الأسد في أنقرة:
العلاقات السورية ـ التركية من السلبية إلى الخيار المشترك


خورشيد دلي

أسست الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى تركيا، لعلاقة استراتيجية بين البلدين بعد عقود من التوتر والقطيعة بسبب الخلافات بينهما على مجموعة من القضايا الحدودية والمائية والأمنية التي نتجت أساساً عن الجغرافية السياسية التي  قسمتها اتفاقات المستعمرين في الربع الأول من القرن الماضي.

ويمكن القول ان مثل هذه الزيارة التي هي أول زيارة  لرئيس  سوري منذ  استقلال سورية لم  تكن ممكنة  لولا  مجموعة من المقدمات والعوامل  والأسباب التي دفعت بالعلاقات بين البلدين إلى  رسم  استراتيجية جديدة, استراتيجية  تتضمن إعادة ترتيب العلاقات بينهما على  أسس  من  أولويات التعاون والتقارب وتعزيز  نهج  الحوار على أعلى المستويات حيث يكتسب هذا النهج الجديد في العلاقات بين البلدين أهمية استثنائية في مرحلة احتلال العراق, من هنا فإن مسألة تطوير العلاقات التركية ـ السورية  تتجاوز في أبعادها من كونها مسألة تتعلق  بعلاقات التعاون بين  بلدين جارين إلى  مسألة  لها علاقة  بالأمن الإقليمي  ورسم  المستقبل السياسي  للمنطقة في ظل المحاولات  الأميركية والإسرائيلية  لترتيب المنطقة في ضوء مصالحهما ومخططاتهما المشتركة, ولعل في مقدمة العوامل والأسباب التي  مهدت الأرضية اللازمة لبناء علاقات إيجابية بين البلدين يمكن التوقف عند ما يلي :

1 ـ  اتفاق أضنة الذي تم التوصل إليه بين البلدين في أعقاب أزمة صيف عام 1998 إذ جاءت هذه الاتفاقية بمثابة إعلان مبادئ بين البلدين, فبفضلها يمكن القول ان كل بلد بدأ يكتشف أهمية الآخر بالنسبة له في مجالات التعاون الأمني والاقتصادي وتعزيز الثقة وصولا إلى رسم خيارات إقليمية مشتركة دعمتها التطورات السياسية في المنطقة والمتغيرات الداخلية في البلدين.                                                                                                        2ـ  الرغبة المتبادلة في إيجاد مصالح اقتصادية مشتركة, إذ شهدت السنوات القليلة الماضية زيارات متبادلة لأكثر من خمسين وزيراً،  فضلاً عن انعقاد الاجتماعات الأمنية الدورية  لكبار المسؤولين الأمنيين في البلدين, وقد أثمرت هذه الزيارات المتبادلة عن التوقيع على مجموعة كبيرة من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والمالية, أدت إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 600 مليون  دولار عام 2000 إلى  مليار دولار عام 2002 وسط  مطالبة من الجانبين بضرورة رفع هذه النسبة إلى  مليار ونصف مليار دولار في ظل التطور الكبير الذي تشهده العلاقات الاقتصادية بين البلدين. 

                                                                         3 ـ  توافر الإرادة السياسية  والرغبة المشتركة على أعلى  المستويات في  تأسيس صفحة جديدة بين البلدين, وخاصة ان انتهاج  كل بلد في السابق  سياسة أمنية مغايرة لم  يعد بمثابة جدار يحول دون حل المشكلات الخلافية المتعلقة كالحدود والمياه .. الخ، والبحث عن الخيارات الإقليمية المشتركة في ظل المتغيرات الجارية, وعليه فإن البلدين يعتقدان الآن ان الأزمات السابقة التي جرت وكادت ان تشعل حرباً  بينهما  لم  تكن لتحصل  لولا عدم  معرفة كل  طرف بالآخر بسبب القطيعة السياسية، وان هذه القطيعة  نفسها  شكلت مدخلا  لدخول "إسرائيل" على  خط  الأحداث في العلاقات بين البلدين إلى  درجة  يمكن  القول ان  البعد الإسرائيلي  في السياسة التركية خلال السنوات الماضية  تحول إلى عامل  أمني  لتوتير العلاقات التركية ـ العربية والسورية خصوصاً.                                   

