمقاومة، مؤكداً موقع سوريا في هذا الدعم، وصولاً الى رفض التقسيم والتشبث بوحدة لبنان وعروبته، ورفض التطبيع.

ولم تنطلق هذه الاستراتيجية الشاملة للمقاومة التي وضعها الامام الصدر من تصورات نظرية مجردة، بل من التجارب الصعبة والمريرة التي خاضها، والحروب والفتن التي عاشها لبنان، والتي هددت وحدته ووجوده في أكثر من مرحلة من مراحل هذه الحروب القاسية والمدمرة.

ولو تأملنا اليوم في ما أنجزته المقاومة في جنوب لبنان، وفي مقدمها المقاومة الاسلامية، أمكننا القول ان ما حصل هو ثمرة من الثمرات التي زرعها هذا الامام قبل ثلاثين عاماً. وإذا تأملنا الكثير مما يجري على الساحة السياسية وعلى ساحة الحوار الاسلامي ـ المسيحي وعلى ساحة الدعوات الى العيش المشترك، وإلى العلاقة الاستراتيجية مع سوريا وإلى بناء المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية، وجب علينا الاعتراف بأن الامام الصدر كان سباقاً وقبل ثلاثين عاماً الى استشراف ذلك كله.

 من هنا فرادة تجربته، ومن هنا أهمية العودة لقراءة هذه التجربة على ضوء التحديات الصعبة التي واجهتها، وأدت الى تغييبه وإخفائه، وعلى ضوء الانجازات التي حققتها المقاومة في لبنان، والتحديات المستمرة التي لا تزال تواجه الوطن والأمة.