بريد القراء


المقعد السحري

قد يظن البعض أن ما يفعله هو الصواب، وأن ما يقوم به يصبّ في الخانة المطلوب ملؤها. أصحاب راية الحرية حملوا أسلحتهم وعتادهم ودجّجوا جيوشهم وفرضوا على بعض الدول تبرعات عسكرية، والهدف إنقاذ شعب وأمة قد أُقفلت أبواب حريتها ورُمي المفتاح في قعر البحر، فالعالم يُقتل ولا يسمح بالمطالبة بدمه، لأن نهاية الطالب ستكون كنهاية المطلوب.. سُنّة قد اعتاد عليها الشعب العراقي، وكأن الخروج من ظلمة كهذه ونفق مظلم كهذا قد أصبح ميؤوساً منه لدى هذا الشعب، وحتى التفكير بالخلاص من هذه المخمصة كان نهايته إما القتل، وأي قتل! أبشع أنواع التعذيب والقتل التي عرفها التاريخ، وإما الإبعاد عن الأوطان.

هكذا عُرف عن طاغية عصره، بل عن طاغية الدهر صدام المخلوع.. جاءت فكرة المخلّص الذي كان يسهر ليله ويشقى نهاره وتذوب أيامه حزناً على هذا الوضع، من هنا وصل الى مرحلة لم يعد يحتمل البقاء مكتوف الأيدي، فأعلن على الملأ شنّ حملة إنقاذ لهؤلاء المواطنين، فخاطر بنفسه وبجيشه وبشعبه وبأمواله وقطع المسافات سعياً وراء هذا الهدف الإنساني، ففرح البعض بأفكاره وتقبلها بقبول حسن، ودعم موقفها وظنَّ أن هذه الحملة نهايتها ونتيجتها فك الحصار ومنع الظلم ووقف الفساد والإفساد في الأرض، هذا كلّه في عالم التنظير والتخيّل والوهم.

واليوم نرى أن خطر أسلحة الدمار الشامل المزعوم وجوده مع صدام أقل بكثير من خطر السلاح الذي يبث اليوم سمومه في صدور الشعب البريء، وتدوس عجلاته الأماكن المقدسة.. لكن ما يُدمي القلب ويحزن النفس ويميت الروح وجود أناس لطالما رفضوا أنواع الظلم الذي كانوا يتعرضون له وكانت أنفسهم خامدة والحسرة في داخلهم قد أشعلت نداء النجدة لهم والمطالبة بوجود حلٍ لهذا المشهد المأساوي، تراهم عندما جلسوا على مقعد ذلك الشرطي المخلوع وأحرقوا كل الأوراق سوى الورقة التي امتاز بها ذلك الطاغية عن غيره من الناحية الإجرامية، ولعلّ هذا المقعد يوجد عليه سحرٌ مهمته قلب المظلوم الى ظالم وقلب المقتول الى قاتل.. من هنا نقول لك يا صدام: لا تحزن في سجنك ولا تدع الجلطة تقترب منك، فها هم قادتك الذين خلعوك قد قعدوا مكانك (....).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضاع العراق

