أحد المجاهدين يجرد ضابطاً من سلاحه قبل بدء العملية:
التفاصيل الكاملة لعملية نتساريم التي هزت جيش الاحتلال

 


غزة ـ خاص

"بعد السيطرة على الموقع وقتل كل الجنود الذين كانوا بداخله، تمكن المجاهدان من الانسحاب مسافة 500 متر خارج الموقع العسكري قبل أن يصادفهم جيب عسكري، فيُستشهد أحدهم خلال الاشتباك مع الجنود وينسحب الآخر بسلام".

بهذه الكلمات بدأ أبو أنس القيادي البارز في سرايا القدس ـ الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي سرد تفاصيل العملية البطولية التي نُفذت مطلع الأسبوع الماضي في مستوطنة "نتساريم" الواقعة جنوبي مدينة غزة، فقُتل خلالها ثلاثة من الجنود الصهاينة وأصيب آخرون وُصفت جراح أحدهم بأنها خطيرة.

"أبو أنس" أشار في حديث خاص  لمراسل "الانتقاد" في مدينة غزة، الى أن العملية شكّلت صفعة لقيادة الجيش الصهيوني، وباتت المؤسسة الصهيونية منقسمة على نفسها تطالب بالرحيل من قطاع غزة ومستوطنة "نتساريم" على وجه الخصوص .

وأضاف القيادي أبو أنس: العملية شكلت ضربة للمجرم "موفاز" الذي يتباهى بنظرية الأمن، حيث كان يسمي مستوطنة  "نتساريم" بمستوطنة "النسور"، وإذ بمجاهدَين بقليل من العتاد والسلاح المتواضع يضربان الجيش داخلها ويتمكنان من الانسحاب.

وعن مدة التجهيز التي استغرقتها العملية، أشار المجاهد أبو انس الى أن قيادة سرايا القدس ترصد الهدف منذ ثلاثة شهور، حيث صُورت المنطقة بطرائق متطورة جداً، وكانت حركة الجنود ومكان مبيتهم وطريقة استبدال الدوريات الصباحية والمسائية معروفة، حتى بات المجاهدان على دراية كاملة بحركة الجنود وجغرافية المنطقة.. مشيراً إلى أن وقت الاقتحام اختير بدقة بتوفيق من الله، حيث ساعد جو الضباب الكثيف في تلك الليلة المجاهدين على الزحف إلى الموقع العسكري، مبيناً أنهما زحفا مسافة 500 متر على بطونهم حتى تمكنا من الوصول إلى سياج المستوطنة، وبمجرد الوصول إلى مكان تنفيذ العملية جلسا مدة ساعة ونصف الساعة حتى تهدأ الحركة داخل الموقع العسكري ويدخل الجنود إلى غرف نومهم، حيث قال المجاهد أبو أنس إن المقاومين دخلا الى إحدى الغرف، واستطاع المقاتل في سرايا القدس من السيطرة على أحد الضباط، وأشار إليه بإصبعه أن يسكت ويرفع يديه، وبمجرد أن رفع الضابط يديه إلى الأعلى وألقى سلاحه أرضاً بدأت المعركة، حيث قُتل الضابط في البداية، وبعد ذلك توجه إلى داخل الغرفة التي ينام بداخلها الجنود وقتلهم على أسرّتهم من دون أن يطلقوا أي طلقة.

وقام المجاهدان بالتفتيش في الغرف المجاورة بحثاً عن جنود آخرين، حيث اشتبكا مع آخرين ورميا عدة قنابل يدوية باتجاههم، فشوهدوا وهم يغرقون في دمائهم وأصوات صراخهم تملأ المكان.

وأشار أبو أنس إلى أن المجاهدين كان بمقدورهما أن يقودا إحدى الدبابات أو ناقلات الجنود، لكن التدريبات الميدانية لديهما لم تؤهلهما لقيادة الدبابات التي كانا ينظران إليها بحسرة وهي في متناول أيديهما. وأضاف: لم يتمكنا أيضاً من جمع السلاح لكونهما خرجا في عملية استشهادية، ولم يكن في تفكيرهما العودة بسلام إلى غرفة العمليات المشتركة لسرايا القدس وكتائب القسام.

وأكد أبو أنس أن المجاهدين استطاعا الانسحاب بعد التأكد من قتل الجنود الذين كانوا في الموقع، وعند اقترابهما من السياج الالكتروني الذي يبعد مسافة 500 متر عن الموقع العسكري الذي اقتُحم، فاجأتهما دورية صهيونية، فخاض المجاهدان اشتباكاً مسلحاً، وتمكن المقاتل من سرايا القدس من الانسحاب بسلام بعد ان أفرغ 6 مخازن وأطلق 8 قنابل كانت في جعبته، بينما استُشهد المجاهد سمير فودة  (22 عاماً) من كتائب القسام خلال الاشتباك. وأوضح أبو أنس: ان المسؤولين عن العملية كان لديهم إصرار غير عادي على أن تكون العملية داخل مستوطنة   "نتساريم" التي يسميها جنود الاحتلال بمستوطنة "النسور"، نتيجة التحصينات الأمنية التي تشهدها المستوطنة.

