|
|||
|
لم تخرج نتائج انتخابات الكنيست السادس عشر في الكيان الصهيوني بمفاجأة لجهة فوز الأحزاب اليمينية والدينية وخسارة الأحزاب اليسارية، إلا أنها خرجت بمفاجأة لجهة توزيع الفوز وتوزيع الخسارة بين الكتلتين، إضافة إلى صعود حزب شينوي صاحب الراية الواحدة بوجه الحريديم والمعتبر حزبا وسطيا.. وبنتيجة الانتخابات، سيكلف رئيس الليكود أريئيل شارون لتشكيل الحكومة القادمة، حيث يكمن الامتحان الحقيقي أمامه، حتى العاشر من شهر آذار/ مارس القادم، في كيفية وصوله إلى افضل ائتلاف بين الأحزاب المختلفة، يكون كفيلاً بأن يأمل من خلاله بالبقاء على رأس حكومة تستمر لأربع سنوات وثمانية اشهر كامل، هي كامل ولاية الكنيست القادم بحسب القانون. نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتوزيع القوى في الكنيست القادم بحسب الحصيلة شبه النهائية التي أعلن عنها لغاية كتابة هذه السطور، وعلى ضوء التعليقات والتصريحات المنشورة بنتيجتها في الإعلام الإسرائيلي، إضافة إلى بعض المؤشرات القائمة على نسبة التصويت ووجهتها، يمكن إيجاز القراءة الأولوية للانتخابات في المحاور التالية:
1- مني اليسار الإسرائيلي، وتحديدا حزب العمل، بهزيمة غير مسبوقة منذ قيام الكيان الإسرائيلي. وكانت هزيمة اليسار وتبعا له "معسكر السلام" وخيار التسوية مع الفلسطينيين، هي الأبرز في نتائج انتخابات الكنيست، وهي هزيمة فاقت في أهميتها الفوز الذي حققه اليمين والليكود نفسه. فبحسب النتائج شبه النهائية للانتخابات، استطاعت كتلة اليمين والأحزاب الدينية أن تحرز ما كاد يصل بمجموعه إلى 65 مقعدا مقابل 25 مقعدا لليسار (حزب العمل 19- حزب ميرتس 6)، وهو دليل واضح على سقوط اليسار الإسرائيلي في "امتحان الواقع" وتبيان لمدى الإفلاس السياسي لديه من وجهة نظر الشارع الإسرائيلي.. 2- نسبة التصويت في الانتخابات الحالية كانت الأكثر انخفاضا في تاريخ الكيان الإسرائيلي منذ قيامه في العام 1948. فبحسب معطيات لجنة الانتخابات المركزية، فإن ما يقارب الـ 68.5 في المئة من أصحاب حق الاقتراع أدلوا بأصواتهم، أي ما يعادل 3.2 مليون نسمة من اصل 4.7 مليون، وبالتالي فان النسبة تقل، بشكل عام، بنحو عشرة في المئة عن انتخابات العام 1999 (79 في المئة). إلا أن دراسة أكثر دقة لنسبة التصويت وللشرائح الناخبة، مع حذف كتلة المصوتين العرب والمتدينين والأيديولوجيين من اليمين واليسار، تبين أن الشريحة العائمة التي هي عادة التي تحدد الفائز والخاسر في الانتخابات الإسرائيلية منذ العام 1977، كانت بأغلبيتها ممتنعة عن المشاركة فيها. وهذا يعني أن هذه الانتخابات قد أظهرت أن شريحة القرار الناخبة عجزت عن تحديد ممثلها ضمن الخيارات المطروحة أمامها، وهو واقع لم يسبق له مثيل في تاريخ الكيان الإسرائيلي ويدل على مدى ضيق خيارات الكيان وجمهوره إن كان هناك خيارات أساسا. امتناع هذه الشريحة (شريحة القرار) عن التصويت، يمكن رده إلى مدى حضور