المؤتمر الشعبي العربي للمقاطعة يصدر وثيقة "إعلان دمشق"
التكامل بين الجهود الرسمية والشعبية للمقاطعة


دمشق ـ ثائر سلوم:

يأخذ انعقاد المؤتمر الشعبي العربي للمقاطعة في دمشق دلالات عديدة، تنطلق بداية من كونه المؤتمر الأول من نوعه الذي تقيمه الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية التي تأسست عام 1996، إضافة إلى دلالات عقده في دمشق، ذات الموقف الواضح والصريح ضد التهديدات الأميركية بشن عدوان على العراق، والتي تستضيف مقر مكتب مقاطعة "إسرائيل" التابع لجامعة الدول العربية منذ تأسيسه منذ أكثر من نصف قرن.

أما على صعيد الدلالات السياسية، فالمؤتمر يأتي في ظروف هامة وخطيرة تزداد خلالها التهديدات الأميركية، كما ان اختتام المؤتمر جاء في اليوم نفسه الذي قدمت فيه لجان المفتشين الدوليين تقريرها عن عملها في العراق إلى مجلس الأمن، فكان أن تصادف الاختتام مع قيام المواطنين السوريين بالتظاهرات الرافضة للعدوان، وقام أعضاء المؤتمر بالمشاركة في إحدى تلك التظاهرات.

وإذا كان المؤتمر قد ناقش خلال أيامه الثلاثة، أربعة عشر تقريراً عن حالة المقاطعة في مختلف الأقطار العربية وواقعها ومنجزاتها ومقوماتها وآفاقها، فقد كان للكلمة التي ألقاها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في جلسة خاصة بذلك، وقع خاص، وقدمت أطروحة وفلسفة جديدة يحتاجها المؤتمر وكل العاملين في مجال المقاطعة، وتقدم مبررات سياسية وفكرية وثقافية ونفسية ودينية واقتصادية وعسكرية وغيرها لجدوى المقاطعة وأهميتها، في إطار رده على كل أولئك الذين يشككون بجدوى المقاطعة وأهميتها، حيث خلص أعضاء المؤتمر إلى اعتبار كلمة السيد نصر الله وثيقة أساسية للمؤتمر.

إلا أن البحث في موضوع المقاطعة يتخذ أهمية خاصة من خلال الجهة التي عقدت المؤتمر الشعبي، ألا وهي الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية، التي تضم في إطارها 83 حزباً عربياً لها أطياف سياسية مختلفة، إسلامية وقومية وماركسية وغيرها، إلا أنها تلتقي على قواسم مشتركة، يأتي في مقدمتها ما جاء في ميثاقها الذي وُقع عليه، حول مسائل المقاومة عموماً ومناهضة التطبيع وغير ذلك من أدوات ووسائل تعبوية ومواقف سياسية وفكرية، ما يعني أن الأحزاب المنضوية في هذا الإطار تتخذ من  توصيات ومقررات المؤتمر الشعبي العربي للمقاطعة منهجاً لها ولأعضائها، الأمر الذي يقود إلى تعزيز سلاح المقاطعة في وجه الغزو الصهيوني ـ الأميركي ضد الأمة العربية والإسلامية، وذلك باتجاه شعار المؤتمر، والذي حُدد بـ "نحو استراتيجية شعبية للمقاطعة العربية"، ولذلك فإن نقاشات المؤتمر انطلقت باتجاهين: الأول التوقف عند التجارب العربية في موضوع المقاطعة بهدف تبادل الخبرات في هذا المجال وتعميقها لتصبح تجربة ناجزة ومحققة لأهدافها في مؤازرة الفعل المقاوم: "سلاحهم المقاومة وسلاحنا المقاطعة"، على حد تعبير البيان الختامي للمؤتمر، والثاني هو التأسيس النظري والفكري من خلال الدراسات والبحوث والأوراق العلمية التي تناولت جوانب المقاطعة المختلفة وسبل تعزيزها وتطويرها، من أجل "التأسيس لفكر عربي سياسي في موضوع المقاطعة"، وذلك من خلال ما بُحث في المؤتمر حول المقاطعة العربية الرسمية والشعبية وضرورة تكاملهما وتوازيهما ومناقشة دور القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تفعيل المقاطعة وتأثير المقاطعة على العدو الصهيوني وعلى الوضع المحلي والقطري وصولاً إلى البحث في أطر وأساليب وأدوات تفعيل المقاطعة.

