رحيل أديب آل البيت (ع):
سليمان كتاني: بصمت كتب.. بصمت رحل


تفاجئك المفردات في نص الأديب الكبير الراحل سليمان كتَّاني أكثر مما يفاجئك موضوع كتابته، فالمعاني التي يشكلها لقاء مفردة بأخرى لا عهد لها بها ولا لك أيضاً، تفرض عليك من تلاحم السطور في النص المتماسك، بناءً وهيكلية جمالية آخاذة وآسرة..

معانٍ جديدة توقفك على بوابة تساؤل واسع الحيرة.

من أي قيثارة خرجت الزهراء (ع) وتراً؟ وفي أي غمد استحال الوتر بموسيقاه الرهيفة رمحاً مجاهداً مقاوماً؟

من هو الواقف على هذا الممتد شاطئاً.. ومن أي سحاب همتِ المزن كوثراً لم يُهدر إلا ليسقي بالقاني عصارة النقيع من حلة البرقير.. أمة العرب والمسلمين.. لتتلألأ أمام وجه الكون لوحة إنسانية خالدة يزينها الشجى؟ تحت أي القباب وفي ظل أي المنائر ترصعت الحياة عناقيد، رفعتها مهابات الدعاء فوق دوالي الروح قسمت إنساناً يوزع على أوقات الحياة مناجاة صبحٍ وظهرٍ ومساء.. وليلاً خاشعاً في محراب الفجر؟

إذاً.. الموضوع وحده ليس مفاجئاً، فآل البيت (ع) شكلوا ـ عبر تاريخهم المطهر من الرجس تطهيراً ـ مصادر إلهام لأدباء كُثُر ومن جنسيات وقوميات متعددة.. لم تكن الكتابة عن آل البيت النبوي حكراً على الشيعة، كثيرون سواهم غمسوا كلماتهم بمحابر الولاء المحمدي العلوي الأصيل، ولكن ثلة قليلة من هؤلاء الكثيرين نظفوا الكلمة قبل غمسها بأحواض النور، فتلألأت أمام قارئيها صادقة متوهجة.. تضيء ظلمات الدرب أمام الباحثين عبر القراءات.. عن الحقيقة.

وقِلّة أيضاً من برت ريشتها قبل الكتابة بمبراة الشعور الإنساني العام المجرّد عن حساسيات الانتماء المذهبي الموروث، المنطلق في انفتاح النفس على قمم الجمال أينما وُجدت.. لتخرج من قيود الذات وأسر التعصب لـ"الأنا" الضيقة، فيتسع المدى نفساً ترفض أن تقف على الشاطئ وحيدة، دون الآخر الذي يناظرها إنسانية وإن خالفها ديناً ومذهباً. ومن هؤلاء القلة جاء سليمان كتاني الذي أخذ من محرَّم الحرام بُردة الرحلة الأخيرة، متلفعاً سواد الحزن النقي الصادق المعجون على صفحات الورق، أدباً استقى من نجيع الحسين (ع) مراده، فكان الرحيل في اليوم نفسه الذي ولدته أمه فيه للحياة.. فكرةً.. ومضةً.. بل كلمة خالدة عرفت كيف تلتحم بمعناها، عبر لحمة الحروف المضاءة بأنوار الحقيقة من مصابيحها الوضاءة ونجومها الزهر.. فكانت المفارقة العظيمة التي تختص عادة بالعظماء ممن مروا بالدنيا كِراماً بعد أن عاشوا فيها عِظاماً.. ربما كانت المفارقة العظيمة أن يرحل أديب آل البيت (ع) عن الدنيا في اليوم نفسه الذي جاءها فيه، ولكن بعد ثلاثة وتسعين عاماً.. هبة من الله.. كي يسجل الكتاني في فرصة ذهبية من امتداد السنين قارباً لكلمته وشراعاً لنصِّه يحمله الأدب الرفيع الى موالي آل البيت وسواهم ممن تهزهم القيم العلوية وإن لم ينتموا الى محمدٍ وعلي.. فيكون بذلك داعية الى منائر ارتفعت أكبر من دوائر المذهب، لتضم بين قطرها والشعاع الإنسانية جمعاء. إذاً، مرة أخرى الموضوع ليس مفاجئاً.. لم يكن سليمان كتاني المسيحي الوحيد الذي هزَّته بطولة علي، فملأ ريشة قلمه من حبرها القاني، ولا اللبناني الوحيد الذي طربت تحت صرير قلمه الأوراق وهو يُحبّرها من شاطئ محمد (ع)، ويرويها من سحابة الهامي رحمة للعالمين.. وحباً..