وتأثير الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة المسلحة التي تنتهجها في الانتخابات الإسرائيلية، وهي تشكل دليلاً إضافياً على عجز المؤسسة الحاكمة، السياسية والأمنية في مواجهتها، إضافة إلى عجز الطروحات البديلة عن المسار المتبنى من النخبة الحاكمة الإسرائيلية. وبعبارة أخرى، فإن نتائج الانتخابات أظهرت أن الشارع الإسرائيلي يرى أن نهج أريئيل شارون هو نهج غير مجدٍ وفاشل بوجه الانتفاضة، وأظهرت أن ليس لدى المعارضة اليسارية خيار حقيقي مقنع لوقفها والالتفاف عليها.. 3- بالرغم من نجاح الليكود ونيله 37 مقعدا و 65 مقعدا لليمين والمتدينين، وهو بحد ذاته نصر كاسح تجاوز ما توقعته استطلاعات الرأي لجهة الليكود، وجعلت أريئيل شارون في موقع أكثر راحة مما كان متوقعا له لتملكه أوراقا مانعة من السقوط، ألا أن توزيع المقاعد بين مختلف القوى، يبين واقعا صعبا ينتظر شارون في تشكيل الحكومة، فهو من جهة غير راغب في تشكيل حكومة يمين تقلص أمامه هامش المناورة السياسية المطلوبة في المرحلة القادمة، ومن جهة أخرى غير قادر على تشكيل حكومة وحدة مرغوبة من قبله لممانعة العمل أساسا ورفضه لها. 4- أبرزت الانتخابات حزب شينوي العلماني واستقدمته مع قوة كبيرة ومؤثرة إلى مقاعد الكنيست (15 مقعدا)، وهو الحزب الأقرب إلى التوصيف القائم على كونه وسطا منحنيا باتجاه اليمين لجهة ناخبيه، بينما تلتبس المسألة لجهة ممثليه في الكنيست بين يسار ويمين، الأمر الذي يفتح الأمور على سيناريوهات غير حميدة بالنسبة لوحدة الحزب وممانعته أمام التطورات القادمة.. إلا أن ما يمكن قوله هنا هو أن الجامع المشترك لنوابه الـ15 هو العداء للحريديم ولحزب شاس تحديدا، وهو ما يعبر عنه رئيس الحزب طومي لبيد بالموقف من "الابتزاز الديني"، حيث يرفض الحزب الجلوس في حكومة واحدة مع الحريديم عامة، ما يعقد المسائل أمام أريئيل شارون في تشكيله للحكومة ويقلص أمامه الخيارات، بل قد يساهم ذلك مع رفض رئيس حزب العمل للائتلاف مع شارون إلى دفعه باتجاه حكومة يمينية ـ دينية مكروهة وغير مرغوبة من جانبه. 5- من الصعب القول ان حزب شاس قد خسر في الانتخابات الحالية بالرغم من أن النتائج تظهر فقدانه لستة مقاعد في الكنيست، خاصة أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه في بداية انطلاق المنافسة الانتخابية بين 6 و 7 مقاعد، وبالتالي يمكن القول ان حزب شاس قد عاد إلى سابق قوته (11 مقعداً في انتخابات 1996) وان المقاعد الخاسرة قد عادت إلى موقعها الأساسي لمصلحة الليكود لتشارك الحزبين الشريحة السفاردية الناخبة.. إضافة إلى أن شاس قد اثبت من خلال النتائج انه أقوى بكثير مما تبدى للمحللين الذين رسموا له واقعا مستقبليا ضبابيا، إذ استطاع الحزب أن يلتف ويستوعب الانقسامات والانشقاقات الداخلية التي واجهته على أكثر من صعيد.. الأمر الذي يصعب معه تخيل اختفائه أو ضموره في الخارطة السياسية الإسرائيلية مستقبلا. 