بريد القراء


الشهادة قيمة القيم

نعيش لحظات الحب كما نعيش لحظات الشجن والكآبة.. وما أكثر آلامنا، من خلال الآخرين نعبر الى ذواتنا.. لم تنقضِ حماسة البدايات، بل أصبحت أكثر زخماً.. فالروح شجرة، وكل ما نفعله ثمارها، وقد أزفت ساعة الفراق بين الجسد والروح، ومضى كل الى مكانه.. فما قيمة الحياة عندما تكون انتظاراً للموت أو على الهامش.. ربما الموت هو البداية كي نستنشق بعضاً من الحياة، ونوقد الشعلة المرهفة لدى الكثيرين.. دائماً للبحر وجهان وقدر واحد، فعندما نقول نعم لكل شيء فهذا يدل على عدم وجودنا.. وعندما نحلم يجب أن تكون أحلامنا كبيرة.. فوداعاً لزمن الموت الجميل.

هل نضيع العمر لإثبات الحقائق الثابتة؟ نعيش زمن اغتصاب الكلمة بكل أبعاده.. فلا أسمى ولا أطهر من الذي نذر نفسه لأرضه وشعبه.. تقف الكلمات متلعثمة وتتبخر المعاني أمام ما نرى من تشويه وعبث بكرامة الإنسان.. بلغت الهمجية الذروة.. كل شيء يُظهر بشاعة الاحتلال وتلوث أصابعه المليئة بالجريمة، وقماءته وعريه أمام ذاته وأمام الآخرين.. لا نجيد الوداع ولا الرثاء.. لكن حضورهم بالذاكرة كثيف ودائم.. بصخب يرحلون تاركين عاصفة من نار تحرق كل من تطاله، حقائبهم مليئة بالبطولات والإصرار.. أعمار أجسادهم المتجذرة بالأرض لا معنى لها.. وأعمار أرواحهم لا تقاس.. فطموح أرواحهم منبت خلودهم، وموتهم لا يعيقهم من التحليق.. ومعاناتنا نحن العرب وجودية.. شهداؤنا قوافل لا تنتهي.

بالأمس كان الشيخ الجليل "أحمد ياسين" شيخ المجاهدين، الذي غاب فقط بالحضور، تاركاً كرسيه الذي شهد نضاله وبطولته إرثاً غير عابئ بعجزه الذي لم يطل إلا بعضاً من جسده.. الكرسي الذي حمل روحاً متأججة لا يحملها إلا القلة، والذي كان وسيبقى مفخرة لفلسطين الصامدة والأمة العربية جمعاء.. الكرسي الذي سيخلده تاريخ البطولة والكرامة.. والعمامة الطاهرة التي يجب أن يتيمم بطهرها كل الشرفاء.. ستبقى أجسادهم المتفحمة تربة خصبة مفعمة برائحة الحرية والكبرياء..

"عبد العزيز الرنتيسي" الذي استنهض باستشهاده رجولة كل العرب، وزرعها في وجدان كل الأحرار الذين يأبون أن تهان الرجولة والأوطان.. اغتالوا أجسادهم وبقيت قيمهم لتشكل بحوراً هائجة من الكرامة والشرف.. فأمة تحب الحياة وقادرة على البدايات لا يمكن أن تهان.. وستنجب آلافاً من عبد العزيز الرنتيسي وأحمد ياسين وغيرهما، كما أنجبت الحمزة بن عبد المطلب وعمر المختار ويوسف العظمة.. الذين سلموا الراية وكانت أمانة غالية..

أحداث تهز المشاعر، فهل ترفع الجبين!..

سميرة عواد ـ حمص ـ سوريا

 

 

للمقاوم سلام..

