"مناقصة" الشركات المستثمرة و"مزايدة" التخبط
الخلوي .. عود على بدء ومقاربة جديدة؟

 


عاد ملف الخلوي ليحتل صدارة الإهتمام الرسمي والشعبي خصوصاً بعد النتائج التي أسفر عنها فض عروض المناقصة والمزايدة العموميتين ورسوها على الشركتين المشغلتين حالياً وانسحاب الشركات قبل أربع وعشرين ساعة من الموعد المحدد لفض العروض. وإذ سارع مجلس الوزراء إلى تشكيل لجنة وزارية للتحقيق في أسباب الانسحاب، وتحديد مسؤوليات الإدارات الموكلة بالملف أساساً وتحديد الأخطاء، فإن ردود الفعل والمواقف التي صدرت سواء من داخل مجلس الوزراء أو من خارجه تؤكد أن ثمة تخبطاً في إدارة هذا الملف يقتضي إعادة النظر ومقاربته برؤية جديدة لعلها تعيد مصداقية الحكومة المهدورة، وخصوصاً أن النتيجة التي آل إليها الملف أقل ما يقال فيها انها فضيحة على الرغم من أن هذا الوصف لم يعد ذا أثر نظراً لكثرة ترداده في العديد من الملفات المفتوحة حالياً أو المؤجلة. 

وبانتظار استكمال الوثائق التي طلبتها اللجنة الوزارية في اجتماعها الأول من اللجنة الفنية الإدارية بعد رفع تقريرها بنتائج العروض، وتقديم وزير الاتصالات جان لوي قرداحي بدوره  تقريره لكي تبني اللجنة على الشيء مقتضاه، يبقى هذا الموضوع مثار سجال خصوصاً في ظل تقاذف المسؤولية بين وزير الاتصالات من جهة والمجلس الأعلى للخصخصة من جهة أخرى، واستناد كل طرف إلى معطيات قانونية متناقضة يضاف إليها أرقام هي الأخرى متناقضة .

وفي الوقت الذي ما زال فيه اللغط سيد الموقف خصوصاً في ما يتعلق باليوم الأخير الذي سبق موعد تقديم العروض، وما أشيع عن إدخال تعديلات في اللحظة الأخيرة على دفاتر الشروط المتعلقة بتحديد سعر الكفالة المالية، وعدم الإجابة عن استفسارات الشركات المتقدمة، يبدو أن المأزق لا يتمثل فقط  بتحديد أسباب انسحاب الشركات الخمس، بل في محدودية عدد الشركات العالمية المتقدمة أصلاً، مع ما يحمله هذا الأمر من دلالات وأبعاد سلبية تشير إلى انكفاء الراغبين في الاستثمار في القطاعات الأخرى المعروضة للخصخصة.

وفي هذا السياق يرى مصدر نيابي مطلع على ملف الخلوي أن ما حصل مؤخراً سببه الأساسي التخبط وعدم امتلاك الحكومة أي رؤية واضحة، إضافة إلى الخلافات الرئاسية والتواطؤ وتشريع احتكارات معينة، ناهيك عن عدم تطبيق القوانين المرعية،  وكل ذلك من شأنه أن يعزز انعدام الثقة وفقدان الحكومة لمصداقيتها.

ويشير هذا المصدر إلى أن المجريات الأخيرة لا يمكن فصلها أو النظر إليها بمعزل عن الأداء السابق تجاه هذا الملف منذ بدايته، أي منذ التجربة الأولى في إعطاء القطاع الخاص امتياز BOT  لاستثمار هذا المرفق لمدة عشر سنوات قابلة للتمديد، وفي ما بعد إقدام الحكومة على تخفيض حصة الدولة في مداخيل القطاع عن السنوات من 6 إلى 8 من نسبة  30% إلى 20% ما ألحق بالخزينة اللبنانية أضراراً كبيرة، وحقق للشركتين أرباحاً غير مشروعة.