 4 ـ  أفرزت تطورات الحرب على العراق ومن ثم احتلاله جملة من التحديات الإقليمية المشتركة التي تهم الدول المجاورة للعراق وإحساس هذه الدول بضرورة كيفية  درء المخاطر الناتجة عن الاحتلال سواء على مستوى كل دولة أو على المستوى الإقليمي, وقد تجسد هذا الأمر إقليمياً في عقد  سلسة من الاجتماعات (اسطنبول ـ الرياض ـ طهران ـ دمشق ..) لدول الجوار العراقي، وإمكانية البحث عن نوع من التنسيق المشترك بين هذه الدول في مواجهة التحديات المستجدة.    في الواقع, شكلت هذه المقدمات أسساً  لعلاقة سورية ـ تركية مغايرة تقوم على التعاون والثقة, حيث يرى المراقبون أن تعزيز نهج  التعاون الأمني  بين البلدين ولّد قناعة لدى الجيش التركي وللمرة الأولى  منذ  تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923 بأهمية الانفتاح على سوريا, فبعد أن كان قادة هذا الجيش يتنصلون من التعاون مع سورية أصبحوا الآن من  الضاغطين من أجل هذا التعاون وتطويره, وفي ضوء هذا الأمر  ليس غريبا ان أنقرة باتت ترى ان التعاون مع الدول الإقليمية ولا سيما سورية  بخصوص التحدي الكردي سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أكثر فائدة ومصداقية من التعاون مع الولايات المتحدة التي تشك أنقرة في أنها تضمر مخططات خفية بخصوص تركيا .

في الواقع, هذه العوامل والأسباب في مسيرة تطوير العلاقات السورية ـ التركية دعمتها متغيرات داخلية في كل بلد تمثلت في الإصلاحات الواسعة الجارية في البلدين, وقد أدت هذه المتغيرات  إلى  ما يمكن قوله اكتشاف كل بلد لأهمية الآخر بالنسبة له من جديد, حيث تشكل سوريا جسراً حيوياً لتركيا إلى  الدول العربية  وأسواقها بينما تشكل تركيا خياراً اقتصادياً ومجالاً أوروبياً  لسوريا, فضلاً عن ان دمشق  ترغب منذ البداية في رؤية علاقات جيدة مع تركيا تتناسب وحسن الجوار بعيداً عن تحول تركيا إلى  طرف ضاغط  في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ولعل ما ساهم في  دفع الأمور نحو هذا الاتجاه هو وصول حزب العدالة والتنمية إلى  سدة  السلطة في تركيا, ورؤية هذا الحزب لإقامة علاقات متوازنة مع الدول العربية انطلاقاً من الروابط التاريخية والثقافية والمصالح  المشتركة بحكم الجوار الجغرافي, وقد شكل هذا الأمر متغيراً كبيراً في  سياسة أنقرة العربية وسط  ترحيب عربي وإسلامي بمثل هذه السياسة التركية المغايرة.                                                                                                         

وعلى المستوى السوري  الخاص  ينبغي التذكير  بأن مشاركة الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر في مراسم  تشييع  الرئيس الراحل حافظ  الأسد شكلت بالنسبة  لدمشق  مسألة رمزية في غاية الأهمية بقدر ما شكلت لحظة مفصلية فتحت المجال امام تطوير العلاقات بين البلدين من أوسع الأبواب  كما أكد الرئيس بشار الأسد في لقاء مع قناة "س. ن.ن" التركية. 

لقد قطع التقارب السوري ـ التركي  شوطاً كبيراً في مجال تطوير العلاقات بين البلدين وفي الوقت  نفسه أوجد خياراً مشتركاً لتطوير هذه العلاقات على أعلى المستويات, وفي ظل التحديات الأمنية المشتركة والناتجة أساسا عن الاحتلال الأميركي للعراق والمساعي الأميركية لإعادة ترتيب المنطقة فإن هذه العلاقات مرشحة لخيار إقليمي مشترك  من شأنه رسم  أسس استراتيجية لعلاقات البلدين.