قمة الأميركتين:
 بين إملاءات واشنطن وتمرد الجنوب

 

القمة الخامسة لبلدان أميركا والبحر الكاريبي كان من المقرر لها أن تنعقد في العام 2005، ولكن الولايات المتحدة استعجلت عقدها في مدينة مونتيري المكسيكية في الثاني عشر والثالث عشر من كانون الثاني/ يناير الجاري لأسباب تتصل بحملة الانتخابات الرئاسية وبالحرب على الإرهاب، بعد أن انتبهت واشنطن، فيما يبدو، الى أنها قد أمعنت في الابتعاد عن حديقتها الخلفية منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001. وفيما عدا المكسيك التي أبدى رئيسها فيسانتي فوكس ارتياحه لمقترحات الرئيس بوش بخصوص ترتيب أوضاع المهاجرين القادمين الى الولايات من أميركا اللايتينة، وهي مقترحات تهدف بالدرجة الأولى الى كسب أصوات هؤلاء المهاجرين الذين أثبتوا قدرتهم على التأثير في موازين القوى خلال الانتخابات الأخيرة، فإن بعض الزعماء الآخرين تحفظوا على عقد القمة بصورة استثنائية ومنهم الرئيسي الارجنتيني الذي اقترح شروطاً للمشاركة، في مقدمتها إعطاء الأولوية في مقررات القمة للنواحي الاجتماعية وفي مقدمتها قضية الفقر.

وكان التشنج قد بدا واضحاً قبل انعقاد القمة لأسباب عديدة منها صدور القوانين الأميركية الخاصة بتصنيف المسافرين الى الولايات المتحدة بحسب درجة خطورتهم وبتصويرهم وأخذ بصماتهم مع عدم إعفاء رعايا أميركا اللاتينية من هذا الإجراء الذي لن يسري على رعايا بلدان عديدة منها بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت البرازيل سباقة الى الرد باتخاذ إجراءات المعاملة بالمثل مع الوافدين الأميركيين. أما الارجنتين، فقد وصل التشنج بينها وبين الولايات المتحدة الى حد المشاجرة الحقيقية بعد التصريحات الصدامية التي أطلقتها مستشارة الأمن القومي، غوندوليزا رايس، ونائب وزير الخارجية لشؤون أميركا اللاتينية، روجر نورييغا الذي تحدث، في معرض نقده لسياسات الارجنتين وكوبا، عن خيبة وقلق في واشنطن إزاء ما أسماه بالانحراف اليساري منذ وصول الرئيس نسطور كيرشنر الى الحكم في أيار/ مايو الماضي.

وكان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو قد كسر طوق العزلة المفروض عليه أميركياً عندما استقبل بحفاوة بالغة في بيونس آيرس أثناء حفل تنصيب الرئيس كيرشنر، كما ان وزير الخارجية الارجنتيني رفض الالتقاء في اكتوبر/ تشرين الأول الماضي بمنشقين كوبيين، الأمر الذي اعتبر بمثابة تمرد إضافي على الإملاءات الأميركية.

ولم يتردد الرئيس بوش أثناء انعقاد القمة في الدعوة الى التغيير السريع والسلمي لنظام الحكم في كوبا، وهو الأمر الذي لم يلق ما يكفي من القبول ودفع الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز الى الإشادة بفيدل كاسترو بحضور بوش. كما ان مطالبة واشنطن بإدخال فقرة عن الشفافية تمنع الدول "الفاسدة" من المشاركة في اجتماعات منظمة الدول الأميركية، أثارت عاصفة من الاحتجاج، ووصفها أحد كبار المسؤولين البرازيليين بأنها غير واضحة، وتساءل عن الجهة التي يمكنها أن تقرر من الفاسد، وعن المعايير التي يمكن بواسطتها تمييز الفاسد من غير الفاسد.

وإذا كان قد تم الاتفاق بصعوبة، بعد كل هذه المشاجرات، على تحديد موعد نهائي لإنهاء المفاوضات بشأن إنشاء منطقة التبادل الحر الأميركية (زليما)، بسبب ميل البرازيل الى تنحية هذا الملف وإعطاء الأولوية للعمل في مجموعة ميركوسو التي تضم عدداً من بلدان أميركا الجنوبية، وتحاول بناء نفسها على نمط الاتحاد الأوروبي، فلأن بلدان اميركا اللاتينية الغارقة في المديونيات وفي مشكلات الفقر (عشرون مليوناً فقدوا وظائفهم خلال السنوات العشر الأخيرة) لا يمكنها، برغم طموحات البرازيل والارجنتين الى كسب العضوية الدائمة في مجلس الأمن، لا يمكنها أن تبخس قيمة ما يمكن أن تحصل عليه من مساعدات مالية أميركية ووساطات لدى الجهات المانحة، وخصوصاً أن هذه البلدان التي يصل فيها عدد الفقراء الى 38% من مجموع السكان تحصل على 32 مليار دولار سنوياً من الأموال التي يرسلها المهاجرون في الولايات المتحدة الى ذويهم في الجنوب.

عقيل الشيخ حسين