ولعل من أبرز النتائج التي خلص إليها المؤتمر الشعبي العربي للمقاطعة هو ما اصطلح على تسميته "إعلان دمشق" الذي يقدم الأرضية السياسية والفكرية لفعل المقاطعة في التصور الشعبي العربي للصراع مع الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها في المنطقة، ما يجعل من المقاطعة "أمراً بدهياً وتلقائياً"، في إطار "رد الفعل الطبيعي على الحرب المعلنة والعدوان المتواصل"، كما ان هذا السلاح يأتي مكملاً "لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ومقاطعة الشركات الداعمة لهذا العدو".

ويبدو أن الهام في المؤتمر أيضاً هو أن التوصيات التي خلص إليها هي "برامج عملية تعلن الأحزاب الثلاثة والثمانون التزامها العمل بها"، في تساوق مع الدعوة إلى تشكيل لجان للمقاطعة لتشمل جميع الأقطار العربية ضمن المؤسسات الحزبية والهيئات والجهات الشعبية، مع تأكيد أهمية التنسيق في ما بينها، ولذلك فإن جدول أعمال المؤتمر شمل مجالات المقاطعة كافة، وتوزع أعضاؤه على أربع لجان تمثل العناوين الرئيسة للمقاطعة، وهي "اقتصادية وثقافية وتربوية وإعلامية"، حيث خلصت هذه اللجان إلى عدد من التوصيات تشكل بمجموعها البرنامج العملي للمقاطعة، ويأتي في مقدمتها "العمل على رفض الدعوات الرامية إلى ترويج عناوين مزيفة مثل الواقعية والحداثة والتكيف مع المتغيرات بهدف تعميم ثقافة الاستسلام والإحباط"، و"التواصل مع الشخصيات الأجنبية بهدف كسب تأييدها ومساندتها ضد الهيمنة الأميركية"، و"تعميم ثقافة المقاطعة في أوساط الطلاب"، و"تشكيل لجان شبابية للمقاطعة"، و"توجيه الناشئة إلى التحرر من استخدام السلع الترفيهية والثقافية والتربوية ذات المنشأ الأميركي"، و"مقاطعة الأفلام السينمائية والمسلسلات الأميركية التي تروج للكيان الصهيوني أو المتضمنة أفكاراً ومفاهيم ترويجية للقيم الأميركية"، وتخصيص جائزة بحثية لأفضل دراسة علمية في مجال التشجيع على تنمية الفكر السياسي العربي في مجال المقاطعة.

أما على المستوى الاقتصادي فمن الواضح أن المؤتمر قد أخذ بنصيحة السيد نصر الله في كلمته أمام المؤتمر، بـ"تحريم بضائع الكيان الصهيوني بشكل مطلق"، إضافة إلى تأكيد المؤتمر "مقاطعة البضائع والسلع الأميركية"، و"إعداد قائمة موحدة بالسلع المطلوب مقاطعتها"، و"كشف الوكالات والهيئات الأميركية التي تخترق المنظمات الأهلية ومقاطعتها"، و"الدعوة إلى عدم التعامل بالدولار"، و"التواصل مع الغرف التجارية والصناعية والزراعية ورجال الأعمال لإيجاد بدائل وطنية للسلع الأميركية للمقاطعة"، وصولاً إلى تأكيد أهمية تفعيل دور مكتب المقاطعة العربية، وإحيائه في جميع الأقطار العربية، والعمل على التكامل بين الجهود الرسمية والشعبية للمقاطعة.

ومن الواضح أن النشاطات الثقافية والتربوية والاقتصادية المشار إليها لا يمكن أن تحقق الأهداف التي تسعى لتحقيقها من دون القيام بإجراءات تكميلية ودعائية على المستوى الإعلامي، التي تمثلت علمياً من خلال توصيات  المؤتمر في هذا المجال، والتي يمكن تحديد عناوينها العريضة بـ"إنشاء موقع خاص للهيئة العامة للمقاطعة على الانترنت"، و"وضع وسائل الإعلام الخاصة بالأحزاب والهيئات والمؤسسات المشاركة في أعمال المؤتمر في خدمة برامج المقاطعة"، و"الاهتمام بمد جسور التواصل مع الإعلام الأجنبي المناهض للسياسة الأميركية"، و"دعوة الفنانين التشكيليين إلى إنجاز جداريات حول موضوع المقاطعة"، و"عقد مؤتمر للإعلاميين العرب لوضع خطة إعلامية للمقاطعة".