أيها المقاوم سلام

أضحت رايتك مناراً للأنام

اضربهم وأسقهم

طعم الحِمام

يا رمز الثورة

يا عنوان الاحترام

يا فجراً بزغ

يا شمس سطعت لتمحو الظلام

فرّق أشلاءهم

واجعلهم كالنعاج

أخبرني: هل لقّنتهم درساً

يعلمونه لأسيادهم الأمريكان

هل ما زالت "جماجمهم"

أغلى الأثمان

حدثني عن خفافيش الليل

كيف استقبلتهم في الظلام

كيف هي "أسطورتهم"

وهم يذوقون على يديك الأهوال

أثلجت قلوبنا أيها المقاوم

وأرحت نفوسنا.. وقد أصبحوا في المقابر "نيام"..

حمدك ربّي على مقاومة

أبطالها لم يتراجعوا ولم يعرفوا الهوان

لشهدائكم.. لجرحاكم.. لأسراكم

ألف تحية منا وسلام

إبراهيم محمود زين الدين

 

 

.. طال انتظار الصحوة!

الشاعر حسين حيدر

 

يا أمتي طال انتظار الصحوةِ

واعتلّت الأبصار عند النخبةِ

والردّة امتدت لحق العودةِ

فمتى يُرّد الاعتبار لأمتي

* * * * *

لن تُسترد الأرض بالمساومةْ

لن يرحل المحتل بالمسالمةْ

خيارك الوحيد في المقاومةْ

والنصر وعد الحق للمقاومةْ

* * * * *

بغداد والعتبات تاريخ الفداءْ

فلوجةٌ ترنو بعيني كربلاء

نهر الدماء ونهر دمعٍ في لقاء

والله أكبر، في المقاومة النداء

* * * * *

لصّ بلا تاريخ، عقل أخرقُ

والكون من خوف يكاد يُصدقُ

باكرته، العنقاء لا تتشدق

والوحكش ضارٍ عندما يتخندق

* * * * *

قومي انهضي يا أمتي طال السباتْ

حان الأذان الى الجهاد مع الصلاة

آن الأوان لمسح ذُل في الشكاةْ

وليرتعد صهيون من قدرِ الشتاتْ

* * * * *

يا غزة، يا رفح، يا وجع النشيدْ

وجعي من الصمت الذليل المستزيد

لا ليس يختار الرحيل متى يريد

بل مرغم ورحيله القدر الوحيد

* * * * *

لن نترك الأسرى بأعماق السجونْ

أومى الأمين فطوَّق الغازي الأتون

يا سيد العيدين تفديك العيون

ما توّج التحرير إلا العائدون

* * * * *

يا أمتي طال انتظار الصحوةِ

واعتلّت الأبصار عند النخبةِ

والردّة امتدت لحق العودةِ

فمتى يُرد الاعتبار لأمتي

***************************

أجمل غريق في العالم 

 اغتاله البحر غدراً قبل أذان الظهر بساعة أو أكثر.. لم يأخذه إلى جوفه كما يفعل عادة مع الغرقى، بل ردّه الى أهله روحاً بلا جثة.

 لم يصدق أهل الضيعة الخبر، لأن الغريق صياد ابن صياد، يعرف قعر البحر من وجه الماء.. يتقن السباحة ضدّ التيار مهما كان جارفاً.. يعرف الأسماك بالأسماء.. يفهم لغة الموج في الصيف والشتاء.. تشتاق الصخور القاسية كحد السكين إلى طلّته من البعيد.. تتعلق حبات الرمل بقدميه عشقاً لا يعرفه أحد من بني البشر.

 قالوا: "خبر الموت لا يأتي كذباً".. حملوا الجثة المضرجة بالماء المالح والموشّحة بالرمل الأصفر وبقايا العشب البحري الأخضر والأسود.. سحبوا الجسد الأسمر الملوّن بخطوط من الدم النازف فوق اللحم العاري الى الشطّ.. كانت زوجته تشاهد المبارزة الأخيرة بينه وبين البحر، وهي كجميع الناس لم تصدق أن البحر سيتغلب على زوجها في يوم من الأيام.