ولكن القراءة تؤكد أن الكتاني بنى من الكلمة محراباً يصلي فيه الأديب والقارئ معاً صلاة الشكر بعد الوصول الى العتبة الأولى في معرفة آل البيت (ع)، وما أشق الرحلة! ولكن ما أحلى الوصول! وسيدٌ من يصل بالكلمة والنص الى رشفة حب من حياض الرسول.. بعد ظمأ الرحيل..

فعناوين كتبه التي مرَّت آنفاً في تساؤلات خجولة، تأخذ بيد القارئ الى جنائن معلقة على أستار الأدب الخالد، أين منها جنائن بابل والخضراء في غوطة دمشق؟

بأناقة تشبه الزهر في إبانٍ تفتحه، يفتح هذا العاشق المغرم بآل البيت أدباً وشعوراً، خزانة أسرار عشقه، فيريك بعد الحيرة أن الزهراء (ع) خرجت من قيثارة النبي وتراً ينشر الحب على حرارة جراحه بلسماً، ليندغم في غمد علي (ع) سيفاً تلوذ به ساحة المسجد، حيثما اقتحمت هذه الساحة حزازات صدورٍ استطاعت أن تنبت على دمن الثرى، قبل أن ينبت المرعى للمسلمين فيئاً يلوذون به من هجير صحرائهم.. فكانت الزهراء.. وكانت كلمة الكتاني صلاة في محراب الولاء، ومنها:

إيه فاطمة.. يا ثغراً تحلّى بالعفاف فطاب رضابه..

يا عنقاً تجمل بالمكرمات فزكا إهابه..

يا طيب الأمومة.. يا مشتهى العفة.. يا طهارة المردن.. يا عديلة مريم.. يا قيثارة النبي.. يا ثورة اللحد.. يا وتراً في غمد..

ومن "علي نبراساً ومتراساً" يريك الكتاني مائدة مدَّها علي (ع) للهائمين بحثاً في صحراء الحياة عن إنسانيتهم الضائعة، فيعزف على وتر وحيد يتيم في ذاته الظمأى لينابيع "علي"، أناشيد حيّة: "فلا عجب أن تجوع الدنيا الى صوانيك كلَّما غصَّت بموائدها، أو تتعطش الى مساقيك كلما غرقت في مناهلها، والدنيا إنما سغبها في تخمتها، وإنما صداها بفيض غمرها.. أما ان أطباقك كيف لا تتخم! ومشاربك كيف لا تغرق! فلأنك الذوّاق، إذ قدّمت فنَّ المأكل وفنّ المشرب.. وهكذا لا تزال الدنيا بأجيالها تغرف الطيب من أفاويهك، يا أيها الوجه الكريم من سنا ربّك".

ـ حتى في إهداءيه الموجزين لهذين الكتابين يضم الكتاني كلماته في باقة حب ترى في علي والزهراء جوانب جديدة، خليق بكل محب وامق أن يراها. في إنسانية علي العظيمة وبطولة الزهراء الفذة، حيث يقدم الى كل امرأة تفتش عن "مِرودٍ.. قارورة طيب.. ريشة خضاب.. فاطمة الزهراء".

وغير خفي على دارس متأنٍ لسيرة الزهراء (ع)، ما معنى مِرودٍ لغير الاكتحال.. وقارورة طيب لغير العطر.. وريشة خضاب لغير الحِناء.. أو "الى كل من يستهويه علي بن أبي طالب في بطولة القيم وفتح كوى النفس على الحق والخير والجمال..".

ومع الصبح المنبلج في إشراقة وجه الرسول الأعظم، يقف الكتاني بين يدي الرسول في عنوان يرينا محمداً (ص)، صلة وصل تضم صلابة الأرض الى طراوة السماء.. فإذا محمد (ص) بينهما شاطئ وسحاب.. ويطرق الكتاني الباب على خلوة محمد (ص) في استئذان يرق حتى يلامس حدود مناجاة صوفي دخل في مرحلة الانخطاف إلا عن حب الرسول ووجهه الكريم: "يا بن عبد الله.. يا أطهر زيت في سراج، يا ألمع ضوءٍ في زجاجة، هادت مضاويك.. يا ارتسام الصفاء على الصفحة البيضاء.. يا تلاميح البهاء في الليلة الدكناء.. يا رسول الله.. جلَّ بالله سناؤك".