وأكد أبو أنس أن العملية جاءت لتقول لقيادة الجيش الإسرائيلي: إن الأمن الذي تتحصنون خلفه هو هش أمام إصرار وعزيمة المجاهدين الأبطال.

وأضاف: ان العملية جاءت في ذكرى استشهاد الأمين العام المؤسس لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي، لتؤكد للاحتلال أن يد المجاهدين قادرة على الوصول إلى جنوده أينما كانوا، وأن دماء شهدائنا لن تذهب هدراً، وأن القادم أعظم بكثير، وأن الأيام القادمة ستشهد ضربات أكثر قوة، حتى يرحل المستوطنون عن أرضنا الفلسطينية.

"نتساريم" بين خيارين:

الموت أو الإخلاء

 

غزة- عماد عيد

الضجة الكبيرة التي ثارت في كيان العدو في أعقاب العملية الاستشهادية الناجحة في مستوطنة "نتساريم" والتي وصلت إلى حد المناداة بإخلائها لم تكن بسبب مقتل ثلاثة من جنود الاحتلال وإصابة اثنين فقط، وإنما للثمن الكبير الذي على جيش الاحتلال أن يدفعه مقابل حماية العشرات من العائلات الصهيونية التي لن يتجاوز عدد أفرادها مئتي مستوطن على أبعد تقدير.

       أقيمت مستوطنة "نتساريم" ـ وتعني بالعربية النسور ـ في العام 1973، واليوم يسكن فيها نحو 65 عائلة، وهي تقع في وسط قطاع غزة، منقطعة عن كل الكتل الاستيطانية الأخرى.

       و"نتساريم" محاطة بوسائل دفاعية من كل اتجاهاتها، وكذا المنطقة الزراعية لنتساريم، المنفصلة عن المستوطنة نفسها، وتعتبر جزءاً من مجال الحماية للجيش الصهيوني. وحول المستوطنة تنتشر أكثر من عشرة مواقع حراسة. ولهذا السبب تحمي نتساريم بشكل دائم كتيبة مشاة صهيونية، وفي المكان ترابط سرية دبابات وذلك بعد التقليصات الواسعة في ميزانية وزارة الحرب الصهيونية، إذ تخلى الجيش عن سريّتين إضافيتين.

       ويؤكد قادة في جيش العدو أن الدفاع عن المستوطنة يستوجب وجود نظام قوات من كتيبة وربما أكثر وذلك بسبب انقطاع المستوطنة عن باقي تجمع المستوطنات، ولا توجد إمكانية لتعزيز القوات في وقت قصير عند الحاجة. فمثلاً، رحلة في دبابة من حدود القطاع حتى نتساريم تستغرق نحو نصف ساعة.

       وإضافة إلى نشاط الحراسة الجاري والنشاط الميداني في مجال نتساريم تعمل الكتيبة بمرافقة المستوطنين من نتساريم إلى معبر كارني في حدود القطاع وبالعكس. ولا يسمح لمستوطني نتساريم بالسفر من وإلى منازلهم في سياراتهم الخاصة. وكل رحلة من وإلى المستوطنة تجري في باصات محصنة أو في شاحنات سفاري، بمرافقة الجنود.

ومنذ بداية انتفاضة الأقصى قتل تسعة جنود إسرائيليين في هذه المستوطنة:

 في أيلول/ سبتمبر 2000 تم تفجير عبوة ناسفة بقافلة عسكرية بجوار نتساريم وقتل جندي واحد.

وفي شباط/ فبراير 2002 قتل ثلاثة جنود إسرائيليين بعد أن صعدت دبابة كانوا  فيها على عبوة بجوار محور المنطار - نتساريم.

في آذار/ مارس من العام نفسه طُعن جندي على يد عامل فلسطيني.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 قتل جندي، عندما تعرضت دورية من جيش العدو لانفجار عبوة ناسفة في المنطقة.

يوم الجمعة الماضي قتل ثلاثة جنود صهاينة، بعد أن تسلل استشهاديان إلى قاعدة جيش الإحتلال في المستوطنة وأطلق أحدهما النار عليهم فأرداهم قتلى.

"التفسير - العذر" للجيش الإسرائيلي يكرر نفسه هو الآخر، فهذه المرة تحدث القادة عن الضباب الكثيف الذي ساد في المنطقة، ويتبين أن الوسائل الالكترونية الجيدة جداً، ووسائل الرؤية الليلية، الجدران المعقدة وأبراج الحراسة لا تكفي ضد شخص منفرد يحمل كلاشينكوف ويعرف كيف يستغل "الروتين" والثقة بالنفس للطرف الأكثر تسلحاً وتجهيزاً.