 "مات هاشم خازم.. أكيد مات". قبل قليل مرّ في الساحة، استوقفته الحاجة فاطمة وكانت تقف على المصطبة أمام بيتها، لوّحت بيدها وسألته عن موعد زيارة "الست زينب"، وطلبت منه أن يُسجل اسمها لزيارة كربلاء أو للعمرة.. لكنه أكمل طريقه إلى حتفه.

كان معه في السيارة والده الحاج محمود، تركه عند الحاج أبي أحمد خليل يتسلى، على ان يعود إليه قبل صلاة الظهر، فالحاج أبو محمود لا يؤخر صلاته، يُصلي على الوقت، وكذلك هاشم.. وكلمح البصر كان على الحاج أبي محمود أن يسمع خبراً لم يخطر على باله أبداً: "جدي.. جدي.. مات بيّي".

 كيف مات؟!

 لم يصدق أهل الضيعة أن "هاشم" مات غرقاً.. "ربما أصيب بذبحة قلبية".. هذا ما قاله الطبيب الشرعي المُحلف.

 تجمّع الناس أمام منزل شقيقه أبي علي للمواساة، وجاء جيران أهله في بيروت من البرج ومن عين الدلبة وجلسوا تحت خيمة زرقاء نُصبت على عجل "لردّ الشمس".. ينتظرون وصول الجثمان.

 وقف الناس على الطريق العام تحية لموكب الموت.. فـ"المقتول" هو هاشم، وهاشم هو "شوفير الإسعاف"، وهو الذي يُغسل ويكفّن الموتى، وهو الذي غسل وكفن الشهيد طه طحان.. البعض يسمّيه "المُعرف الذي يأخذ الناس إلى الحجّ والزيارة".. أما إخوته فطبعوا صورته بالألوان وكتبوا تحتها "فقيد الإيمان والجهاد"، ووزعوها على السيارات والحيطان.

 قبل المغيب غسّلوه وكفّنوه، وكان يتفقد المغسل شقيقه الحاج قاسم، يلتمس نوراً ويتحاشى النظر في عين المُسجّى.. لم يصدق "أبو عبد الله وأبو مهدي" أن القتيل كان يزداد جمالاً كلما اقترب موعد الدفن.

 واقترب موكب التشييع.. كان بالإمكان رؤية النور يشع من وجهه وعينيه، فـ"المقتول" غدراً غادر إلى ربّه قبل ظهر يوم الجمعة، وهو يوم قال عنه الإمام أَبو جعفرٍ (ع): "من مات يوم الجمعة عارفاً بحقّ أَهلِ هذا البيت، كتب اللّه له براءة من النار وبراءة من العذابِِ". وقال رسول اللّه (ص): "من مات يوم الجمعة أَو ليلة الجمعة رفع اللّه عنه عذاب القبرِ". وقال الصادق (ع): "من مات ما بين زوال الشمس من يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة، أمن من ضغطة القبر".

 قبل دفنه لم ينعَه أبو جواد بعد أذان الصبح، لم يتجرأ على قراءة "ورقة النعوة". وأكدت أخته أنها لم تره بهذا الجمال النوراني من قبل، وكل الذين ألقوا عليه نظرة الوداع أكدوا ذلك.. فـ"المقتول" غدراً ليس كالميت، والقتيل كان يطلب من الله الشهادة دوماً، ويُلح عليها من أعلى جبل عرفة، إلى ما بين المنبر والروضة المحمدية.

 سيفتقده بعد اليوم الحجر الأسود والركن والمقام.. ستسأل عنه الصفا وتبحث عنه المروة في الوجوه المُهرولة إلى المغفرة والرضوان.

 رحل هاشم خازم إلى الحبيب الأعلى عن عمر قصير قضى منه عشرين سنة في الجهاد.. رحل في موكب مهيب يليق بالشهداء، تقدّمه حملة الرايات وثلة من عناصر التعبئة، الذين قال أحدهم بصوت خافت: "كأن الحبيب لا يلتقي بالحبيب إلا شهيداً أو غريقاً".     

قاسم متيرك