بكل هذه الرِّقة وهذا الجمال المبتهل في محراب الرسالة السمحاء، يتابع الكتاني كتاباته.. فمن "الإمام الحسن الكوثر المهدور" الى "الحسين في حلّة البرفير".. الى "زين العابدين عنقود مرصع"، قفزة واحدة يُسرع بها عبر بُراق الأدب الى "الإمام الخميني.. شرارة باسم الله واحترق الهشيم"، في كل هذا الإرث العظيم الذي تركه لنا أمانة للدراسة والتحليل، لنكتسب نحن بذلك غنى المعرفة وغنى الحب لمن أعدنا قراءتهم لمعرفتهم.. اعتمد الكتاني لغة الحب والولاء والمناجاة، وصاغ الكلمة على نول الأدب بعد أن عجنها بما فطرت عليه نفسه التواقة الى الخير، فرأى في آل البيت مداميك كتابة تضاء بهم عوالم الأدب، فيخلد ويرتبط باسمه ما كتب ليبقى في الدنيا مكتبة لقاصدي الحقيقة عن الأئمة، وفي الآخرة صدقة جارية تضع على طريق الولاء ولو سالكاً جديداً كلما تصفح كتبه قارئ متآنٍ.

 والآن، بعد رحيله، تبقى الكلمة الأخيرة التي قالها لي في حوارنا الوحيد في 17/10/1997: "إنه يتمنى أن يمد الله سبحانه في عمره في هذه الدنيا فقط ليكتب عن باقي الأئمة الاثني عشر.. لكل إمام كتاب حتى تكتمل بين يدي الله سلسلة كتبه عن آل البيت (ع)".

 

شهادات حيّة في سليمان كتاني وأدبه

الإمام القائد السيد علي الخامنئي لسليمان كتاني:

ـ أنا أعرفك يا صديقي منذ زمن أول.. لم يغب عن ذهني كل ما كتبت في الأئمة المعصومين، لا سيما كتابك عن فاطمة الزهراء "وترٌ في غمد".. بحيث أنجدت من قام بترجمته الى الفارسية، شارحاً له كل الكلمات العربية التي كان يستعصي عليه فهمها".

ـ الإمام السيد موسى الصدر في مقدمة كتاب "الزهراء وترٌ في غمد": "فلنتابع ـ مع هذه الريشة المغموسة بالطيب واللون ـ قراءة الكتاب على مهل، مكتشفين مع كل صفحة لوحة فنية رائعة، نستشف ضمن خطوطها ومن بين كل ظل من ظلالها، وجه فاطمة الزهراء مشرقاً وضَّاءً وعفيفاً سنياً".

ـ آية الله السيد محمد حسين فضل الله في مقدمة كتاب "زين العابدين عنقود مرصّع": "إنني أقدِّر للصديق الأديب سليمان كتاني أدبه وفنه وشاعريته في خياله وأسلوبه. كما أقدّر له هذه التجربة.. إنها أسلوب جديد في كتابة السيرة قد تجد فيه ما لا تجده في الكتب المنهجية لكتابة السيرة".

سماحة الإمام الشيخ مرتضى آل ياسين رئيس جماعة العلماء في النجف الأشرف: ".. وحسبه ميزة أن يبرز بهذا الأسلوب الرائق الذي أقل ما يقال فيه، انه أسلوب بياني بديع، له من مقومات اللفظ وخصائص المعنى ما يجعله جديراً بكل إعجاب وتقدير".

ـ الكاتب الأستاذ جعفر الخليلي في مقدمة كتاب "علي نبراس ومتراس": "سهل علينا أن نعرف سر ولع سليمان كتاني بالإمام علي، وسهلٌ علينا أن نستشف هذه الروح وهذه الملكة الأدبية من هذه الصفحات المشرقة التي دبّجتها براعة الكاتب في أسلوب ـ لا أعدو الحقيقة إذا قلت ـ إنه نسيج وحده".

 

مؤلفات الأديب سليمان كتاني في آل البيت (ع):

ـ محمد شاطئ وسحاب.

ـ الزهراء وترٌ في غمد.

ـ علي نبراس ومتراس.

ـ الحسن الكوثر المهدور.

ـ الحسين في حلّة البرفير.

ـ زين العابدين عنقود مرصّع.

ـ الإمام الباقر نجيّ الرسول.

ـ الإمام الصادق ضمير المعادلات (طور الإعداد).

ـ الإمام الكاظم شعاع مقهور الضوء.

ـ الإمام الخميني.. شرارة باسم الله واحترق الهشيم.

 

كتابات في مواضيع أخرى:

ـ يسوع أبد الإنسان.

ـ لبنان على نزيف خواصره.

ـ جبران جليل جبران في مداره الواسع (مسلسل تلفزيوني).

ـ مي زيادة بحر من ظمأ (مسلسل تلفزيوني).

ـ أمل ويأس.

ـ الجذور.

ـ ميخائيل نعيمة بيدر مفطوم.

ـ جوزة الدب (قصة).

ـ غزالة قاع الريم (قصة).

ـ ناقع السم شاربه (مسرحية).

ـ محاكمة هارون الرشيد (مسرحية مخطوطة).

المهلب بن أبي صفرة (مسلسل تلفزيوني مخطوط).