تلفزيون الواقع 
فئران في أقفاص ملونة


بعد خطوات كبرى لعدة شاشات عالمية نحو أسلوب "تلفزيون الواقع"، بدأت الفكرة بالتسلل الى محطات عربية بأشكال وأساليب عدة، منها ما هو انساني بحت مُلامس للقضايا المسكوت عنها ومعبّر عن المشاكل الانسانية والاجتماعية من خلال مواكبة الكاميرا للأحداث كما هي، لتقدم بشكل ليس ببعيد عما يعرف بالسينما التسجيلية التي قدمها يوسف شاهين ويسري نصر الله من مصر وجان شمعون ومي المصري من لبنان.

كما ان هناك شكلاً آخر من "تلفزيون الواقع" يغلب عليه الجانب المعلّب التجاري اللاانساني الذي يحول الفرد الى فأر في قفص ملون يشاهده الجميع من خلال محطة تبث مباشرة من المكان الذي تحتجز فيه هذه الكائنات الفرحة بالشهرة وحلم الوصول الى النجومية ومستتبعاتها من مال ورفاهية وأضواء. 

للضرورة أحكام 

في فترة التسعينيات اعترض المؤلفون وكتّاب السيناريو في أميركا على الظلم والغبن الذي يطالهم مادياً ومعنوياً، في حين ان قصب السبق والبروباغاندا الاعلامية وحصد الأموال الطائلة يكون من نصيب الممثلين والمخرجين فقط، ما دفعهم الى الاحتجاج والتحرك والتظاهر في اطار منظّم وهو نقابتهم التي تتمتع بقوة وحضور مؤثر لنيل مطالبهم المتعلقة بحقوقهم المادية والمعنوية. لكن أصحاب المحطات التلفزيونية الذين يبتغون أولاً وأخيراً الربح المادي ساءتهم مطالب المؤلفين، ففكروا في حلول ومخارج للأمر توفر عليهم أعباءً مالية وتخلصهم من الخضوع من  وقت لآخر لمطالب تقلق راحتهم وراحة جيوبهم. فكان تلفزيون الواقع حلاً مثالياً للمعضلة، فالأمر لا يتطلب سوى تسليط الأضواء على قصص حاصلة وتحصل وأصحابها هم "مؤلفوها" أنفسهم، مع الحاجة الى مخرج وأحياناً الى ممثلين اذا كانت القضية تحتاج الى تغيير أبطالها الأصليين الذين قد تمنعهم ظروفهم الاجتماعية والقضائية من الظهور بوجوههم المعروفة. ويبدو أن الحل كان سحرياً، فكرّت السبحة وتنوعت أطيافها بين الجد والهزل والمسابقات.

 

"ريالتي تي.في" 

من بين المحطات العالمية التي اتخذت من فكرة تلفزيون الواقع منهجاً لكل برامجها من دون استثناء محطة "ريالتي ـ تي ـ في"، التي اختارت لاسمها ان يكون على مسمى دون لف ولا دوران.

تتنوع برامج المحطة وتتشعب، فتقدم شرطاً مسجلة من قبل رجال الشرطة أو من خلال صحافي يرافقهم، وهي أشرطة لعمليات مداهمة ومطاردة وتوقيف لصوص وجناة ومدمنين ومشاغبين مع ما يحمله الأمر من مخاطر وتشويق.

كما تقدم المحطة تسجيلاً لشهادات بعض الناس حول علاقتهم بالماورائيات والأشباح وغيرها. وهناك برنامج "خائنون" الذي يلاحق الناس الى بيوتهم، على أن يكون التحرك والمراقبة حاصلين بناءً على طلب من الطرف المخدوع، شرط أن يكون هذا الأخير قد وقّع على موافقته المسبقة على عرض الشريط من دون أي اعتراض. وهنا نلمس الوجه المرعب لهذا النوع من البرامج الذي ينتهك خصوصيات البشر ويحوّل فضائحهم الى مادة مسلية لمشاهدين "يقرمشون" الفوشار وبطاطا "تشيبس" ويشربون المياه الغازية.