6- يتوقع لأريئيل شارون أن يواجه معارضة وجبهة داخلية على مستوى حزب الليكود لجهة التوزير، والذي يدفع الأمور لذلك هو خصوصية الائتلاف الذي سيقيمه، مهما كان شكل ومضمون الائتلاف، مع اضطراره لتنفيذ ما وعد به لجهة عدم تجاوز عدد الوزراء الـ 18 وزيرا، خاصة أن الانقسام الداخلي بين ولاءات ممثلي الحزب في الكنيست، وبينه وبين بنيامين نتنياهو ما زالت قائمة.. وبالتالي يتحتم عليه أن يختار ما بين مجموعة واسعة ممن وعدهم ووعدوا أنفسهم بمناصب وزارية، الأمر الذي سيعيد تشكيل خارطة القوى داخل حزب الليكود بين المتنافسين على قيادته.. 7- برهنت الانتخابات على أن تردي الوضع الاقتصادي وتمدد تأثيراته السلبية على كل طبقات المجتمع الإسرائيلي وشرائحه كان تأثيره واسعا، وهو إنجاز يرد أساسا إلى الانتفاضة الفلسطينية وللعلاقة العضوية بين الأزمة الاقتصادية وتردي الوضع الأمني .. وهو واقع دفع بحزب عام آحاد (4 مقاعد) صاحب الراية الاقتصادية ومشاكل العمال إلى الدخول بقوة نحو الكنيست.. الأمر الذي يسمح للازمة الاقتصادية وتأثيراتها بأن تكون أكثر حضورا في مناقشات الكنيست، وربما أيضا في الحكومة القادمة إذا ما دفعت الأمور بشارون لضم الحزب إليها.. من الصعب تحديد ما سيصل إليه أريئيل شارون في مشاوراته ومساوماته الائتلافية مع الأحزاب والكتل المختلفة في الكنيست الحالي لجهة شكل ومضمون الحكومة المقبلة، خاصة أن هناك أسابيع عديدة تفصل شارون عن الموعد الذي يتوجب فيه تقديم حكومته أمام الكنيست، إلا أن التوقع هو أن تشهد الفترة القادمة مشاورات مضنية وصعبة وتغييرات في مواقف بعض الأطراف قد يكون بعض منها مفاجئا، بالرغم من كون هذه الصورة المتوقعة قد اعتاد عليها الواقع الإسرائيلي في العقدين الماضيين قبل تشكيل أية حكومة بغض النظر عن نتائج الانتخابات التي تسبقها. الوجهة الأساسية التي ستكون ماثلة أمام أريئيل شارون في تشكيل الحكومة هي ضرورة تركيب وتوليف حكومة مع مرتكزات ثابتة تضمن له ولاية كاملة. وسيكون حاضرا أمامه أيضا ما يمكن أن تنتجه التقلبات الميدانية والسياسية القادمة المرتبطة أساسا بالمبادرات الأميركية المرتقبة بعد مرحلة العراق، وهو واقع يفرض عليه خيارات محددة لجهة اختياره للأحزاب المؤتلفة باتجاه ما يمكنه من الابتعاد عن الابتزاز من جهة، وعن الضغوط الداخلية من قبل أعضاء ونواب حزبه من جهة أخرى، وخاصة أن التحقيقات في الفضائح المالية المتعلقة به وبنجليه ستبدأ قريبا.
الواضح أن صناديق الاقتراع قد أظهرت فوزا كاسحا لليمين ولليكود وتحديدا لأريئيل شارون، كما انها أظهرت خسارة كبيرة لليسار ولخيار التسوية والمفاوضات مع الفلسطينيين.. إلا أن الأسابيع القادمة، ستوضح إذا ما كان شارون قد انتصر فعلا في الانتخابات أم انه عاد لواقع حاول الابتعاد عنه عندما قرر إجراء انتخابات مبكرة، فتشكيلة الحكومة وهويتها والأحزاب المؤتلفة فيها، هي فقط التي ستحدد من هو الفائز.. يحيى دبوق |