مقابلة
القاصّ العراقي عزيز التميمي: العرب في أميركا يمارسون أعمالاً كثيرة إلا الأدب


عزيز فاضل التميمي قاصٌّ عراقي من جيل الثمانينيات في العراق، هذا الجيل الذي شرب كأس الحروب والدمار حتى الثمالة. وعزيز الذي حاول أن يبني للقصة أسلوبها السردي الخاص، أخذ من أجواء الحرب وسوداويتها وعبثيتها وتشاؤمها، أشياء كثيرة شكلت وقصصه نكهة خاصة لا يخطئها القارئ. فالقصص عند التميمي شبيهة بالحياة اليومية بتفاصيلها المأساوية.

هنا حوار معه حول تجربته القصصية وآخر نتاجاته.

 

ـ هل بإمكانك الحديث عن بداياتك! ولماذا القصة؟ 

كانت هموم الكتابة تتكاثف في وجداني ولم أكن بعد أسلك طريق القصة، فكانت الخواطر والكتابات التي كنت أعتقد حينها أنها تلبي رغبتي الفكرية والروحية، وسرعان ما تطور هذا الاحساس الى حاجة مُلحة لتحديد المجال الأثرى والأخصب (طبعاً المجال الأدبي)، وخلال دراستي الثانوية تراجعت كتابة الخواطر والجمل التي كنت أسميها شعراً، وحلّت محلها هيكلية القصة التقليدية وليست الحديثة المتعارف عليها الآن، وصارت متنفساً لي، وشكلت دافعاً قوياً في المضي في حقل القصة القصيرة، واكتشفت وقتها أنني أحمل موهبة في كتابة القصة متأثراً بالأجواء الريفية القاسية بعض الشيء من حيث تركيبة الحياة المحكومة بالتقاليد حد الارهاب، لأن القصة كانت تلبي رغبتي في طرح النظرة الفلسفية تجاه الحياة وسلوكيات المجتمع وحالة الصراع النفسي التي يعيشها الانسان العراقي، تلك الحالة المتمثلة بالحب والخوف معاً، حب الحياة والخوف من تجاوز حدود التقليد لتجسيد هذا الحب الذي يصبح محرماً وربما مأساوياً، حينما يجادل واقع كذاك المتمثل في جغرافية البيئة العراقية بشكل عام.

 

ـ أنت من جيل الثمانينيات، ما هي مميزات هذا الجيل؟ وما تأثير حالة الحرب علىالنتاج الأدبي؟ 

الكلام عن مصطلح الجيل والأجيال ما عاد ذا فائدة بقدر ما هو عملية اشارة الى فترة زمنية، فالسنوات العشر لا أعتقدها كافية لإبراز سمات منظومة فكرية تؤدي الى تسجيل وتكوين وجهة نظر احداثيات الواقع والحياة. فجيل الثمانينيات من حيث التسمية نستطيع ان نقول هو جيل الحرب، هل الصراع الحاد بين الوقوف والمسير ضمن مساحة نفسية واجتماعية ما عادت قادرة على تحمل غليان الانتظار، وحالة الحرب هي ضربة قاصمة وجهها الواقع للإنسان، واستفزاز مثير لحالة الانسانية في الفرد؟ من هنا أستطيع القول ان فترة الثمانينيات كانت غنية بأحداثها المثيرة من حيث الحدث والنتيجة، فحالة الاحباط وسقوط الشعارات واستهتار الأنظمة وإسدال الستار على مهرجانات التمثيل التي كانت تمارس بكثافة على المسرح النفسي والبنيوي لذاكرة الفرد، كل ذلك أدى الى حدوث فورة او حالة انفجار على تقليدية الممارسة وتقليدية الرد.. كان من خلال النتاج الأدبي، فاللغة خرجت من سردياتها المصابة بالركود، وحركة الفعل مالت الى التكثيف، وحتى دخول الرمز والأسطورة أضاف الى شكل القصة دعماً جديداً لتأسيس حالة الرفض وحالة النقد، كي توازي ....... الاضطهاد أو حالة السلب، فالحرب جعلت النتاج الأدبي يميل الى فلسفية الطرح وتأويل المعادلة بلغة أكثر انفتاحاً ونسجاً، ومغادرة حالة الانكماش والميكانيكية المحكومة بشكل الحكاية، هذا لا يعني عدم وجود تجارب سبقت.. وتجربة "محمد خضيّر" دليل بارز على استخدام اللغة في تحريك الحدث.. انما ما حدث في قصص "حميد المختار، فاضل القيسي، شوقي كريم، عالية طالب وعلي السوداني"، جعل اللغة تبدأ ضمن تخطيطات نفسية وبنيوية جديدة، وهذا بحد ذاته هو إنجاز لجيل الثمانينيات اذا جاز التعبير واستخدام مفردة جيل، اضافة الى رؤية الواقع وتحليله من دون الاستغراق في مداهنة غير جدية.