 

الأخ الكبير 

منذ بضع سنوات أطلت فكرة برنامج "بيغ براذر" أو الأخ الأكبر من خلال عدة شاشات عالمية. وفحوى البرنامج أنه يختار عدداً متساوياً من الشباب والبنات بناءً على امتحان معيّن أو بواسطة اختيار عشوائي لأسماء متصلين للمشاركة بالبرنامج، ثم يوضعون في مساحة من الاسمنت المقنّع بألوان الطلاء الزاهية والأثاث الشبابي ليعيشوا بضعة أشهر تحت رهبة سبعين أو ثمانين كاميرا تلاحقهم في السراء والضراء ـ 24/24 ـ ولا تتوقف عن "اللصلصة" عليهم الا عند تخوم المرحاض، وهو المربع الوحيد الذي تراعى به حريتهم، علماً ان الكاميريات تلاحقهم في نومهم، فتبقى الكاميرا كل الليل جاثمة فوق أسرتهم، وهي تعد عليهم شخيرهم وتقلباتهم، وربما أحلامهم وكوابيسهم!

 

انتفاضة 

لم يمر البرنامج مرور الكرام، فواجه سيلاً عارماً من النقد المقنع  من قبل الكثيرين ممن هم مختصون بالنقد التلفزيوني. ثم كبرت كرة الثلج لتصبح القضية محوراً لنقاشات كتّاب ومفكرين وسياسيين وقانونيين بحثوا في شرعية الأمر ومدى مواءمته لفكرة حرية الفرد التي يقول المجتمع الغربي انه حريص عليها. وقد كانت أمواج هؤلاء النقاد المعترضين تتكسّر عند صخور الجماهيرية الكبرى للبرنامج الذي لاقت فكرته الجديدة شعبية خولته الاستمرار برغم أنف الجميع.

لكن مع الوقت بدأت الفكرة بالدخول في طور الرتابة، وراح المشاهدون يتململون من ايقاع الحلقات الرتيب، فانصرف أكثرهم عن المشاهدة، ما أدى الى توقف البرنامج في بعض الدول، كما هي الحال في فرنسا مؤخراً.

 

"فرنجي برنجي" 

لا يضيع العرب فرصة لمواكبة "التطور" العالمي، فاقتبسوا الأسلوب الجديد وأدخلوه في بعض برامجهم، وفي أحيان أخرى ترجموا البرنامج حرفياً، بمعنى أنهم سرقوا الجمل بما حمل. وفي مرات قليلة كانت حقوق البرنامج تُشترى من الجهة العالمية المنتجة، كما هي حال "ستار أكاديمي" على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBC) . وفي كل الحالات يظهر الأمر استلاباً أمام الوافد الجديد من دون ان يحاول القيمون على الأمر توليف الفكرة لتشبه مجتمعنا وحضارتنا.

 

كسر الثوابت 

لن يدخر المشاهد جهداً ليلاحظ ان بعض برامج "تلفزيون الواقع" المستوردة تحمل قيماً وعادات لا تمت الى مجتمعنا بصلة، فشكل العلاقة بين الجنسين يتجاوز الكثير من الأعراف الاجتماعية والدينية، وهو ما يشكل خطراً فعلياً على مجتمعنا الذي تتسلل اليه هذه المناخات بالتدريج ومن خلال حياة "عادية" يعيشها أبطال برنامج مثل "ستار أكاديمي" مثلاً. وهنا بيت القصيد، أي ان ما نشاهده ليس فيلماً أو مسلسلاً يقوم ببطولته ممثلون محترفون، بل ما نراه يقوم به مواطنون عرب مثلهم مثلنا بعضهم ينتمي الى مجتمعات محافظة مثل دول الخليج العربي.

ونحن لا نقول هذا الكلام تحت تأثير نظرية المؤامرة، لكننا معنيون بالنتائج التي تكسر بعض الثوابت وتحولها مع الوقت الى أمور عادية.

 

LBC 

ان المتابع لدورة برامج الـLBC  الجديدة سيلاحظ ان اسلوب تلفزيون الواقع قد أصبح نهجاً تعتمده المحطة في استراتيجيتها على حساب أنواع اخرى من البرامج كالمسلسلات اللبنانية، ولا نقول المسلسلات المكسيكية، لأن ثمن الحلقات وكلفة دبلجتها  يعدان غير مكلفين للمحطة، خاصة ان الدبلجة تتم في استديوهاتها.

"صارت معي" هو عنوان برنامج أسبوعي تبثه الـLBC  اسبوعياً، وهو عبارة عن قصص واقعية يرويها أصحابها مع تغيير في الصوت وتمويه الصورة، على أن يقوم ممثلون لبنانيون بأداء أدوار أبطال القصة الأصلية.

من ايجابيات البرنامج ان يُخرج الى العلن قصصاً معيشة من قبل مواطنين ذاقوا الكثير من المرارات من خلال ظروف فُرضت على حياتهم، وهي تصلح لتكون عبرة ودرساً للمشاهد. علماً أن بعض الحلقات حركت أجهزة الأمن والقضاء للاستفسار.