ضاع العراق، وضاع الركب والجمل

وهيمن الذل والأشباح والحول

وأسبل الليل جفناً فوق جثته

وعربد الكفر مطروباً بمن نزلوا

وأُحرق الفخر من آيات بابله

حتى انحنى مُسهداً يحتزه الخجل

سيف التتار رأى خزياً يشردنا

فانهال سيل الدما كالمزن ينهمل

احمرّ الفرات به حين ارتدى مزقاً

من قامة العرب أفنى عمرها الدجل

أذري بها الغدر حتى ابتاعها وطناً

أضحت شريكاً له في فيه تنتقل

ما كشَّر الدهر عن أنيابه ثملاً

إلا استطالت به قامات من جهلوا

حكم الطواغيت في أسواقنا حبل

ساقوا العراق لشنق أهلها ثُكِلوا

أمام أعيننا باعوا لعاهرةٍ

صارت لنا القِرط فوق النحر ينسدل

مدَّت أناملها الصفراء مغرمة

بين الجيوب التي بالنفط تنجبل

فمزَّقت فيهم زهو الإباء ولم

تبقِ سوى عورةٍ سوداء تختزل

داست عباءاتهم شقَّت براقعهم

فريق وجدانهم في وحل من ثملوا

وجردوا الأرض من إشراق بسمتها

وبددوا النوم من أجفان من بذلوا

واحسرتا مزقوا التاريخ من غده

وحوَّلوا فجره سجناً له امتثلوا

ما ولولت مصر إلا حينما انحدرت

أكوام بغداد فوق النيل تشتعل

دمى دمى في بلاد العرب يطرقها

من نصف شارون نغل باهت يصل

تشابهت لغة الأعراب فاقتنعت

بالرق لُبساً غزير الشؤم يرتحل

عبد الكريم التقي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصيدة الى العراق

لنهريك

للنخيل

ألقي التحية على السلام

وأبكي حين أرى وجوهاً يمزقها الحُطام

يا عراق

يا أشهى البلاد، السلام

وأنت أبي وجدِّي/ يا عراق

جلدي في المسام

أموت لأجلك

في كل يوم وشهر وعام..

أيها الزمان التافه السافل

أيها "الكاوبوي" الأخرق

أيها الخسيس الأحمق

نارك

يطفئها حصاري

تطفئها القيود والسلاسل

في أبو غريب والنجف المناضل

فلتدك عروش القهر

ولتقصفها النيازك والزلازل..

قرب مهدي عليٌ

وقرب عليٍّ دائرتان:

التاريخ والسيف المقاتل

هبوا لنجدتي!

هبوا لنجدتي!

فأنا آخر الرجال الأوائل

أستل الحق من غمد الحق

في زمن صار الحق فيه.. باطلاً

يا عراق

ولن يجديكم نفعاً تقديم اعتماداتكم

وأوراق الاعتذار

سنحرقكم بينابيع نفطنا

تريدون نفطنا؟

خذوه

خذوه محروقاً على أجسادكم المسعورة

فالبسيطة والمعمورة

ستهدم مدائنكم وأبراجكم التافهة

لن يجديكم نفعاً

تقديم اعتماداتكم وأوراق الاعتذار

بالنار النار النار

يا شعب العراق الجبَّار..

أيمن الأمين 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النسر

الى من تليق به الدهشة.. وبغيابه يرتحل الحضور..

الى من أدماه انتعال القهر..

الى مروان البرغوثي الذي رفض الذَّل..

علّم الغير أن المحنة تعني الحياة.. بدلالات إنسانية كبيرة..

النسر يبقى نسراً مهما ضعف جناحه..

ووضع في قفص الغربان.. فالأعالي موطنه والقمم مضجعه..

وقيوده سترعب ساجنيه..

شعورك لن يُدحر.. سيتجلى بشكل أقوى في السجن، لأن رتابة الحياة بالنسبة لأمثالك نوع من العدم.

فالوطن والحياة شيء واحد.. والغيوم الكليمة لن تمنعك من الرؤية.. رفضت الجلوس على كراسي الذّل.. فالكلمة حرية.. ولكل حرية قيود.. والكلمة صورة العالم الكبرى.. فأين كثافة الإنسان حين يهرب كغياب ويمتلئ كفراغ.. فمن سيصنع المستقبل الذي إذا قصرنا في صنعه صَنَعَه الآخرون حسب مصالحهم وأهوائهم.

فالارتقاء فوق الذات يحقق الذات.. وعندما ترتبط بالآخرين تشعر بالانكسار في كل لحظة، والانزياح الذي يمجد الحياة هو الحياة..

عظمتك التي قاربت الكمال بالتفهم والامتلاء.. رمت حجراً في بركة الظلم لا تنتهي دوائرها..

فماذا يعني أول الحياة.. وما يعني آخرها.. ما دامت النهايات واحدة.. فالسجن أهون ألف مرة من تأنيب ضمير مهزوم..

لن تمنعك قضبان الظلم الواهية من النظر خارج السجن الذي اخترته بملء إرادتك.. فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة..

والهجرة الى الذات خير من الهجرة خارجها..

في عالم يعيش شتاءً طويلاً.. فمن يزرع الريح سيحصد العاصفة.

سميرة سامي عوّاد ـ حمص