 

ـ بمن أُعجبت ولمن قرأت من الصحافيين والروائيين؟

الاعجاب الأدبي أو الفكري انما هو حالة مستخلصة، تجربة الاطلاع والقراءة، وبالتأكيد يوجد اكثر من اسم  في ذاكرتي من حيث التأثر، فمنذ أن تبلورت في رأسي حقيقة القصة وصارت هماً رئيسياً يلحّ عليّ في التحرك، لكن الى منطقةالممكن، المنطقة التي أسميتها بؤرة بناء الشخصية، توجهت الى قراءة الآثار الأدبية في القصة العراقية والعربية، ومن ثم دفعني الفضول الى دخول حفل القصة العالمية والروائية. وأستطيع القول إنني أجريت مسحاً شاملاً لأدب القصة والرواية على مستوى القصة والرواية العربية والعالمية، ودوّنت مميزات كل منها، وحاولت ان أمارس نوعاً من النقد الى القراءة الجديدة لكل من الكتابات التي أثارت اهتمامي، وخصوصاً تجربة القاص العراقي محمد خضيّر، و........ ادوارد الخراط من مصر، ورشيّد بو جدرة من الجزائر، وكاتب ياسين وبن جلوان من المغرب العربي.. وعلى المستوى العالمي كان اسم كود سيمون وروايته "طريق فلاندرا" لم يزل يرن، وكذلك فرجينيا وولف وجيمس جويس في "عويس"، وأسماء كثيرة لا يسعني ذكرها.. طبعاً أدب أميركا الجنوبية وأسماؤه الخالدة..

 

ـ كيف تقوِّم التجربة العراقية في القصة من مطلع القرن العشرين حتى التسعينيات؟ 

في الحقيقة الحديث عن القصة العراقية يحمل نكهة خاصة، على اعتبار أن القصة العراقية عاشت هي الأخرى مأساتها الخاصة. لا أستطيع أن أقول إن القصة العراقية هي رائدة القصة العربية، لكنها سجلت انتقالات وقفزات نوعية في العقود الثلاثة الأخيرة ومنذ مطلع الستينيات، وهي الفترة التي شكلت انعطافة واضحة في أدب القصة العراقية.. بدت القصة تؤسس لطرح رؤى فلسفية عميقة وجدلية دقيقة، فتنامت حالة الصراع بين التيارات الفكرية والتغييرات السياسية والفكر الاجتماعي، فجاءت قصص ...... فرمان  استمرارية لجيل الخمسينيات، وفؤاد النكراني غنية بمعالجاتها وطرحها وفنيتها.

وأستطيع القول إن القصة العراقية مرت بعدة أطوار، ابتداءً بممارسة الدور الوعظي والمثالي متمثلة بكتابات رائدي القصة العراقية محمود السيد وعبد الحق فاضل. واستمر هذا الاتجاه حتى مطلع الخمسينيات الذي  يعتبر نقطة تحول في البنية الفنية.

وبرزت عدة أسماء ........ التاريخ ذكر منهم: عبد الرحمن مجيد الربيعي الذي يعرف نفسه بأنه من جيل الستينيات، أحمد خلط وغازي العبادي وعبد الخالق الريماني، واستمراراً حتى محمد خضير الذي أسس انعطافة جديدة في القصص العراقية والعربية. تطورت القصة العراقية خلال السبعينيات والثمانينيات بشكل ملحوظ، حتى صارت الآن تحتل مركزاً مرموقاً في أدب القصة العربية.. ولكن يبقى الشيء المهم الذي أثر سلباً على استئثارها، هو نوعية الاعلام المستخدم وكيفية التعامل معه، وكذلك الأحداث الكبيرة التي عاشها العراق وجعلت الأدب العراقي يعيش حالة صراع جديدة، وهذا جعل القصة تصل الى حالة من الحرية او اللامثالية أحياناً. ولكن بشكل عام سجلت القصة العراقية خطوات جيدة على مستوى تطور البنى، حيث تجاوزت الكثير من الاشكاليات المرتبطة بماهية التجديد.

 

ـ ماذا عن توظيف الرمز في أدبك؟ 

أنا أعتقد أن وجود الرمز في القصة مهم وضروري لعدة أسباب، منها تدعيم المفهوم النقدي في  القصة وتعميق التأسيس لوجهات نظر مجددة، اضافة الى امكانية التكيف اللغوي المؤدي الى تفضيل السياق القصصي على سواه في أدب القص، انما هو أسلوب توصله الرقي وكيفية التعامل معه، انما ما حاولنا انه يفهم ان هذا البشر هو محمولة تكاملية من الرموز والاشارات.. وفي قصص تعاملت مع الرمز كأداة لربط احداثيات الفكرة من أداة التواصل وحال التوجه ضد بساطة السرد والتركيب، القارئ كان تجاوز بلادته القديمة وسذاجته وصار يتعامل مع النص بعيون كثر، اضافة الى ممارسة حالة استفزاز قصدية نحو سؤال او اثارة رد فعل إزاء طرح معين.

حاوره: ناصر الحجاج