أما "ضرب خوات" الذي يعرض مرة في الشهر، فهو توظيف لبرنامج "وقف تقلك" الذي كانت تعرضه المحطة عند نهاية كل سنة، وتقوم من خلاله بقلب حياة عائلة من خلال عدة تقديمات طائلة، وهو ما يعوق ان يتحول برنامجاً أسبوعياً.

ومن برامج تلفزيون الواقع على ذات المحطة هناك "عيدك علLBC "، وهو لفتة ايجابية يتم من خلالها الدخول الى بيت يحمل هماً اقتصادياً أو مرضياً ثم يُصار الى تقديم أثاث منزل مع تلبية رغبات معينة لهذه الأسرة.

حتى "كلام الناس" بدأ بالتنويع في صيغته المعروفة منذ سنوات، وكانت حلقة الوزير فؤاد السنيورة بداية لما يُعرف بتلفزيون الواقع، حيث زار عائلة تعاني الفقر والمرض وقام أفرادها بطرح مشاكلهم للوزير الذي سعى لايجاد حل للعائلة من دون ان يقوم بانقلابات سحرية.

ان ما ذكرناه من برامج يعد الشكل الايجابي من "تلفزيون الواقع"، لكن مشاهدتها لا تؤثر ولا تغير بالشكل السلبي المتمثل ببرنامج "ستار أكاديمي" الذي تنطبق عليه كل الآراء النقدية التي أطلقها المثقفون الغربيون على البرامج المشابهة في بلادهم.

لا شك في ان برنامج "ستار أكاديمي" قد كلف مبالغ ضخمة بسبب شراء أرض وبناء مكان خاص ليكون القفص الذي يسرح فيه "طلاب" الأكاديمية و"يمرحون"، وهناك أكثر من 60 كاميرا مزروعة في أرجاء المكان، اضافة الى انشاء محطة خاصة تبث مباشرة من المكان.

الا ان ضخامة الانتاج تهدف الى ضخامة العائد المبتغى من هذا العمل من الجهة الراعية، الى الاعلانات الى التنسيق مع شركات الاتصالات، حيث التصويت والرسائل.

لكن بعيداً عن رأينا في البرنامج وقالبه المنتقص للحرية الفردية، بمعنى تحويل الانسان الى حيوان في مختبر نراقب شكل حركته وأسلوبه في "التطور" والتعلم والأكل والشرب وردود فعله وفعله، بعيداً عن رأينا هذا، نسجل ان البرنامج لم يكن موفقاً من النواحي الأخرى، وتحديداً من الجانب الجماهيري، حيث لا يلاقي استحساناً من قبل الكثيرين، والشخصيات المختارة لا تمتلك أي بعد كاريزماتي.

 

الكاميرا الخفية 

ان الأشرطة المنزلية التي يرسلها الناس الى البرامج الساخرة لتُعرض ضمن الفقرة المتخصصة بالأحداث المفاجئة والعفوية يمكن ان تندرج ضمن عنوان تلفزيون الواقع، وربما هي أكثر واقعية من غيرها، ذلك انها غالباً ما تصور بهدف الاحتفاظ بها ضمن أرشيف العائلة، وهي في الغالب تصوّر بكاميرات غير متخصصة، ما يضفي جواً من العفوية والصدق الذي يفترض مواءمته لعالم تلفزيون الواقع.

اما "الكاميرا الخفية" برغم الافتعال المتعمد للحدث، فيمكن أيضاً أن نعتبرها من عائلة تلفزيون الواقع، وعلى الأرجح هي فرد غير مستساغ ضمن هذه العائلة التي أخذت اسمها من أحداث حصلت  وتحصل دون تدخل محوري أو جوهري في السياق الدرامي للأحداث. وربما علينا أن نكون أكثر دقة لنقول ان الجزء المصنوع والمُعد من "الكاميرا الخفية" لا ينتمي الى تلفزيون الواقع، أما رد الفعل فينتمي اليه.

"تلفزيون الواقع" سيف ذو حدين، علينا معرفة الجهة التي نمسكه بها كي لا نُجرح ونَجرح الآخرين. لكنه بالعموم شكل جديد يتقرّب أكثر الى حقيقة يوميات الانسان من دون ماكياج وتجميل. أما الوجه الآخر للعملة فهو يتقرب الى المنطقة التي تميزنا عن باقي الكائنات لينتهكها تحت عناوين عدة لا تبرر سفك الخصوصية عند مذبح الشاشة.

عبد الحليم حمود