وبعد تنازع بين الحكومة والشركتين وصدور قرار عن الحكومة يقضي بتحميل الشركتين 600 مليون دولار كتقدير أولي عن الأضرار بالإضافة إلى مطالبة الشركتين بمردود 30% من إيراداتها الإجمالية عن السنوات من الخامسة إلى الثامنة والتحقق من إيرادات الخدمات التي تقدمها الشركتان وكانت تخفيها وتمتنع عن دفع حصة الدولة، وانتهت تلك المرحلة بالتحكيم.

ويتابع المصدر النيابي: وعند قدوم حكومة الحريري عقب انتخابات العام ألفين جرى فسخ العقود في الوقت الذي كانت الدولة قادرة على استعادة العائدات بنسبة 40% وإصدار رخصة لشركة ثالثة. وهذا القرار العجيب الغريب وفق المصدر النيابي كان قراراً خاطئاً وقفزة إلى المجهول، وأقل ما يقال فيه إنه كان ارتجالياً ولا يستند إلى حسابات مالية خصوصاً أنه رتّب دفع 160مليون دولار للشركتين، ومع ذلك بقيت الشركتان تشغلان القطاع بحجة استحالة تأمين البديل لتسيير قطاع الخلوي، إضافة إلى عجز إدارة وزارة الاتصالات عن إدارة هذا المرفق بنفسها بسبب مخالفة الشركتين للبند المتعلق بتأهيل ما يكفي من الموظفين لإدارة وتشغيل هذا القطاع، وببقائهما تشغلان القطاع كانت الشركتان تجنيان مزيداً من الأرباح غير المشروعة .

وإذ أكد المصدر النيابي أنه ليست بهذه الطريقة تدار شؤون الدولة، رأى أن الحل هو بالعودة إلى القانون الذي أصدره مجلس النواب  وحدد من خلاله إطاراً للخصخصة في العام ألفين، ويقضي بتشكيل هيئة ناظمة، وإنشاء شركة ليبان تليكوم. وقال "إن ما حصل مؤخراً تجاوز لقانون الخصخصة باعتبار أن المهل انتهت وبالتالي تعتبر المزايدة والمناقصة باطلتين". ويؤكد "أن المطلوب من مجلس الوزراء اعتبار المناقصة والمزايدة ملغاة  والعودة إلى  قانون الخصخصة".

ويلفت المصدر النيابي في هذا المجال إلى أن المطلوب من اللجنة الوزارية تعزيز الثقة بالدولة من خلال إثبات كفاءة في إدارة الملف، وهذا يتطلب وقتاً كثيراً، كما ان عليها أن تكشف ماذا حصل للناس بالضبط وتحديد المسؤوليات .

ورأى أنه بمعزل عن مجريات التحقيق وما يتمخض عنه من نتائج، يبدو أن الشركتين باقيتان على الأقل حتى ستة أشهر، لأن إلغاء المزايدة والمناقصة يرتب طرح آلية جديدة وهي بحاجة إلى وقت.

وفيما يبدو أن الأمور تتجه مبدئياً نحو إلغاء نتيجة المناقصة والمزايدة بين أهل السلطة والحكم والحكومة والمجلس النيابي وانسحاباً اللجنة الوزارية في ضوء تقرير اللجنة الفنية التي اعتبرت عدم وجود منافسة لتقدم شركتين فقط، يظهر أن عملية الخصخصة تلقت ضربة قوية مع ما يحمله هذا الأمر من تداعيات سلبية على طروحات الحكومة المتعلقة بالإصلاح الإقتصادي والتي ألزمت نفسها بها في مؤتمر باريس2 الذي استنفد إيجابياته، وكلها أمور تشير إلى مسار انحداري على المستوى الإقتصادي، وهو وضع مقلق ومخيف يقتضي إعادة نظر في كيفية التعاطي والأداء والتخلي عن الممارسات السابقة التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه.

سعد حمية